محمد اللكود ..... الحرية اختيار حياة

مساهمات متنوعة لتنمية المجتمع الإنساني

المتغيرات الدولية واثارها على السياسة العالمية في الوقت الراهن

المقدمة

يتغير العالم بشكل مستمر وهذا من طبيعة الأشياء، والثابت الوحيد في السياسة هو المتغير، وأي نظام عالمي لا بد له من نهاية حيث تبدأ منظومة جديدة بالانطلاق بدلاً عن السابقة، وهذا ما حدث خلال المراحل المختلفة لتطور النظام العالمي فنجد منظومة العلاقات الدولية قبل الحرب العالمية الأولى تختلف عما بعدها، وكذلك المنظومة الناتجة عن خسارة دول المحور أمام دول الحلفاء في الحرب العالمية الثانية تختلف عما قبلها، أن التاريخ الحديث يرتبط بأوروبا وكذلك المعاصر، وللوطن العربي دور في هذه الأحداث أو تفاعله معها، ولعب الوطن العربي دورا مهما في تكوين تحالفات كثيرة بين مجموعة من دول العالم الاستعمارية أو الصديقة، وهذه التحالفات كانت بداية تكون التغيرات السياسية الدولية في المنطقة كنتيجة للتغيرات التي أدت الى خلق منظومات تعود الى الحروب القومية في أوروبا بالقرن السابع عشر  وللحرب الباردة وسقوط الاتحاد السوفييتي، وسقوط جدار برلين.
تعريف المتغيرات : المتغيرات الاستراتيجية الدولية هي التي يمكن ان تؤثر على موازين القوى في النظام العالمي، وتحدد اسلوب وشكل السلوك بالنسبة للفاعلين الدوليين ،والفاعلون الدوليون هم الدول الكبرى والمنظمات الدولية الحكومية وغير الحكومية، حيث تلعب القوة العسكرية والاقتصادية وعدد سكان كل دولة دورا في التفاعلات التي تؤثر على النظام العالمي ، وتأتي الولايات المتحدة والاتحاد الاوروبي والصين وروسيا واليابان في طليعة الدول الفاعلة في النظام العالمي.

القوى المؤثرة بالمتغيرات الدولية ( الفاعلة )

كانت اوروبا (والدول الاستعمارية فيها) المؤثرة في النظام الدولي حتى بداية الحرب العالمية الثانية، وكانت هي القائدة للنظام الدولي، واشعلت الحربين العالميتين، وتراجع دورها في خضم الحرب العالمية الثانية وحلت محلها الولايات المتحدة الامريكية والاتحاد السوفيتي، وتجلت هذه التغيرات في الحرب الباردة التي اشتعلت بين المعسكر الرأسمالي المعسكر الاشتراكي.

المتغيرات والتحولات السياسية وأثرها الإقليمي

   شكل انهيار الاتحاد السوفياتي وانهيار حلف وارسو ثغرة كبيرة في التوازن الدولي وانشأت نظام القطب الواحد وتفرد الولايات المتحدة الأمريكية بقيادة العالم محدثة مشكلات وأزمات كثيرة أدت بالعالم إلى حافة الهاوية، منها احتلال أفغانستان وغزو العراق عام 2003 دون غطاء من الشرعية الدولية،

وتقدم القوى السياسية المعارضة للولايات المتحدة الأميركية في بعض دول أميركا اللاتينية، دفعها لزيادة الإنفاق العسكري واستثمار التفوق الأميركي الراهن في قمع الدول والمجتمعات بالقوة العسكرية، ومنع ظهور أي فرصة لنمو قوة منافسة جديدة.

وتهدف هذه السياسة لتطويق  روسيا ومنع الصين من تحقيق موقع إقليمي ودولي، وتوسيع حلف الشمال الأطلسي إضافة إلى وقف المحاولات الفرنسية الألمانية لتشكيل تحالفات عسكرية ظهرت بوادرها في الحلف الفرنسي الألماني أو الكتلة العسكرية لروسيا مع ما يسمى بدول الجوار القريب ، ويقابل هذه الموجة الصعود الصيني وتنامي الآليات الرأسمالية في بنيتها الاقتصادية، وتحولات في بنية السلطة السياسية من الشكل الأيديولوجي إلى الشكل التكنوقراطي، وإصرار الصين على طرح نفسها كقوة عالمية وضمان المركز إقليمي المتفوق لها يعد تحول أيضا في شبكة العلاقات الدولية ، وهذا يرشح قوى جديدة صاعدة قد تنافس الولايات المتحدة الامريكية على القيادة أو تشاركها في ذلك مثل والهند واليابان، هذه التغيرات لم تكن لصالح العرب، والوضع العربي الحالي هو محصلة خسارات متعددة دبلوماسيا واستراتيجيا، وجاءت أحداث 11 ايلول لتوفر مناسبة وغطاء لتنفيذ خطط كانت معدة من قبل لتفكيك العالم العربي وإعادة تركيبه بما يخدم الكيان الصهيوني.

