(1/15)
الروحاني بل لَيْسَ عندنَا تُوجد لَذَّة غير لذات الْأَجْسَام وَإِدْرَاك الْحَواس من الطَّعَام وَالشرَاب وَالنِّكَاح وَمَا سمي غير ذَلِك فَهُوَ عندنَا غير مَوْجُود وَلَا نميزه وَلَا ندركه على بادئ الرَّأْي إِلَّا بعد تحذق كثير وَإِنَّمَا وَجب ذَلِك لكوننا فِي الْعَالم الجسماني فِي لذات فَلَا ندرك إِلَّا لذته فَأَما اللَّذَّات النفسانية فَهِيَ دائمة غير مُنْقَطِعَة وَلَيْسَ بَينهَا وَبَين هَذِه اللَّذَّة نِسْبَة بِوَجْه من الْوُجُوه وَلَا يَصح لنا فِي الشَّرْع وَلَا عِنْد الإلهيين من الفلاسفة أَن نقُول إِن الْمَلَائِكَة وَالْكَوَاكِب والأفلاك لَيْسَ لَهَا لَذَّة بل لَهُم لَذَّة عَظِيمَة جدا لما عقلوه من الْبَارِي عز وَجل وهم بذلك فِي لَذَّة غير مُنْقَطِعَة وَلَا لَذَّة جسمانية عِنْدهم وَلَا يدركونها لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُم حواس مثلنَا يدركون بهَا مَا ندرك نَحن وَكَذَلِكَ نَحن إِذا تزكّى منا من تزكّى وَصَارَ بِتِلْكَ الدرجَة بعد الْمَوْت لَا يدْرك اللَّذَّات الجسمانية وَلَا يريدها كَمَا لَا يُرِيد الْملك عَظِيم الْملك أَن ينخلع من ملكه ليرْجع يلْعَب بالكرة فِي الْأَسْوَاق وَقد كَانَ فِي زمَان مَا بِلَا محَالة يفضل اللّعب بِتِلْكَ الكرة على الْملك وَذَلِكَ فِي حِين صغر سنه عِنْد جَهله بالأمرين جَمِيعًا كَمَا نفضل نَحن الْيَوْم اللَّذَّة الجسمانية على النفسانية وَإِذا مَا بلغت أَمر هَاتين اللذتين نجد حساسة اللَّذَّة الْوَاحِدَة ورفعة الثَّانِيَة وَلَو فِي هَذَا الْعَالم وَذَلِكَ أَنا نجد أَكثر النَّاس يحملون أنفسهم وأجسامهم من الشَّقَاء والتعب مَا لَا مزِيد عَلَيْهِ كي ينَال رفْعَة يعظمه النَّاس وَهَذِه اللَّذَّة لَيست لَذَّة طَعَام أَو شراب وَكَذَلِكَ كثير من النَّاس يُؤثر الانتقام من عدوه على كثير من لذات الْجِسْم وَكثير من النَّاس يتَجَنَّب أعظم مَا يكون من اللَّذَّات الجسمانية خشيَة أَن يَنَالهُ فِي ذَلِك جَزَاء أَو حشمة من النَّاس
فَإِذا كَانَت حالتنا فِي هَذَا الْعَالم الجسماني هَكَذَا فناهيك بالعالم النفساني وَهُوَ الْعَالم المستقل الَّذِي تعقل أَنْفُسنَا من الْبَارِي فِيهِ مثل مَا تعقل الأجرام العلوية أَو أَكثر فَإِن تِلْكَ اللَّذَّة لَا تتجزأ وَلَا تتصف وَلَا يُوجد مثل تمثل تِلْكَ اللَّذَّة بل كَمَا قَالَ النَّبِي دَاوُد مُتَعَجِّبا من عظمتها مَا أَكثر وَمَا أجزل خيرك الَّذِي خبأته للصالحين الطائعين لأمرك وَهَكَذَا قَالَ الْعلمَاء الْعَالم الْمُسْتَقْبل لَيْسَ فِيهِ لَا أكل
(1/16)
