هدير الصمت

هذا الموقع معني بـ: قصص ، رواية، نقد ، مقال سياسي ، مقال فلسفي ، شعر

<!--

<!--

قصيدة وقراءة:

 

ملامح الاغتراب الفكري في تجربة (أغنية إفريقية)

للشاعر: محمد الشلطامي

 

قراءة : عبدالجواد خفاجي

ـــــــــــــــــــــــــ

 

أولا القصيدة:

 

أغنية أفريقية ـ (تذاكر الجحيم 1968)

شعر محمد الشلطامي (ليبيا)

ـــــــــــــــــــــــــ

من فوق سور الغيب و الأحزان

كلمني

لوَّح لي بيده و قال:

الله من هنا و الدرب غصَّ بالأبطال

و الفجر شع في عيون الكادحين إخوتك

قلت له : الموت و العذاب و الأقفال

ما بيننا, و هذه الظلمة و النخَّاس

قد باعني بالدَّين للدجال

فكيف لي و قدري المكتوب

أنِّي أعود من غبار غزوتي مغلوب

أخوض في مستنقعات الموت و الظلام؟!

 

ــــــــــــــــــــــ

ثانيا : القراءة

 

هذا النص يطرح إشكالية من منظور البحث عن شاعرية النص بين الفكري والوجدني، وقد علا الصوت الفكري ليطرح إشكاليات مفاهيمية عقلية أكثر من كونه معنيا باستبطان تجربة وجدانية ، وإن تلون النص بالإشفاق على الإنسان الإفريقي، وإن اختار عنوناً يدعي التغني بقضايا الإنسان الإفريقي عموما، فقد بدا عنواناً يعزز من إشكالية التجربة المنفصلة أساساً عن الإنسان الإفريقي على المستوى المثيولوجي على الأقل بما يعد تغربا فكريا يضرب في اتجاه مغاير.

النص يبدأ من لحظة مشمولة بالإحباط، واليأس الشديدين في التغيير وفق قواعد وأسس الرؤية السائدة المرتبطة بعقائد الإنسان الإفريقي، وعلى الإنسان الإفريقي أن يغير نظرته إلى قضيته بوصفها قضية وجودية يبدأ تغييرها بالإنسان ومن أجل الإنسان بعيداً عن دعاوي الجهاد كما هو في النظور الديني الذي يجعل الطريق إلى التغيير هو طريق إلى الله لا إلى الإنسان ، وقد أضحت القضية هي تحرير هذا الإنسان من ارتباطه الديني هذا الذي يجعله غيبيا وقدرياً.

  وخضوعاً لمفهوم القدرية فإن الذات الشاعرة تعلن صراحة عن عدم رغبتها في الفعل، وهي ترى وضعيتها المزرية ـ كذات جمعية ـ  كما لو كانت قدراً مفروضاً مكتوباً في ألواح الغيب، لن يغيره أي فعل إنساني، ومن ثم فإن التجربة تقع في الحيز الذي تتمرد عليه لتفقد أية ملمح للتمرد أو الفعل وقد يئست من إماكانية الفعل.

ولعل التساؤل: "كيف لي وقدري المكتوب أني أعود من غبار غزوتي مغلوب/ أخوض في مستنقعات الموت والظلام ؟!" يشف عن رؤية هازئة بالمفاهيم التي تتبني الفعل على أسس عقائدية فوقية، فلو كان الطريق إلى الله يصنع تغييراً لما استمرت هذه الوضعية طويلا بالكيفية التي جعلتها مستديمة حتى لأنها تساوت ـ حسب المفاهيم السائدة ـ مع القدر المكتوب الذي لا يتغير.

غير أن تغييب المنادي الذي يلوح باليد ليقول "الله من هنا " وتجريده من التشكل أو الظهور يؤكد الرغبة في استبعاد مضمون دعوته من حيز التنفيذ بوصفها رؤية غيبية لا تمت للواقع غير أنها مقرونة بالأحزان ، ومنفصلة من حيث المضمون عن نتائجها على أرض الواقع الذي يسير ضدها تماماً : " الموت و العذاب والأقفال ما بيننا " .. وبصرف النظر عن هذه الجدلية ، فثمة جدلية أخرى يثيرها العنوان الذي يفتح أفق العلاقة بين الإنسان الإفريقي والذات الشاعرة بوصفها ممثلة للضمير الجمعي للإنسان الإفريقي الذي توارث مصيراً ملفعاً بالموت والعذاب والأقفال، هذه العلاقة أتاحت للذات الشاعرة أن تكون صوتاً جامعا لضمير الإنسان الإفريقي الذي تنسب الأغنيه إليه، وهذا هو صوته حين يعلو متغنياً بآلامه ومعاناته مع الحياة ومأساته التي بدت أبدية، هذه الجدلية تشي باتصال مصيري بين الذات الشاعرة والإنسان الإفريقي وفي نفس الوقت تشي بأكذوبة أن تكون الذات الشاعرة ممثلا حقيقيا لهذا الضمير الجمعي وهي منفصلة عنه على المستوى المثيولوجي على الأقل.. هذا الانفصال يشكل ملمحاً تغريبياً عن الواقع الإفريقي بمحددته المثيولوجية، في الوقت الذي تتبني فيه التجربة  انغماسها في إشكاليات هذا الواقع. وربما أن العنوان ـ على العكس من ذلك ـ يشير إلى أغنية إفريقية ما، بوصفها أغننية ذات شاعرة تنتمي إلى أفريقيا متغنية بعاطفة إشفاق على هذا الإنسان المتأبد في سواد مصيره.

على أية حالة إن الانفصال المشار إليه كان وراء اعتبارات الذات الشاعرة للمعالجات الواقعية بأنها محض عبث، أمام توالي نكبات هذا الإفريقي التاريخية حتى أنها شكلت سياجاً صلداً أمام الذات الشاعرة لرؤية أية إمكانية في التغيير حتى سلمت بأن هذه الوضعية لا يمكن تغييرها، إلا بتغيير الأسس التي يتم وفقها التغيير، ومن ثم تصبح الدعوة لتغييرها عبثية في الراهن، ولتتخذ الرؤية محدداتها حسب المفاهيم الفلسفية الوجودية . إذ تستجيب الرؤية الشعرية ـ ضمنيا ـ للدعاوى التي تربط بين التغيير والإنسان بقدراته على موضعة ذاته في هذا الكون بعيداً عن الارتكان إلى قوى فوقية أو لاهوتية أو غيبية.

فقضية الإفريقي ستظل كيفما كان جهاده وكيفما كانت محاولاته ـ قضية إشكالية مستمرة طالما أنها محاصرة بالظلمة البصيرية التي تجعل منها قضية رهن الغيبيات والدجل أو ظلمة ضميرية حينما تتحول القضية إلى تجارة بالقضية نفسها.

وكيفما كان لون اغتراب الذات الشاعر ومشاعرها ورؤيتها إلا أن ما يهمنا أن النص حفل بدلالات لغوية وتصويرية دالة على وضعية عامة إفريقية يعمها الكدح والجهد العبثي في التغيير، وسواد المصير ، بغير فجر يحول بين الإفريقي وهذا السواد المصيري.

 

**************

 

 

 

khfajy

سترون أبيضي عندما يلوح بياض الآزمنة

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 80 مشاهدة
نشرت فى 2 إبريل 2014 بواسطة khfajy

ساحة النقاش

عبدالجواد خفاجى

khfajy
»

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

8,331