 البعد المعرفي في التوازنات العالمية

 التوازنات العالمية هي العلاقات التي تربط بين منظومات اجتماعية متميزة، دولاً كانت أو مجتمعات، وتمزج بين الأبعاد الجغرافية والأبعاد السياسية، والتوازنات العالمية: هي في الواقع منظومات تفاعلية معقدة تحتكم إلى نظرية الفوضى أكثر منها إلى قانون التوازن.

ومشكلة التوازنات العالمية اليوم تكمن في الهيمنة الأميركية والتوجه الأميركي نحو عسكرة الإعلام والفضاء والطاقة والأقمار الصناعية والتكنولوجيا المتطورة والهندسة الوراثية والسعي الحثيث لتحقيق تفوق مطلق في القوة التدميرية للأسلحة التقليدية وغير التقليدية ومن ثم السيطرة الكلية على التوازنات الدولية أو جعلها على نمط واحد هو النمط الأمريكي ( العولمة الامريكية ) ، بينما يسعى العالم لإعادة صياغة التوازنات العالمية وإلى إدماج الشعوب والأمم المتخلفة تقنيا ضمن مجموعة تنموية مفتوحة على قيم التقدم والتحديث والديمقراطية وحقوق الإنسان وتسخير المعارف والعلوم والموارد المتاحة لصالح تنمية إنسانية عالمية مستدامة وتضامنية تنبذ العنف وتسعى لتحقيق السلم كهدف من أهداف الأمم المتحدة. <!--<!--المتغيرات الدولية في الأقاليم الرئيسية من العالم
جاءت تداعيات 11 ايلول وانعكست آثارها على العالم بأجمعه فأخذتها الولايات المتحدة الامريكية ذريعة لها للتدخل في العالم كله، كما استخدمت من قبل الإرهاب ذريعة للتدخل في الصومال، والسودان بحجة أنه يتم فيه إنتاج أسلحة كيماوية، واكتشاف النفط بكميات كبيرة في السودان رفعها من قائمة الدول التي ترعى الإرهاب، وكذلك تدخلت في تنزانيا وكينيا بحجة محاربة الإرهاب .

ولاستغلال ثروات أفريقيا وفرض التخلف على شعوبها ظهرت شركات الأمن الخاصة الأوروبية (والإسرائيلية التي لها صلات وثيقة بأجهزة المخابرات الأميركية والأوروبية) لتلعب دورا مهما في تنفيذ السياسات الامريكية بهدف دعم أنظمة معينة يستفاد منها اقتصاديا والاستمرار ببيع الأسلحة، وتم الكشف عن تدخل مثل هذه الشركات في شؤون كل من أنغولا وسيراليون وغينيا.

وتعاني هذه الدول من الأزمات الاقتصادية بعد أن حاولت الانتقال إلى إنتاج الآلات عن طريق التعاون مع الشركات الدولية، لأن هذه السياسات والتحولات الاقتصادية بحاجة الى رؤوس أموال كبيرة، وهذا سبب أزمة المديونية، ما أتاح الفرصة لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي للتدخل في إعادة تشكيل نمط اقتصادي سياسي فيها غير شعبي ويرهق الشعب بالديون الخارجية، كما حصل في الأرجنتين التي طبقت تماما وصفة صندوق النقد الدولي، والآن تواجه أزمة هائلة مع أنها كانت مرشحة لأن تكون دولة متقدمة وتتمتع بحكم ديمقراطي.

وتمثل الهند قوة إقليمية واعدة، فهي سابع دولة في العالم في المساحة، وثاني أكبر دولة في عدد السكان، وتمتلك مساحة واسعة من الأراضي الزراعية، وموارد طبيعية هائلة من الفحم والحديد الخام، وموارد بشرية كبيرة مدربة تدريبا عاليا، وصناعة متقدمة، وتكنولوجيا معلوماتية ونووية وفضائية متقدمة، وهي بلد ذو نظام سياسي ديمقراطي، ولكنها تعاني من تحديات كبرى، منها تصاعد الحركات الانفصالية وتدني المستوى الاقتصادي وسباق التسلح مع باكستان الذي يكلفها الكثير.

