لقد كنت ولم أزل من المدافعين عن الإسلام عقيدة ومنهجاً ، أراه كما يراه غيري ممن ذاق حلاوة الايمان به ونعيم التسليم لمشرعه ، خلاصاً للبشرية جميعا من إصرها وأغلالها ، يمضي بها بعدالته وسماحته ومعاصرته نحو شاطيء النجاة ، فتتحقق بتعاليمه العظيمة ما تنشده البشرية من حرية وعدالة اجتماعية .

 دين مستقيم المنهج ولو انحرف تابعوه عن منهجه ، ولوت أعناقهم فتن الحياة ومباهجها صوب الخطأ والذلل ، ما انتصر بكثرة وما غلب بقوة ، بل بمحبته ومنهجيته وسماحته ، فاعتنقه الفقراء والضعفاء وخضع له الأغنياء والأقوياء ، كل بنفوس مطمئنة وقلوب مستنيرة .

لا يضل من اتبع هداه ولا يخيب من تمسك عراه ، لكن الخائب الخاسر المحروم من نكب عن صراطه وتفرقت به السبل عن سبيله إن الخاسر من لزم الدين فأعطاه مكانته وهيبته ثم يصدف عنه ، والمحروم من وهبه انتمائه للمتدينين شأنا عظيماً ثم يستحقر نفسه وينزلها منازل السفهاء.

 فعظمت بذلك مسئولية من انتمى إليه ومن اتخذه منهجاً ودليلاً وعرف عنه التصاقه به وحبه لتعاليمه ومبادئه ، وعظم كذلك الخلط بين الدين والمتدينين والمنهج وتابعي المنهج وصعب على النفس حين تنقد أصحاب المنهج نقدا لا يبغي من ورائه إلا الإصلاح والنصيحة أن تتهم بنقد المنهج ذاته واذدراء الدين نفسه ، لذا وجب التفريق بينهما تفريقاً يأخذ في اعتباره قدسية الدين والوحي وسلامتهما وإنسانية المتبعين وأهوائهم وشواردهم .

 والانتخابات الأخيرة عندما صوت الناس لجماعة الاخوان المسلمين ، صوتوا لمن يحمل شعار الاسلام ، دون النظر الى مؤهلات أعضائها أو مدى جاهزيتهم لحمل أمانة الإنتخاب ، إذ أصبحت الحالة – ربما سببها الشحن الاعلامي ضدهم من قبل – سباقاً بين الاسلام والليبرالية لا سباقا بين الاسلاميين والليبراليين دون تفريق بين الدين ومن يحملون الدين ، وكأن انتخاب المتدينين هنا يعني اختيارنا للدين ، وفي عدم اختيارنا لهم خروج عن الدين.

 أولعل ما أظهره الليبراليون وما فاضت به برامج الحوار على شاشات التليفزيون من تصريحات مخالفة لكثير من عاداتنا وتقاليدنا فضلا عن مخالفاتها لكثير مما تدعونا اليه العقيدة الاسلامية والفطرة السوية ، هو ما أقلق الناس ودعاهم إلى اختيار المرشح المتدين.

 وحيث كانت الحاجة أدعى لأن يتم الاختيار على أساس الكفاءة والصلاحية بعيداً عن إقحام الدين أو المنتمين له في عملية الإنتخاب ، – ليس فصلاً للدين عن السياسة بل لتحقيق مبدأ المساواة – جرى الاختيار على أساس التدين وعدم التدين دون الرجوع الى معايير الكفاءة والأهلية ، وهو ما أفقد كثيرين ممن يتمتعون بالكفاءة فرصهم بالفوز بمقعد المجلس.

 وإذا كانت ثقافة المجتمع تغلب على ابنائه وتتحدد قراراتهم وانفعالاتهم تبعا لدرجة تمكنها منهم ، بما تحمله من موروثات ومعتقدات وتقاليد واسلوب حياة ، فإن اختياراتهم هي نتاج طبيعي لهذه الثقافة يعيشونها كل يوم ، فمثلاً قد يقع الإختيار على لاعب أقل مهارة من آخر لتمثيل منتخب بلاده حيث لا يتوقف الإختيار على المهارة فقط ، ويأخذ في الحسبان إعتبارات أخرى ، وحين يوضع الدين في صورة المنتسبين اليه ولو ظاهرياً محلا للمقارنة مع أي شيء آخر عظم أو حقر فإن الغلبة لا محالة للدين ، والمجتمع بما يموج به من تفاعلات قوامها الدين والاعراف والثقافة لن يبعد عن المنطق كثيرا إذا ما اتخذ الدين مقياسا للاختيار ومؤشرا على مناسبته للمنصب لا متبعاً لمعيار الكفاءة والصلاحية وهو ما ثبت صحته من أداء الاعضاء داخل المجلس في فترة ليست بالقصيرة.

لقد دأب الاعضاء الجدد - والذين كان سبب اختيارهم هو ما وعدوا به من مخالفة وما أبدوه من معارضة وكره لما كان يفعله الاعضاء في النظام السابق – على فعل ما كان متبعاً من قبل ، فمنهم من يتقدم للحصول على قطعة أرض له ولأسرته ، ومنهم من يطلب خدمة من وزير تقتضي وظيفته مسائلته ومحاسبته ، وكثير وكثير .

 أتمنى أن لا ينسى الاعضاء المنتخبون ما كان سبباً لإختيارهم ولا ينزعوا عنهم لباساً يخفي كثيرا من سوءاتهم وأن لا تتمادى نفوسهم وغاياتهم بعيدا عن دورهم المأمول منهم فيداهنوا ويتملقوا فتضيع هيبتهم وهيبة ما يتبعونه من منهج ودين حين يتحولوا إلى قدوة سيئة تهدم أكثر ما تبني ، فالمسئولية لن تقتصر على تنظيم وتشريع ومسائلة فحسب ، بل ستمتد إلى النظر إلى صورة الدين عامة عقيدة ومنهجاً ، وستطول المراقبة والتصيد والمقارنات والاختبارات .

 نسأل الله العافية

المصدر: شخصي
  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 133 مشاهدة

ساحة النقاش

عدد زيارات الموقع

39,478