وَلَا شرب وَلَا غسل وَلَا دهن وَلَا نِكَاح بل الصالحون باقون فِيهِ ويستلذون من نور الله تَعَالَى يُرِيدُونَ بذلك أَن تِلْكَ الْأَنْفس تستلذ بِمَا تعقل من الْبَارِي بِمَا تستلذ سَائِر طَبَقَات الْمَلَائِكَة بِمَا عقلوا من وجوده سُبْحَانَهُ فالسعادة والغاية القصوى هِيَ الْوُصُول إِلَى هَذَا الْمَلأ الْأَعْلَى والحصول فِي هَذَا الْحَد هُوَ بَقَاء النَّفس كَمَا وَصفنَا إِلَى مَا لَا نِهَايَة لَهُ بِبَقَاء الْبَارِي جلّ اسْمه وَهَذَا هُوَ الْخَيْر الْعَظِيم الَّذِي لَا خير يُقَاس بِهِ وَلَا لَذَّة يمثل بهَا وَكَيف تمثل الدَّائِم بِمَا لَا نِهَايَة لَهُ بالشَّيْء الْمُنْقَطع وَهُوَ قَوْله تَعَالَى فِي نَص التَّوْرَاة لكَي يطيب لَك فِي الْعَالم الَّذِي كُله طيب ويطيل أيامك فِي الْعَالم الَّذِي كُله طائل والشقاوة الْكَامِلَة هُوَ انْقِطَاع النَّفس وتلفها وَأَن لَا تحصل بَاقِيَة وَهُوَ الْقطع الْمَذْكُور فِي التَّوْرَاة كَمَا بَين وَقَالَ انْقِطَاعًا يَنْقَطِع من هَذَا الْعَالم وَيَنْقَطِع من الْعَالم الْمُسْتَقْبل فَكل من أخلد إِلَى اللَّذَّات الجسمانية ونبذ الْحق وآثر الْبَاطِل انْقَطع من ذَلِك الْبَقَاء والعلو وَبَقِي مَادَّة مُنْقَطِعَة فَقَط وَقد قَالَ النَّبِي أشعيا إِن الْعَالم الْمُسْتَقْبل لَيْسَ يدْرك بالحواس وَهُوَ قَوْله لَا عين تقدر ترَاهُ
وَأما الْوَعْد والوعيد الْمَذْكُور فِي التَّوْرَاة فِي لذات هَذَا الْعَالم فتأويله مَا أصف لَك وَذَلِكَ أَنه يَقُول لَك إِن امتثلت هَذِه الشَّرَائِع نعينك على امتثالها والكمال فِيهَا ونقطع عَنْك العلائق كلهَا لِأَن الْإِنْسَان لَا يُمكنهُ الْعِبَادَة لَا مَرِيض وَلَا جَائِع وَلَا عاطش وَلَا فِي فتْنَة فوعد بِزَوَال هَذِه كلهَا وَإِنَّهُم يصحون ويتذهنون حَتَّى يكمل لَهُم الْمعرفَة ويلتحقون بالعالم الْمُسْتَقْبل فَلَيْسَ غَايَة التَّوْرَاة إِلَّا أَن تخصب الأَرْض وتطول الْأَعْمَار وَتَصِح الْأَجْسَام وَإِنَّمَا يعان على امتثالها بِهَذِهِ الْأَشْيَاء كلهَا وَكَذَلِكَ إِن تعدوا كَانَ عقابهم أَن تحدث عَلَيْهِم تِلْكَ الْعَوَائِق كلهَا حَتَّى لَا يُمكن أَن يعملوا صَالِحَة فَإِذا تَأَمَّلت هَذَا التَّأَمُّل العجيب تَجدهُ كَأَنَّهُ يَقُول إِن فعلت بعض هَذِه الشَّرَائِع بمحبة وَفرض نعينك عَلَيْهَا كلهَا بِأَن نزيل عَنْك الْعَوَائِق والموانع وَإِن ضيعت مِنْهَا بَعْضهَا اسْتِخْفَافًا نجلب عَلَيْك مَوَانِع نَمْنَعك من جَمِيعهَا حَتَّى لَا يحصل لَك كَلَام وَلَا بَقَاء انْتهى
(1/17)
فَهَذَا خُلَاصَة كَلَام ابْن مَيْمُون الْيَهُودِيّ زنديق الْيَهُود فِي كِتَابه الْمَذْكُور سَابِقًا وَقد أوردنا لَك كَلَامه هَاهُنَا لتعلم أَنه لم يربطه شَيْء من كَلَام الله سُبْحَانَهُ يصلح دَلِيلا عَلَيْهِ بل هُوَ مُجَرّد زندقة والتوراة وَالزَّبُور وَالْإِنْجِيل وَكتب سَائِر الْأَنْبِيَاء منادية بِخِلَاف ذَلِك حَسْبَمَا قدمنَا لَك وهانحن نوضح لَك فَسَاد كَلَامه هَذَا فَنَقُول