تبنت الهند بعد الحرب الهندية الباكستانية دورا جديدا يقوم على فكرة أن الهند هي أكبر دولة في جنوب آسيا، وهي حامية وبانية التوازنات، وتسعى إلى تحديد التوجه الاستراتيجي الأساسي لدول جنوب آسيا، وإلى دور آسيوي توظيف التحالفات العالمية كي تكون هي ركيزة التوازنات الآسيوية المقبلة .

أما روسيا فقد مرت بعد انهيار الاتحاد السوفياتي بأزمات وتحولات كبرى، فقد استقلت الجمهوريات الإسلامية وغيرها، وامتد حلف الأطلسي إلى الشرق متوغلا في مناطقها، ولكنها بقيت بعد كل عمليات التفكيك والانهيار قوة عسكرية ونووية هائلة، وتشغل روسيا موقعا في الدول الصناعية السبع، ولكن صادراتها قليلة جدا بالنسبة للولايات المتحدة الامريكية، ولا تحقق التنافس العالمي ولا تستطيع أن تخلق توازنات دون التحالف مع الصين أو دول كبرى، وبدأ اللوبي الصهيوني بالعمل على بعض مفاصل السياسة والإعلام والاقتصاد في روسيا مما يضعف قيادتها لأي توازن مستقبلا.

المتغيرات في العلاقات الدولية وأثرها في الاقتصاد العالمي: 

الدول الاسيوية
يعيش العالم تغيرات كبيرة ومتواصلة منذ انهيار الاتحاد السوفييتي والانتقال من نظام ثنائي القطبية إلى أحادي تهيمن عليه الولايات المتحدة الامريكية، وشكلت الأحداث العالمية المتفرقة منطلقاً استخدمته واشنطن ستاراً لمرحلة سياسية واقتصادية جديدة، إلا أن الدور المتنامي للصين في الاقتصاد العالمي جعلها منافسة للولايات المتحدة الامريكية وخاصة بعد التقارب الصيني الروسي الذي يعد إحدى أبرز سمات العلاقات الدولية المعاصرة،     حيث أقامت علاقات إيجابية في إطار منظمة شنغهاي الجديدة.. واصبح مستقبل روسيا يرتبط بالطاقة المنتجة عنده،

نلاحظ أن الدول الاشتراكية السابقة منها الجمهوريات الآسيوية السوفيتية السابقة وخاصة أذربيجان وأوزبكستان وجورجيا وأوكرانيا، والدول الأوربية الشرقية، في شرق أوربا ووسطها التي كانت تضم حلف وارسو وخاصة بولونيا وأيضاً رومانيا وبلغاريا وتشيكيا، هذه الدول تبدي اهتماماً كبيراً بالإدارة الأمريكية، والتعاون معها والترحيب بالقواعد الأمريكية على أراضيها وهى أكثر الأعضاء حماساً للعلاقات الأطلسية واهتماماً بالمشروعات الأمريكية واستجابة لمشروع الدرع الصاروخي ، وهذا الأمر مهم لأنه يغير من موازيين القوى داخل الاتحاد الأوربي ويؤثر بعلاقة الاتحاد الأوربي بالولايات المتحدة الامريكية الأمريكية.

 أقيم الحلف الأطلسي بوجه المعسكر الاشتراكي لمواجهة خطر الشيوعية، وبعد انهيار النظام الاشتراكي وزواله تم الانتقال من النظام الثنائي القائم على التوازن الحساس، إلى نظام أحادي تطغى عليه الإمبريالية الأمريكية وأصبحت هي المشكلة الأساسية في العلاقات الدولية وتحول هذا حلف من جانبي الأطلسي مع امتدادات إلى البحار كالمتوسط، إلى حلف يشمل العالم، حيث نظم الحلف مناورات عسكرية شاركت فيها دول عربية واسيوية وافريقية.، لأن انهيار الاتحاد السوفييتي، وزوال النظام الاشتراكي الدولي، وفقدان التوازن في العلاقات الدولية كان مفاجئاً للولايات المتحدة الأمريكية، على الرغم من أنهم عملوا عليه، ولكن هذا التداعي السريع لم يكن يقابله لدى الطرف الأمريكي استراتيجية بديلة، وفسح امام الولايات المتحدة الامريكية أن تصبح وحيدة في العالم وظهر مفهوم القطب الوحيد، وهذه العولمة لحلف شمال الأطلسي امتدت إلى أفغانستان حيث تم التدخل بها في إطاره كونها البوابة الخلفية لكل من الصين وروسيا ,احتلالها شكل تهديداً مباشراً للدولتين العظميين روسيا والصين.

