الثلاثاء 1 فبراير 2011 :

ما يحدث الآن في مصرنا العزيزة هو منزلق خطير يجب ألا نسمح لأنفسنا بالانزلاق إليه ؛ ومع تقديرنا للشباب الذين قاموا بتظاهراتهم القوية ؛ إلا أنه يجب أن ننظر إلى الأمر من منظور المنطق والحق والعدل ؛ فهناك أصوات خرجت إلى الشارع تطالب بإسقاط النظام وعدم السماح له بإجراء إصلاحات ؛ أي أنها تطالب بإسقاط النظام وترك الإصلاح ليكون في مهب الريح ؛ وهناك أصوات أخرى لم تخرج إلى الشارع لأنها لم تستنفر ترى أن يقوم مبارك نفسه بالإصلاح وأن يبقى حتى نهاية فترته الرئاسية الحالية التي لم يتبق فيها الكثير ثم تسير الأمور بعد ذلك طبقا لما يقرره الدستور في ظل الإصلاحات المنشودة.

ولا أحد يستطيع أن يجزم أي الفريقين يمثل الأغلبية ؛ ولكن المؤشرات والاستنباطات تدل على أن الأغلبية هي تلك التي لم تستنفر وتقبع في منازلها والتي تؤيد إجراء الإصلاحات مع بقاء الرئيس.

والدليل على ذلك أنه لو كانت الأغلبية في ذلك الفريق الداعي لتنحي الرئيس لوجدنا عشرات الملايين في الشوارع بسبب أنهم مستنفرون للخروج لتحقيق أهدافهم ؛ ففي حال الاستنفار يخرج جميع الفريق ؛ وهو إذ قد خرج وإذ قد رأيناه لا يصل في أقصى تقدير إلى رقم المليون فهذا يعني أن هناك عشرات الملايين من الفريق الآخر الذين لا يجب استنفارهم للخروج وإلا وقعت مذابح لا يعلم مداها إلا الله.

والدليل الآخر أن الرئيس في الانتخابات الأخيرة قد نجح من الدور الأول رغم وجود عشرة مرشحين لم يتمكنوا مجتمعين أن يشتتوا عنه نسبة من الأصوات تجبره على الإعادة ؛ ومهما قيل في بعض التجاوزات في تلك الانتخابات إلا أنها لم تصل أبدا إلى درجة تزوير إرادة الشعب باعتراف أغلبية المرشحين والمراقبين.

ومن هذا المنطلق نناشد هذا الفريق المستنفر أن يقدر رأي الفريق الغير مستنفر لا سيما أن في رأيه الحكمة وتحقيق المصلحة وهذا ما يهم كل عاقل على الدوام ؛ فلا يهم إسقاط أحد أو إبقاء أحد ما دام ذلك ضد مصلحة الشعب.

ليس بين أغلبية الشعب وبين مبارك خصومة شخصية ؛ فلا نستطيع أن نحمل الرجل كل ما هو سيء وننسى له كل ما هو خير ؛ إن هذا أنكر أنواع الإجحاف ؛ فالوفاء يقتضي أن نعترف للرجل بإنجازاته وتضحياته وأن نشكره عليها ونبدي العرفان لها ؛ ومع ذلك فلو كان الوفاء سيتعارض مع مصلحة الشعب لكان تارك الوفاء معذورا ؛ ولكن إذا كان الوفاء يلتقي مع مصلحة الشعب في تعزيز الاستقرار والإصلاح المدروس والتهيئة لمرحلة مقبلة من الديموقراطية الحقيقية ؛ فأي عذر عندئذ لمن يريد استبدال الوفاء بالجحود.

يجب ألا ننسى أن مبارك كان أحد العناصر الأساسية في حرب أكتوبر المجيدة التي تشبه موقعة بدر ؛ وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في أهل بدر ما معناه : " ما ضر أهل بدر ما فعلوه بعد اليوم " ؛ وفي ذلك تعظيم وإجلال لدور كل مشارك في حرب مقدسة عادلة.

لا ننكر وجود كمٍّ من الفساد في الحكومات المتعاقبة ؛ ولكننا لا نستطيع أن نحمل مبارك كل التبعات ؛ فمبارك أو غيره لا يستطيع أن يراقب كل الناس ؛ ومسئولية أي إنسان تقف عند حدود قدرة البشر ؛ فلو استبعدنا الشائعات والأقوال المرسلة والرجم بالغيب والظن الذي هو أكذب الحديث بنص حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ لو استبعدنا كل ذلك لم نجد ما يثبت أن مبارك شخصيا متورط في فساد أو متستر عليه ؛ ولو أنه قد ثبت مثل ذلك لا قدر الله لطالبنا بمحاكمة من يثبت عليه الفساد أيا من كان ؛ فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها ".