أَولا إِن حصر هَذِه اللَّذَّات النفسانية الَّتِي ذكرهَا لَا يُنَافِي حُصُول اللَّذَّات الجسمانية الَّتِي وَردت فِي كتب الله عز وَجل
وَقَوله وَلَيْسَت بلذة طَعَام أَو شراب هَذَا مُسلم فَإِن اللَّذَّات النفسانية لَيست بلذة طَعَام وَلَا شراب وَلَكِن من أَيْن يلْزم أَنه لَا لَذَّة طَعَام وشراب وَنَحْوهمَا فِي تِلْكَ الدَّار الْآخِرَة
فَإِن كَانَ بِالشَّرْعِ فَكتب الله عز وَجل جَمِيعهَا ناطقة بِخِلَاف ذَلِك كَمَا قدمنَا ذَلِك فِي كتب الله عز وَجل وَفِي الْقُرْآن الْعَظِيم مِمَّا يكثر تعداده وَيطول إِيرَاده وَهُوَ لَا يخفى مثله على أحد من الْمُسلمين الَّذِي يقرأون الْقُرْآن لبلوغه فِي الْكَثْرَة إِلَى غَايَة يشْتَرك فِي مَعْرفَتهَا المقصر والكامل وَإِن كَانَ بِالْعقلِ فَلَيْسَ فِي الْعقل مَا يَقْتَضِي إِثْبَات اللَّذَّة النفسانية وَنفي اللَّذَّة الجسمانية بل لَا مدْخل لِلْعَقْلِ هَاهُنَا وَلَا يتعول عَلَيْهِ أصلا
وَإِن كَانَ لَا يعْتَبر عقل وَلَا شرع بل لمُجَرّد الزندقة والمروق من الْأَدْيَان كلهَا والمخالفة لما ورد فِي كتب الله سُبْحَانَهُ فبطلان ذَلِك مستغن عَن الْبَيَان
وَأما قَوْله كَمَا قَالَ النَّبِي دَاوُد مُتَعَجِّبا من عظمتها مَا أَكثر
(1/18)
وَمَا أجزل خيرك الَّذِي خبأته للصالحين الطائعين لأمرك فَهَذَا عجب مِنْهُ عَلَيْهِ السَّلَام من كَثْرَة خير الله سُبْحَانَهُ وجزالة مَا خبأه للصالحين من عباده الطائعين لأَمره فِي الدَّار الْآخِرَة وَهُوَ دَلِيل على الملعون لَا لَهُ فَإِن كَلَامه هَذَا هُوَ ككلام سَائِر أَنْبيَاء الله فِي استعظام مَا أعده الله للصالحين من عباده كَمَا قَالَ نَبينَا صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (فِي الْجنَّة مَا لَا عين رَأَتْ وَلَا أذن سَمِعت وَلَا خطر على قلب بشر) وَمثله فِي الْقُرْآن الْكَرِيم فِي قَوْله تَعَالَى {فَلَا تعلم نفس مَا أُخْفِي لَهُم من قُرَّة أعين}
وَأما قَوْله وَهَكَذَا قَالَ الْعلمَاء الْعَالم الْمُسْتَقْبل لَيْسَ فِيهِ لَا أكل وَلَا شرب إِلَى آخِره فَيُقَال لَهُ إِن أردْت عُلَمَاء الْملَّة الْيَهُودِيَّة فهم الَّذين لعنوك وكفروك بِسَبَب هَذِه الْمقَالة كَمَا قدمنَا وهم جَمِيعًا يخالفونك ويثبتون الْمعَاد الجسماني وَاللَّذَّات الجسمانية ويكفرون من لم يثبتها كَمَا كفروك ويلعنونه كَمَا يلعنوك وَإِن أردْت عُلَمَاء الْملَّة النَّصْرَانِيَّة فهم متفقون بأسرهم على إِثْبَات الْمعَاد الجسماني وَإِثْبَات اللَّذَّات الجسمانية والنفسانية فِيهِ وَكَيف يُخَالف مِنْهُم مُخَالف فِي ذَلِك والانجيل مُصَرح بِهَذَا الاثبات تَصْرِيحًا لَا يبْقى عِنْده ريب لمرتاب