تتنافس دول أخرى مع روسيا على إمدادات أوربا بالطاقة، ودخلت الصين التنافس لأول مرة باعتبارها قوة رئيسة في الطلب على النفط، ومنافسة للولايات المتحدة، وهذا الأمر له أهمية كبيرة في أن روسيا تستطيع أن تلبي طلب الصين على النفط والغاز، لذلك قامت الولايات المتحدة الامريكية بإعادة بناء شبكة نفوذها في مجال النفط، فتمكنت من الهيمنة على مواقع كبيرة في بحر قزوين، وآسيا الوسطى والقوقاز، وما يزال نفوذها واضحاً في جورجيا وأذربيجان، وأوكرانيا ودول أخرى، ولكن في الوقت نفسه فإن الروس تمكنوا من إعادة الكرّة واستعادة مواقع هامة وخاصة تركمانستان التي تعد أول بلد للغاز في حوض بحر قزوين.
لذلك نجد أن الفترة الماضية اتصفت بصراع المصالح في بحر قزوين، وهذا الصراع لم يحسم، ودخلت فيه أطراف رئيسة وهي روسيا بالدرجة الأولى والولايات المتحدة الامريكية، و إيران من جانب، وتركيا وأذربيجان ودول أخرى في جانب آخر.
اما يخص العلاقات الصينية الأمريكية، فأن الحرب الباردة أدت إلى تعميق التعاون الصيني الأمريكي، وهذا التعاون قائم ومتواصل، وبالرغم من وجود أوساطاً أمريكية تؤكد على خطر الصين وتدعو إلى لجم التوسع الصيني، والمصالحة الأمريكية مع تواصل التعاون مع الصين، فالصين تستقبل مختلف الشركات الأمريكية وليس هناك تقريباً من شركة أمريكية كبرى إلا تستثمر في الصين ولان السوق الصينية واعدة، وكل استثمار في الصين يكون رابحاً اقتصادياً، وهذا الأمر مهم جداً لأن الشركات الأمريكية في الصين أصبحت لها مصالحها المنفصلة عن مصالح الدولة الأمريكية حيث تعمد الدولة الأمريكية منع الصين إغراق الأسواق الأمريكية بالمنتجات الصينية، ولا تجعل صادراتها منافسة للصادرات الأمريكية والمنتجات الأمريكية والأخرى.

والتقارب الصيني الروسي يعد أحد السمات الهامة في العلاقات الدولية اليوم، حيث كانت العلاقات متوترة ثم القطيعة في فترة الحرب الباردة، ولكن بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، وظهور دولة روسيا الاتحادية، وتقدم الصين الاقتصادي، أقيمت علاقات إيجابية بين الدولتين، فتم تأسيس منظمة شنغهاي الجديدة، التي  تضم دولتي الصين وروسيا ودول بحر قزوين، وهذه المنظمة تعكس التعاون بين روسيا والصين، وكان الهدف منها التنسيق في العلاقات المتبادلة وتنظيم التعامل مع الدول القائمة في آسيا وآسيا الوسطى خصوصاً

 وهذا هام جداً في تطبيع العلاقات، وتأكيد القدرة على تطويرها، حيث إن قضية الحدود إحدى القضايا الخلافية في العلاقة السوفييتية الصينية خلال فترة الحرب الباردة، ومنظمة شنغهاي لها علاقة بالتأكيد بالتوسع الأمريكي الكبير في القوقاز والقفقاس وفي منطقة بحر قزوين، حيث أقامت الولايات المتحدة الامريكية عدداً من القواعد العسكرية وراحت تتوسع فيها، وبالطبع فإن مستقبل هذه المنظمة لا يمكن أن يكون مستقلاً عن العلاقة الصينية الأمريكية مثلاً، أو العلاقة الروسية الأمريكية، ولكن التعاون الاستراتيجي بين الصين وروسيا ازال حالة التوتر والنزاع بينهما خلال الحرب الباردة.
وكذلك نجد ماليزيا القوة الأسيوية الناهضة هذا البلد الصغير ذو الفعل الكبير، الذي انتهج استراتيجية المتابعة لتطور الصين والتأقلم معه باستمرار، من أجل تجنب الدخول في منافسة مع الصين،