فمحاربة الفساد تتمثل في المطالبة بمثول كل من تحوم حولهم الشبهات لتحقيق عادل وإنزال العقوبات بمن يثبت تورطهم في الفساد بأدلة ومحاكمة قضائية عادلة وليس بالظن أو التخمين.

والكلام في هذا كثير جدا والحجج والبراهين كثيرة لكننا نكتفي بهذا القدر لندخل إلى الموضوع الأهم وهو طرح السؤال الهام : ما هو الحل وما هو المخرج من هذه الأزمة وهذا المنزلق ؟؟

الحل يتمثل في طريقين فأيهما هو الصواب وأيهما الخطأ ؟

الطريق الأول الذي ينادي به المستنفرين الذين لا تشير الدلائل إلى أنهم أغلبية وتشير إلى أقليتهم رغم صوتهم القوي الآن بسبب استنفارهم وأخذهم زمام المبادرة مع عدم قدرة أي أحد بالجزم في أقليتهم أو أغلبيتهم ؛ هؤلاء المستنفرين قد اختاروا المنزلق الخطر وهو المطالبة برحيل مبارك أيا كانت النتائج متوهمين القدرة في ظل هذه الظروف الفوضوية المفتقدة للأمن والسيطرة ؛ متوهمين القدرة على تشكيل حكومة ملائكية ملهمة تستطيع تحويل الرمال إلى ذهب بضربة عصا وتحقيق الأحلام في طرفة عين ؛ وهذه أوهام غير مؤكدة لا ينبغي الرهان عليها بمستقبل مصر.

وهناك الطريق الثاني الذي يراه الفريق غير المستنفر وهو استقرار الأمور وبقاء مبارك حتى نهاية فترته التى أوشكت أن تنتهي وإجراء إصلاحات حقيقية في ظل ظروف مستقرة ؛ إصلاحات تحقق طموحات هذا الشعب وتحقق العدالة والأمن والاستقرار.

فرؤية الفريق الثائر المستنفر سوف تتحقق تلقائيا بعد عدة شهور بانتهاء فترة الرئاسة الحالية ؛ فإذا استعجلنا تحقيقها فورا وفي الحال فقد يؤدي ذلك إلى فوضى ومنزلقات خطرة قد تعيد البلد إلى الوراء سنين لا يعلم عددها إلا الله ويصدق فينا الحديث الشريف : " إن المنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى ".

وهكذا تقل فرصة تحقيق الأهداف ؛ حيث أنه في ظل الفوضى وعدم الاستقرار قد يضطر المسئولون الجدد إلى نبذ الديمقراطية واستخدام القوانين الاستثنائية من أجل فرض السيطرة والاستقرار وعندئذ تضيع الجهود كلها هباء وتصير الأمور إلى الأسوأ.

ورؤية الفريق الثاني سوف تؤدي إلى نتائج أكثر ضمانا وهو مطالبة مبارك بإجراء الإصلاحات مع بقائه حتى نهاية فترة الرئاسة التي أوشكت ان تنتهي أصلا ؛ وفي الانتخابات القادمة يفعل الشعب ما يريد في جو من الاستقرار والأمن والانضباط والقدرة على تحقيق الأهداف بغير مجازفة ولا مراهنة ولا مقامرة.

والخلاصة أن الطريق الأول = رحيل مبارك مع الجحود وعدم الوفاء + المراهنة والمجازفة على تحقيق الأهداف + تعريض البلاد لمنزلق خطير من عدم الاستقرار واحتمال لجوء المسئولين الجدد إلى اجراءات استثنائية لفرض الاستقرار واحتمال رجوع البلاد إلى الوراء وضياع مجهودات الثائرين.

والطريق الثاني = التشجيع على إجراء إصلاحات تحقق طموحات الشعب + بقاء مبارك حتى انتهاء الفترة التي أوشكت أن تنتهي وما يحمله ذلك من وفاء وعرفان هو شيمة المصريين مسلمين ومسيحيين + ضمان استقرار البلاد وضمان تحقيق الأهداف في الانتخابات القريبة القادمة.

فلينظر المصريون أي الطريقين يختاروا.

لا أريد من ذلك إلا الخير لمصر والمصريين.

اللهم ألهم أهل مصر الصواب فيما يختارون.

 

اللهم قد بلغت .. اللهم فاشهد

 

المصدر: الكاتب : د. عبد العزيز محمد غانم
masry500

طابت أوقاتكم وبالله التوفيق

  • Currently 70/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
22 تصويتات / 157 مشاهدة
نشرت فى 2 فبراير 2011 بواسطة masry500

ساحة النقاش

عدد زيارات الموقع

85,375