وَإِن أردْت عُلَمَاء الْملَّة الإسلامية فَذَلِك كذب بحت وزور مَحْض فَإِنَّهُم مجمعون على ذَلِك لَا يُخَالف مِنْهُم فِيهِ مُخَالف ونصوص الْقُرْآن من فاتحته إِلَى خاتمته مصرحة بِإِثْبَات الْمعَاد الجسماني وَإِثْبَات تنعم الْأَجْسَام فِيهِ بالمطعم وَالْمشْرَب والمنكح وَغير ذَلِك أَو تعذيبها بِمَا اشْتَمَل عَلَيْهِ الْقُرْآن من تِلْكَ الْأَنْوَاع الْمَذْكُورَة فِيهِ وَهَكَذَا النُّصُوص النَّبَوِيَّة المحمدية مصرحة بذلك تَصْرِيحًا يفهمهُ كل عَاقل بِحَيْثُ لَو جمع مَا ورد فِي ذَلِك مِنْهَا لجاء مؤلفا بسيطا
وَأما استدلاله بقوله فِي التَّوْرَاة لكَي يطيب لَك فِي الْعَالم الَّذِي كُله طيب ويطيل أيامك فِي الْعَالم الَّذِي كُله طائل فَهَذَا دَلِيل على الملعون لَا لَهُ
(1/19)
فَإِن الْخطاب فِي الدُّنْيَا لمجموع الشَّخْص الَّذِي هُوَ الْجِسْم وَالروح وَظَاهره أَنه يكون لَهُ هَذَا على الصّفة الَّتِي خُوطِبَ وَهُوَ عَلَيْهَا وَأَنه يحصل لَهُ جَمِيع مَا يتلذذ بِهِ من اللَّذَّات الجسمانية والنفسانية وَمن ادّعى التَّخْصِيص بِبَعْض الشَّخْص أَو بِبَعْض اللَّذَّات فَهُوَ يَدعِي خلاف الظَّاهِر وَلَكِن المحرف المتزندق لَا مقصد لَهُ إِلَّا التلبيس على أهل الْأَدْيَان
وَكَذَلِكَ قَوْله وَقد قَالَ النَّبِي أشعيا أَن الْعَالم الْمُسْتَقْبل لَيْسَ يدْرك بالحواس وَهُوَ قَوْله لَا عين تقدر ترَاهُ فَإِن هَذَا هُوَ مثل مَا قدمنَا من كَلَام الْأَنْبِيَاء فِي استعظام مَا عِنْد الله لِعِبَادِهِ الصَّالِحين فِي الدَّار الْآخِرَة
وَبِهَذَا تعرف أَنه لم يكن فِي كَلَام هَذَا الملعون الزنديق مَا يتَمَسَّك بِهِ متمسك أَو يغتر بِهِ مغتر بل هُوَ خلاف مَا فِي كتب الله جَمِيعًا كَمَا قدمنَا وَخلاف مَا عِنْد عُلَمَاء الْملَل بل خلاف مَا أقرّ بِهِ فِي كَلَامه السَّابِق إِقْرَارا مكررا
فيا عجبا لمن يتَمَسَّك بِمثل هَذَا الْكَلَام الَّذِي لم يجر على نمط مِلَّة من الْملَل وَلَا وَافق نصا من نُصُوص كتب الله سُبْحَانَهُ وَلَا نصا من نُصُوص رسل الله جمعيا ويجعله مَا وَردت بِهِ التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل ويجزم بِهِ ويحرره فِي كتبه مظْهرا أَن الشَّرِيعَة المحمدية جَاءَت بِمَا لم يكن فِي الشَّرَائِع السَّابِقَة زاعما أَن ذَلِك دَلِيل على كمالها مبطئا مَا أبطنه هَذَا الزنديق ابْن مَيْمُون الْيَهُودِيّ كَمَا فعل ذَلِك ابْن سينا وَتَبعهُ بن أبي الْحَدِيد فِي شرح النهج بِكُل جاور مَا قَالَه هَذَا إِلَى مَا هُوَ شَرّ مِنْهُ فَقَالَ إِن التَّوْرَاة لم يَأْتِ فِيهَا وعد ووعيد يتَعَلَّق بِمَا بعد الْمَوْت وَهَذِه فِرْيَة على التَّوْرَاة وَجحد لما فِيهَا وتحريف لما صرحت بِهِ فِي غير مَوضِع كَمَا قدمنَا بعض ذَلِك وَكَذَلِكَ زعما أَن الْمَسِيح وَإِن صرح بالقيامة فقد جعل الْعَذَاب روحانيا وَكَذَلِكَ الثَّوَاب وَهَذَا أَيْضا كذب مَحْض وَقد قدمنَا مَا يفيدك ذَلِك ويطلعك على كذبهما وَالْعجب أَن ابْن مَيْمُون الْيَهُودِيّ