أن العالم اليوم يعكس تغيرات كثيرة  منها: أن الصين تتخذ لنفسها موقعاً متزايد الأهمية، وتلحق بها الهند التي تتسابق عليها روسيا والولايات المتحدة الامريكية، فروسيا تقدم المعونة النووية للهند، والولايات المتحدة الامريكية تحاول أن تقيم تعاوناً نووياً مع الهند، من أجل موازنة الهند بالصين، والتنافس الصيني الهندي والتنافس الهندي الباكستاني يجعل الهند موضع طلب متبادل من جانب الولايات المتحدة الامريكية وروسيا، ولذلك فإن العلاقات الدولية تتصف اليوم بالتعددية، أي بالتعاون القائم والمرتبط بالتنازع، هناك تعاون وترابط بين الدول، الهند تسير مع الولايات المتحدة الامريكية، وتريد وتوقع معها اتفاقاً نووياً، والهند تتفق مع روسيا على بناء عدد كبير من المحطات النووية الاستراتيجية، وإذا أخذنا مثلاً الباكستان، فإن الباكستان تمثل رصيداً وتهديداً للولايات المتحدة في الوقت نفسه.

فليس هناك من حليف دائم أو خصم دائم، ولكن هناك في الوقت نفسه تعاون وتناقض، وهذا التعاون والتناقض ديناميكي، بمعنى أنه يتطور، في ظل المصالح المختلفة. مثلاً: تحول الصين إلى بلد مستورد للنفط يغير هذا في علاقة الصين بالولايات المتحدة الامريكية وبروسيا، وكذلك التنافس الهندي الصيني يؤدي إلى تسابق بين الولايات المتحدة الامريكية وروسيا،

ونجد أن اليابان واصلت سياسة الولاء الشديد للولايات المتحدة الامريكية، فهي كانت وما تزال ملتزمة التزاماً تاماً بالاستراتيجية الأمريكية، وما زالت متمسكة بالقواعد الأمريكية، وتنفتح بتحفظ شديد على الصين، والعكس صحيح، لأن الصين عانت فترة طويلة من الاستعمار الياباني، ولكن هذا لم يمنع قيام تعاون بين الصين واليابان فيما يخص الطاقة، وكلاهما مع روسيا الاتحادية.

والمنافس الاسيوي الجديد دول النمور الآسيوية: تايوان وسنغافورة وهونغ كونغ ماليزيا، هذه النمور الأربعة بدأت في ظل اليابان ثم تجاوزتها، وبالتالي فإن اليابان تواجه مشكلة التأقلم مع الدول التي تتبعها في التطور الاقتصادي، بجانب التحدي الأمريكي والأوربي والصيني، وبالتالي لم يحدد اليابانيون علاقتهم منطقهم في العلاقات الدولية.

أن الاتحاد الأوربي دخل في مرحلة من التوسع المتجدد أضعفت فعاليته وحالت دون تمكنه من التركيز على إعداد استراتيجية منفردة وبعيدة عن الولايات المتحدة الامريكية، بنهاية الحرب الباردة تخلى الاتحاد الأوربي نهائياً عن فكرة التمرد الاستراتيجي على الزعامة الأمريكية، وعلى الولاء الأطلسي، وبالتالي أصبح التناقض الأمريكي الأوربي أقل احتمالاً، وأقل شأناً، مما كان عليه في الماضي.

المتغيرات في العلاقات الدولية وأثرها في الاقتصاد العالمي:   

الدول النامية: تحاول قلة من الدول النامية أن تجد لنفسها موقعاً بقرب الدول الكبرى، وهذه محدودة العدد وإليها تتجه معظم الاستثمارات، وفي الوقت نفسه نلاحظ أن أمريكا اللاتينية وإفريقيا تشهد ضرورات متباينة لتجديد تطورها، ففي إفريقيا مثلاً تمكنت الولايات المتحدة الامريكية من أن تهيمن على النفط في مواقع عديدة وخاصة في أنغولا وموزامبيق، والغابون ونيجيريا بالدرجة الأولى، ودخلت الصين إلى إفريقيا عن طريق المعونات الاقتصادية والاستثمارات وذلك من أجل الحصول على الطاقة والمواد الأولية من إفريقيا، والتنافس على أشده بين الصين والولايات المتحدة الامريكية في إفريقيا ويتضح هذا أكثر ما يتضح في السودان.