(1/20)
لم يتجاسر على مَا زعماه من أَن التَّوْرَاة لم يَأْتِ فِيهَا وعد ووعيد يتَعَلَّق بِمَا بعد الْمَوْت بل أثبت ذَلِك وَاسْتدلَّ عَلَيْهِ بِالتَّوْرَاةِ كَمَا عرفت من كَلَامه السَّابِق المتضمن لاعْتِرَافه ولمخالفته فِي إِثْبَات اللَّذَّات الجسمانية فَإِن قلت قد جَاءَ عَن الصابئة وَعَن جمَاعَة من المتعلقين بمذاهب الْحُكَمَاء مَا يُوَافق كَلَام ابْن مَيْمُون الْمَذْكُور قلت لسنا بصدد الرَّد على كل كَافِر ومتزندق بل بصدد الْكَلَام على مَا جَاءَت بِهِ رسل الله ونطقت بِهِ كتبه واتفقت عَلَيْهِ الْملَل المنتسبة إِلَى الْأَنْبِيَاء المقتدية بكتب الله وَرُسُله دفعا لما وَقع من الْكَذِب البحت والزور الْمَحْض مِمَّن يزْعم الْمُخَالفَة بَينهَا وَبَين مَا جَاءَت بِهِ الشَّرِيعَة المحمدية فأوضحنا أَن ذَلِك مُخَالف للملة الْيَهُودِيَّة وَلما جَاءَت بِهِ التَّوْرَاة وَمَا قَالَه عُلَمَاء الْيَهُود ومخالف لما جَاءَت بِهِ الْملَّة النَّصْرَانِيَّة وَلما جَاءَ بِهِ الانجيل وَمَا قَالَه عُلَمَاء النَّصَارَى ومخالف أَيْضا لما جَاءَ بِهِ أَنْبيَاء بني إِسْرَائِيل وَمَا نطقت بِهِ كتبهمْ حَسْبَمَا قدمنَا ومخالف ملا كَانَ من الْأَنْبِيَاء الْمُتَقَدِّمين على بعثة مُوسَى كَمَا يَحْكِي ذَلِك مَا تضمنته التَّوْرَاة من حِكَايَة أَحْوَالهم وَمَا كَانُوا عَلَيْهِ وَمَا كَانُوا يدينون بِهِ وكما يَحْكِي ذَلِك عَنْهُم الْقُرْآن الْكَرِيم فَإِن فِيهِ مَا يُفِيد مَا كَانُوا عَلَيْهِ وَمَا كَانُوا يدينون بِهِ وَمَا قَالُوا لقومهم وَمَا وعدوهم بِهِ من خير وَشر بل فِيهِ مَا يُفِيد مَا كَانَ عَلَيْهِ أهل الْكتب الْمُتَأَخِّرَة من الْبعْثَة لمُوسَى وَمن بعده وَمَا كَانُوا يدينون بِهِ كَقَوْلِه سُبْحَانَهُ حاكيا عَن الْيَهُود {وَقَالُوا لن يدْخل الْجنَّة إِلَّا من كَانَ هودا أَو نَصَارَى} وَقَوله تَعَالَى {يَا بني إِسْرَائِيل اعبدوا الله رَبِّي وربكم إِنَّه من يُشْرك بِاللَّه فقد حرم الله عَلَيْهِ الْجنَّة ومأواه النَّار} وَقَوله حاكيا عَن مُوسَى إِلَى فِرْعَوْن {وَيَا قوم إِنِّي أَخَاف عَلَيْكُم يَوْم التناد} إِلَى قَوْله {وَإِن الْآخِرَة هِيَ دَار الْقَرار} إِلَى قَوْله {فَأُولَئِك يدْخلُونَ الْجنَّة يرْزقُونَ فِيهَا بِغَيْر حِسَاب}
(1/21)
وَقَوله {إِذْ قَالَ الله يَا عِيسَى إِنِّي متوفيك ورافعك إِلَيّ ومطهرك من الَّذين كفرُوا وجاعل الَّذين اتبعوك فَوق الَّذين كفرُوا إِلَى يَوْم الْقِيَامَة ثمَّ إِلَيّ مرجعكم فأحكم بَيْنكُم فِيمَا كُنْتُم فِيهِ تختلفون فَأَما الَّذين كفرُوا فأعذبهم عذَابا شَدِيدا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَمَا لَهُم من ناصرين وَأما الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات فيوفيهم أُجُورهم}
وَقَالَ {بل تؤثرون الْحَيَاة الدُّنْيَا وَالْآخِرَة خير وَأبقى إِن هَذَا لفي الصُّحُف الأولى صحف إِبْرَاهِيم ومُوسَى}
ونصوص الْقُرْآن الحاكية عَن الْيَهُود وَالنَّصَارَى وَسَائِر الْملَل مثل هَذَا كَثِيرَة جدا وَلَا يَتَّسِع الْمقَام لبسطها وَقد بعث النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَأهل الْملَّة الْيَهُودِيَّة والنصرانية فِي أَكثر بقاع الأَرْض وبلغهم مَا حَكَاهُ الْقُرْآن عَن أَنْبِيَائهمْ من إِثْبَات الْمعَاد وَإِثْبَات النَّعيم الجسماني والروحاني وَلم يسمع عَن أحد مِنْهُم أَنه أنكر ذَلِك أَو قَالَ هُوَ خلاف مَا فِي التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل وَقد نزل أَكثر الْقُرْآن على النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي الْمَدِينَة وَكَانَ الْيَهُود متوافرين فِيهَا وَفِيمَا حولهَا من الْقرى الْمُتَّصِلَة بهَا وَكَانُوا يسمعُونَ مَا ينزل من الْقُرْآن وَلم يسمع أَن قَائِلا مِنْهُم قَالَ للنَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِنَّك تحكي عَن التَّوْرَاة مَا لم يكن فِيهَا من الْبعْثَة وَمَا أعده الله فِي الدَّار الْآخِرَة من النَّعيم للمطيعين وَالْعَذَاب للعاصين وَقد كَانُوا يودون أَن يقدحوا فِي النُّبُوَّة المحمدية بِكُل مُمكن بل كَانُوا فِي بعض الْحَالَات يُنكرُونَ وجود مَا هُوَ مَوْجُود فِي التَّوْرَاة كالرجم فَكيف سكتوا عَن هَذَا الْأَمر الْعَظِيم وَهل كَانُوا يعجزون أَن يَقُولُوا عِنْد سماعهم لقَوْله تَعَالَى {قَالُوا لن تمسنا النَّار إِلَّا أَيَّامًا معدودات} مَا قُلْنَا هَذَا وَلَا نعتقده وَلَا جَاءَت بِهِ شَرِيعَة مُوسَى
وَهَكَذَا عِنْد سماعهم لقَوْله تَعَالَى {وَقَالُوا لن يدْخل الْجنَّة}
(1/22)
إِلَّا من كَانَ هودا أَو نَصَارَى) وَقد كَانَ أَمر الْمعَاد مشتهرا فِي أهل الْكتاب وَكَانُوا يتحدثون بِهِ وَاسْتمرّ ذَلِك فيهم استمرارا ظَاهرا وَعلم بِهِ غَيرهم من أهل الْأَوْثَان لما كَانُوا يسمعُونَ مِنْهُم وَمن ذَلِك مَا أخرجه ابْن اسحاق قَالَ حَدثنَا صَالح بن إِبْرَاهِيم بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف عَن مَحْمُود بن لبيد عَن سَلامَة بن سَلامَة بن وقش قَالَ كَانَ بَين أَبْيَاتنَا يَهُودِيّ فَخرج على نَادِي قومه بني عبد الْأَشْهَل ذَات غَدَاة فَذكر الْبَعْث وَالْقِيَامَة وَالْجنَّة وَالنَّار والحساب وَالْمِيزَان فَقَالَ ذَلِك لأَصْحَاب وثن لَا يرَوْنَ أَن بعثا كَائِن بعد الْمَوْت وَذَلِكَ قبل مبعث رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالُوا وَيحك يَا فلَان أَو وَيلك وَهَذَا كَائِن أَن النَّاس يبعثون بعد مَوْتهمْ إِلَى دَار فِيهَا جنَّة ونار يجزون من أَعْمَالهم قَالَ نعم وَالَّذِي يحلف بِهِ لَوَدِدْت أَن حظي من تِلْكَ النَّار أَن توقدوا أعظم تنور فِي داركم فتحمونه ثمَّ تقذفوني فِيهِ ثمَّ تطينون عَليّ وَإِنِّي أنجو من تِلْكَ النَّار غَدا