أن أمريكا اللاتينية بصفة عامة تتجه إلى نوع من الاستقلالية، وهو متباين حسب البلدان، بينما تتجه فنزويلا إلى انتهاج طريق ضد الولايات المتحدة الامريكية وتقترب من كوبا بالدرجة الأولى، فإن بلداً كتشيلي وحتى بلداً كالبرازيل تنهج طريقاً يقترب كثيراً من الدول الآخذة في الإصلاح الاقتصادي التقليدي، ولذلك فإن المعطيات السياسية والاقتصادية ليست متماثلة،

التحولات العالمية واثرها على الوطن العربي:

تخلت فرنسا عن مسؤوليتها في حلف شمال الأطلسي عن سورية ولبنان واستلمت الولايات المتحدة الامريكية تركت بريطانيا في اسيا، وأكملت نقل ممتلكات الإمبراطورية البريطانية السابقة الممتد من العراق وصولاً إلى دارفور الى كنفها واكتملت المعادلة بخرج القوات السورية من لبنان، وبخروجها حقق لهم الخطوة الأخيرة من المشروع بالسيطرة الكاملة.
 نهاية التبدلات الاقتصادية العالمية واثرها على الاقتصاديات العربية

لا يمكن للطاقة أن تقرر المستقبل العالمي والعربي، بالرغم من جانبها المهم في الأجل القصير والمتوسط،  ومن ثم ستميل إلى التضاؤل لاحقاً، بسبب الثورة التكنولوجية التي دخلت مرحلة ما يسمى بثورة التكنولوجية الجزيئية أو النانو تكنولوجيا، وهي ثورة تفوق بخطواتها ونتائجها كل ما عرفناه حتى الآن من الثورة الإلكترونية وثورة التقانة الحيوية بشكلها الحالي، وهذا التطور سيهمش الاقتصادات العربية وسيهمش القطاعات المعتمدة على الطاقة في الولايات المتحدة الامريكية نفسها وفي الدول الغربية.
وسيؤثر ايضاً على قطاعات اقتصادية تعتمد بشدة على الطاقة، مما يؤدي الى ظهور  مشكلات جديدة بين التوزع الاقتصادي العالمي ، وسيظل نزاع المصالح بين الدول قائماً ، وستبقى الإدارة الأمريكية مهيمنة على القطاع النفطي العالمي ، لذلك فإن المستقبل العالمي والعربي ليس محكوماً بالطاقة وحدها، بالرغم من أن  الاستراتيجية الأمريكية تمكنت من التحكم بمصادر هامة بديلة عن النفط العربي في الوطن العربي، والخليج العربي تحديداً هو المصدر الأساس الاحتياطي حيث يشكل 60% تقريباً من احتياطي النفط العالمي، وسيتعزز شأنه في المستقبل ولا يضعف بوجود الغاز حيث إن قطر تحتوي على ثاني احتياط غاز في العالم، بعد روسيا وتنافس إيران تقريباً، وهناك توجهات لتطوير موارد غازية هامة في الإمارات العربية المتحدة، وفي المملكة العربية السعودية إلى جانب العراق، لذلك الآفاق ستؤكد أهمية العالم في الوطن العربي من ناحية الغاز إلى جانب النفط.
أصبحت الولايات المتحدة الامريكية مصادر إمداد غاز من إفريقيا، وبحر قزوين، وفي أمريكا اللاتينية، وفي المكسيك، وفي فنزويلا، والإكوادور وكولومبيا ودول أمريكية لاتينية أخرى تجعلها المتحكمة الأولى بالرغم من   تحول البرازيل إلى قوة نفطية صاعدة وربما تنضم إلى أوبك، وهذا سيؤثر على القوة العربية ويعززها أيضاً، إذا استطاع العرب أن يحسنوا التحاور والتعاون مع الأطراف المعنية.
هناك توجهات كبيرة للأموال العربية إلى آسيا، لتصبح الدول العربية أكثر فأكثر مرتبطة بآسيا وبناء علاقات قوية بين السعودية والصين، والسعودية وروسيا و الإمارات العربية المتحدة مثال على هذا.

إن الأموال العربية لا تتدفق إلى الصناعات العربية ولا إلى العلم والتكنولوجيا وليس هناك من أي تخصيص استراتيجي للتكامل الاقتصادي العربي.
أن مستقبل الطاقة يؤكد بأن النفط والغاز سيبقيان مهيمنان خلال العقدين القادمين على الأقل، والتحول إلى الطاقات الجديدة مثل الطاقة النووية والطاقة الشمسية احدثت تطورات تكنولوجية جديدة، وتقانات جديدة ولا سيما تقانات الاعتماد على الهدروجين مصدراً للطاقة، وهذا سيؤجل احداث تطورات أو تبدلات اقتصادية عالمية جديدة أو سيؤجل حدوث ثورة تقانيه حالياً