فَقيل يَا فلَان فَمَا عَلامَة ذَلِك فَقَالَ نَبِي يبْعَث من نَاحيَة هَذِه الْبِلَاد وَأَشَارَ إِلَى مَكَّة واليمن بِيَدِهِ قَالُوا فَمَتَى نرَاهُ فَرمى بطرفه فرآني وَأَنا مُضْطَجع بِفنَاء بَاب أَهلِي وَأَنا أحدث الْقَوْم فَقَالَ إِن
(1/23)
يستنفذ هَذَا الْغُلَام عمره يُدْرِكهُ ... إِلَى آخر الحَدِيث
وَأهل الْكتاب إِلَى عصرنا هَذَا يقرونَ بالمعاد وَالْجنَّة وَالنَّار والحساب وَالْعِقَاب وَالنَّعِيم وَالثَّوَاب وَلَا يُنكر ذَلِك مِنْهُم مُنكر وَلَا يُخَالف فِيهِ مُخَالف
وَإِذا قيل لَهُم قد قَالَ قَائِل إِنَّكُم لَا تثبتون ذَلِك أَنْكَرُوا أَشد إِنْكَار فَمن روى عَنْهُم مَا يُخَالف ذَلِك فقد افترى وَجَاء بِمَا ترده الْأَحْيَاء مِنْهُم والأموات وَبِمَا تبطله الرُّسُل الْمُرْسلَة إِلَيْهِم والكتب النَّازِلَة عَلَيْهِم حَسْبَمَا قد حكينا لَك فِي هَذَا الْمُخْتَصر
(1/24)
إرشاد الثقات إلى اتفاق الشرائع على التوحيد والمعاد والنبوات
الْفَصْل الثَّالِث فِي إِثْبَات النبوات
1 - تمهيد
اعْلَم أَن الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم السَّلَام على كَثْرَة عَددهمْ وَاخْتِلَاف أعصارهم وتباين أنسابهم وتباعد مساكنهم قد اتَّفقُوا جَمِيعًا على الدُّعَاء إِلَى الله عز وَجل وَصَارَ الآخر مِنْهُم يقر بنبوة من تقدمه وبصحة مَا جَاءَ بِهِ وَإِذا خَالفه فِي تَحْلِيل بعض مَا حرمه الله على لِسَان الأول أَو تَحْرِيم مَا أحله الله لَهُ ولأمته فَهُوَ مقرّ بِأَن الحكم الأول تحليلا اَوْ تَحْرِيمًا هُوَ حق وَهُوَ حكم الله عز وَجل وَأَنه الَّذِي تعبد الله بِهِ أهل تِلْكَ الْملَّة السَّابِقَة وَاخْتَارَهُ لَهُم كَمَا اخْتَار للملة اللاحقة مَا يُخَالِفهُ وَالْكل من عِنْد الله عز وَجل وَذَلِكَ جَائِز عقلا وَشرعا فِي مِلَّة وَاحِدَة فضلا عَن الْملَل الْمُخْتَلفَة
وَمَا رُوِيَ فِي بعض كتب أصُول الْفِقْه من أَن الْيَهُود يُنكرُونَ النّسخ فَتلك رِوَايَة غير صَحِيحَة وَقد نَسَبهَا من نَسَبهَا إِلَى طَائِفَة قَليلَة مِنْهُم وَمَا أَظُنهُ يَصح عَنْهُم ذَلِك فَإِن التَّوْرَاة مصرحة بنسخ كثير من الْأَحْكَام الَّتِي تعبدهم الله بهَا تَارَة تَخْفِيفًا وَتارَة تَغْلِيظًا وَتارَة إِيجَابا وَتارَة تَحْرِيمًا
وَبِالْجُمْلَةِ فَلَا شكّ وَلَا ريب أَن الْأَنْبِيَاء متفقون على تَصْدِيق بَعضهم بَعْضًا وَأَن مَا جَاءَ بِهِ كل وَاحِد مِنْهُم هُوَ من عِنْد الله عز وَجل وَقد عرفناك فِيمَا سبق أَن عَددهمْ بلغ إِلَى مائَة ألف وَأَرْبَعَة وَعشْرين ألفا وَلَا خلاف بَين أهل النّظر أَن اتِّفَاق مثل هَذَا الْعدَد يُفِيد الْعلم الضَّرُورِيّ
(1/25)
بِصدق مَا اتَّفقُوا عَلَيْهِ بل اتِّفَاق عشر هَذَا الْعدَد بل اتِّفَاق عشر عشره يُفِيد ذَلِك وَمن أنكر فِي هَذَا الِاتِّفَاق فَعَلَيهِ بمطالعة التَّوْرَاة فَإِنَّهَا قد اشْتَمَلت على حِكَايَة حَال الْأَنْبِيَاء من لدن آدم إِلَى بعثة مُوسَى وفيهَا التَّصْرِيح بِتَصْدِيق بَعضهم بَعْضًا وَلم يَقع من أحد مِنْهُم الْإِنْكَار لنبوة أحد مِمَّن تقدمه ثمَّ جَاءَ من بعد مُوسَى وَهَارُون أَنْبيَاء بني إِسْرَائِيل وكل وَاحِد مِنْهُم يقر بِمن تقدمه وَثَبت نبوته كَمَا اشْتَمَل على ذَلِك كتب نبواتهم وَكثير مِنْهُم كَانَ يُجَاهد من يعبد الْأَصْنَام من بني إِسْرَائِيل وَغَيرهم وَقد وَقعت لَهُم قصَص وحروب مَعَ من كَانَ يعبد الصَّنَم الْمَعْرُوف ببعل الَّذِي ذكر الله سُبْحَانَهُ فِي الْقُرْآن وَكَذَلِكَ كَانَ لَهُم قصَص وحروب مَعَ من كَانَ يعبد غَيره من الْأَصْنَام وَهَكَذَا دَاوُد وَسليمَان وهما من أَنْبيَاء بني إِسْرَائِيل وَمِمَّنْ يدين بِالتَّوْرَاةِ مَا زَالا فِي حَرْب مَعَ عباد الْأَصْنَام كَمَا يَحْكِي ذَلِك الزبُور وَكتاب دَاوُد وكما تحكيه وَصَايَا سُلَيْمَان وَهِي كتاب مُسْتَقل
وَهَكَذَا الْإِنْجِيل فَإِن الْمَسِيح عَلَيْهِ السَّلَام كَانَ يحْتَج على الْمُخَالفين لَهُ من الْيَهُود بِنَصّ التَّوْرَاة فِي غَالب فصوله الْمُشْتَملَة على حِكَايَة الْمسَائِل الَّتِي أنكرها عَلَيْهِ الْيَهُود وَمَعَ هَذَا فَلم يَقع اخْتِلَاف بَينهم قطّ فِي الدُّعَاء إِلَى تَوْحِيد الله وَإِثْبَات الْمعَاد وَصِحَّة نبوة كل وَاحِد مِنْهُم وَصدقه فِيمَا جَاءَ بِهِ من الشَّرْع وَفِيمَا حَكَاهُ عَن الله سُبْحَانَهُ وَهَذِه هِيَ الثَّلَاثَة الْمَقَاصِد الَّتِي جَمعنَا هَذَا الْمُخْتَصر لتقرير اتِّفَاقهم عَلَيْهَا وإثباتهم لَهَا وَكَثِيرًا مَا كَانَ يَقع التبشير من السَّابِق مِنْهُم باللاحق كَمَا هُوَ مُصَرح بِهِ فِي التَّوْرَاة من تبشير مُوسَى بيوشع بن نون وكما هُوَ مُصَرح بِهِ فِي الزبُور من تبشير دَاوُد بِعِيسَى وَهُوَ الرَّابِع عشر من أَوْلَاده فَإِن بَين دَاوُد والمسيح أَرْبَعَة عشر ابا وَقيل أَكثر من ذَلِك حَسْبَمَا يحكيه مَا وَقع فِي بعض نسخ الْإِنْجِيل وكما وَقع من يحيى بن زَكَرِيَّا الْمُسَمّى عِنْدهم يوحنا فَإِنَّهُ بشر بالمسيح مَعَ اتِّصَال عصره بعصره فَإِن يحيى بن زَكَرِيَّا إِنَّمَا قتل بعد أَن بعث الله الْمَسِيح كَمَا يَحْكِي ذَلِك الْإِنْجِيل
(1/26)
نشرت فى 7 مايو 2015
بواسطة husseinyhm1950
hussein youssef hussein metwalley
نحاول عمل اضافة لنشر الدين الإسلامى فى العالم عن طريق نشر تعاليم الدين ونشر أيات من القرآن مع تفسير بلغات العالم »
أقسام الموقع
ابحث
تسجيل الدخول
عدد زيارات الموقع
4,200