اثر المتغيرات الدولية على القضية الفلسطينية

قرأت الصهيونية المتغيرات الدولية في العالم واخذت تعمل على اقامة الكيان الصهيوني في فلسطين العربية حيث وكانت برلين العاصمة الالمانية  مقر الحركة الصهيونية، ونقلت الصهيونية مقرها الى لندن عندما فشلت في تحقيق اطماعها عن طريق المانيا وتركيا في تهويد فلسطين، ووضعت نفسها في خدمة المصالح الاستعمارية للإمبراطورية البريطانية، وحصلت على وعد بلفور غير المشروع واتفاقية سايكس– بيكو الاستعمارية ونظام الانتداب البريطاني الاستعماري على فلسطين ، ثم نقلت مقرها من لندن الى واشنطن ابان الحرب العالمية الثانية عندما تأكدت ان بريطانيا ستخرج منهوكة القوى من الحرب وستحل امريكا محل اوروبا في قيادة العالم الرأسمالي، واستفاد اليهود من الحربين العالميتين واستغلت الصهيونية معزوفتي اللاسامية والهولوكوست لإقامة "اسرائيل" في فلسطين العربية في قلب الوطن العربي .

واخذت الولايات المتحدة الامريكية والصهيونية العالمية تخططان للقضاء على الاتحاد السوفيتي والمعسكر الاشتراكي وحركات التحرر الوطني في العالم ومنها حركة التحرر الوطني العربية وحركات المقاومة، وعندما انتهت الحرب الباردة بين الدولتين العظميين وانهار الاتحاد السوفيتي والمعسكر الاشتراكي انفردت الولايات المتحدة الامريكية في قيادة العالم.

كانت نكسة حزيران عام 1967 بعد نكبة 1948 وحرب السويس العدوانية عام 1956 خطة اميركية صهيونية لتدمير الوطن العربي واستنزاف ثرواته واقامة "اسرائيل" العظمى الاقتصادية من خلال تصفية قضية فلسطين ومشروع الشرق الاوسط الجديد.

اشعل الكيان الصهيوني الحرب العدوانية بالتخطيط والتعاون مع الولايات المتحدة الامريكية لتدمير القوة العسكرية العربية وتصفية قضية فلسطين بقيامة بحرب حزيران العدوانية التي انتهكت مبادئ القانون الدولي وميثاق الامم المتحدة وعادت شريعة الغاب في العلاقات الدولية بارتكابها عشرات المجازر الجماعية جرائم الحرب وجرائم ضد الانسانية في فلسطين ولبنان والعراق وأفغانستان فدافعت الادارات الاميركية المتعاقبة عن الاحتلال الصهيوني وفرضت توقيع اتفاقات كامب ديفيد واوسلو ووادي عربة.

فالولايات المتحدة الامريكية لديها القدرات العسكرية والتكنولوجية والتحكم بالاقتصاد العالمي من خلال الشركات المتعددة الجنسيات، وبالسياسة والانظمة الدولية من خلال التحكم بالأمم المتحدة ، وبالتالي بالنظام العالمي الجديد وهذه التبدلات استغلها الكيان الصهيوني لتحقيق أهدافه حيث تبنت الولايات المتحدة الامريكية استخدام القوة العسكرية لتغيير الانظمة التي لا تروق لها باسم مكافحة الارهاب الدولي كوسيلة لأحكام السيطرة الاميركية على النظام العالمي الجديد وبالتحديد على منطقة الشرق الاوسط ..

فعملت على اسقاط النظام في العراق بسبب مواقفه القومية ودعمه للمقاومة الفلسطينية والجبهة الشرقية وايمانه بعروبة فلسطين . وكشف ديك تشيني نائب الرئيس بوش في اذار 2002 عن مصلحة "اسرائيل" بذلك قائلا : "ان الهجوم الاميركي على العراق هو اولا واخيرا من اجل اسرائيل" والتحكم بالنفط العراقي وبأسعاره وكمياته ويحقق الهيمنة السياسية والاقتصادية للولايات المتحدة الامريكية على الشرق الاوسط ، والقضاء على النظام العربي واقامة "اسرائيل" العظمى الاقتصادية بدلا من "اسرائيل" الكبرى الجغرافية ثم رسم خريطة جديدة للمنطقة لإعطاء "اسرائيل" الدور القائد والمهيمن، وثم هيمنتها على العالم.

وجسد مشروع الشرق الاوسط الجديد أو الكبير جوهر الاستراتيجية الاميركية والصهيونية لفرض الهيمنة على المنطقة العربية وتعمل جاهدة على اخراجه الى حيز الواقع لتصفية قضية فلسطين وتفتيت البلدان العربية الكبيرة واعادة تركيبها على اساس طائفي وتأمين السيطرة على منابع النفط وممراته وامواله من ونشر سياسة الارض المحروقة، لإقامة كنتونات طائفية وعنصرية ولفرض هيمنة اليهودية العالمية والامبريالية الاميركية على المنطقة من خلال :- تصفية قضية فلسطين - تكريس الاعتراف بيهودية فلسطين - تأمين السيطرة الاميركية على النفط وكمياته واسعاره وامواله - فرض هيمنة "اسرائيل" الاقتصادية على البلدان العربية لحل ازمتها الاقتصادية المزمنة - اقامة القواعد العسكرية الاميركية في دول الخليج وبعض بلدان المغرب العربي - تفتيت الدول العربية طائفيا وعرقيا واعادة تركيبها - مسح الهوية العربية الاسلامية للمنطقة وامركتها وصهينتها . ويرمي المشروع جعل "اسرائيل" بوابة الاستيراد والتصدير من البلدان العربية الى اوروبا وامريكا وأكبر مستودع للنفط والغاز واهم مركز للمواصلات البرية والجوية والبحرية في المنطقة .

 

 

 

 

الخاتمة :

السياسة متغيرة ومتحولة كباقي الأشياء في طبيعة، وأي نظام سياسي عالمي لا بد له من نهاية ليبدأ نظام أو منظومة جديدة فنجد ان منظومة العلاقات الدولية قبل الحرب العالمية الأولى تختلف عما بعدها وأن التاريخ الحديث هو نتاج تفاعل الاحداث، ووجدنا أن المتغيرات الاستراتيجية الدولية تؤثر على موازين القوى في النظام العالمي وتحدد اسلوب وشكل السلوك بالنسبة للفاعلين الدوليين ،والفاعلون الدوليون هم الدول ومنظمات دولية حكومية وغير حكومية ،التي تمتلك القوة العسكرية والاقتصادية وتأتي الولايات المتحدة الامريكية والاتحاد الاوروبي والصين وروسيا واليابان في طليعة الدول الفاعلة في النظام العالمي.

أثر انهيار الاتحاد السوفياتي في التوازن الدولي والعالمي وفي العلاقات التي تربط بين منظومات اجتماعية متعددة، دولاً كانت أو مجتمعات، ومزجت بين الأبعاد الجغرافية والأبعاد السياسية، ومشكلة التوازنات العالمية اليوم تكمن في الهيمنة الأميركية على عسكرة الإعلام والفضاء والطاقة والأقمار الصناعية وتكنولوجيا والهندسة الوراثية والسعي الحثيث لتحقيق تفوق مطلق في القوة التدميرية للأسلحة التقليدية وغير التقليدية ومن ثم السيطرة الكلية على التوازنات الدولية.

تصاعد الحركات الانفصالية وتدني المستوى الاقتصادي وسباق التسلح من التحديات الكبرى التي ادت لنشوء نظام احادي القطبية تهيمن عليه الولايات المتحدة الامريكية، وترحيب الدول الاشتراكية السابقة بإقامة قواعد أمريكية على أراضيها ومن التغيرات قوة الصين وتلحق بها الهند التي تتسابق عليها روسيا والولايات المتحدة الامريكية، ولذلك فإن العلاقات الدولية اليوم تتصف بالتعاون المرتبط بالتنازع.

اما اثر التحولات العالمية في الوطن العربي كثيرة أولها تقسيم وتجزئة الوطن العربي وخرج القوات السورية من لبنان، واقامة الكيان الصهيوني في فلسطين العربية . والعدوان المتواصل على الدول العربية من نكبة 1948 وحرب السويس العدوانية عام 1956 ونكسة حزيران عام 1967 م ثم احتلال جنوب لبنان اكثر من مرة ، وفرض توقيع اتفاقات كامب ديفيد واوسلو ووادي عربة ،واثبتت الوقائع والحروب على البلدان العربية ان الولايات المتحدة الامريكية  لا يمكن ان تخطو خطوة واحدة في الصراع العربي الصهيوني دون العودة الى العدو الصهيوني وتتبنى موقفه ومخططاته.

المراجع :
محمود عزيز شكري الاحلاف والتكتلات بالسياسة العالمية  دار المعرفة  1978 الكويت

فهمي هويدي ومحمد إبراهيم الشاكر المتغيرات الدولية والأدوار الإقليمية الجديدة - المؤسسه العربية للدراسات والنشر (بيروت) /2005

د. محمد أحمد علي مفتي العلاقات الدولية في الفكر السياسي جامعة الإسكندرية 2012

حسان اللكود

المصدر: حسان اللكود hassan allkoud
  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 32 مشاهدة

عدد زيارات الموقع

9,347