( 10 ) ممارسة الفساد فى دولة مطلومارة ومبادىء مكافحته
عرفنا أن مجتمع مطلومارة ، هو صورة كل المجتمعات فى حياتنا الدنيا وإلى يوم يوم القيامة ، مجتمع يضم فى جنباته ، الخير والشر ، الصالح والطالح ، المصلح والمفسد ، الصلاح والفساد ، تتواجد فيه الفجوات البؤرية للفساد الدائمة والمؤقتة ، وتتواجد فيه المساجد والكنائس وجمعيات البر والإحسان ، فيه عبادة الله سبحانه وتعالى وعبدة الشيطان ، فيه الإنسان الطيب والشرير والقبيح ! ! ( هناك رواية أجنبية تحولت لفيلم سينمائى رائع يحمل عنوان الطيب والشرس والقيبح ) ، مجتمع مطلومارة هو ذلك المجتمع الذى تطور إجتماعيا مـــن لدن أدم عليه الســــلام وإلى الأن وأصــــبح " المجتمع الدولة " ، فالأن كل دولة ما هى إلا مجتمعا مطلوماريا ، كما أن كل مجتمع مطلومارى ، هو شعب لهذه الدولة بمفهومها الحديث .
ومطلومارية الدولة إنما تعنى أن الدولة تحوى الظلمات والنور ، الظلمات التى يعمل فيها شياطين الإنس بعدما زين لهم شياطين الجن أعمالهم ، كما أن تحوى النور ويعمل فيه من يعمل بالصراط المستقيم منهج الله الذى إرتضاه لخلقه ، يعمل فى الظلمات كل فاسد ومفسد مصر على أن يسعى فى الأرض فساد ، وفى النور يعمل كل صالح ومصلح مصر على أن يسعى فى الأرض بالإصلاح .
وفى ظل الدولة المطلومارية ، تكونت المؤسسات الإجتماعية والإقتصادية والسياسية والثقافية والعلمية ، ووضعت التشريعات الوضعية التى تنظم المجتمع المطلومارى بالدولة ، هذه التشريعات التى لا تحوى تشريعا ، يخالف الصراط المستقيم الذى إرتضاه رب العالمين لخلقه ، سواء عدم المخالفة للصراط المستقيم أخذ به ، بقصد وتعمد ، أو بصورة غير مقصودة أو غير متعمدة تمشيا مع فطرية الإنسان الطبيعية ، وما يجب أن تكون عليه هذه الفطرة بحيث لا تخرج المخلوقات عما خلقت له وهديت إليه للقيام بوظائفها ، وهناك التفاعل بين هذه المكونات للدولة المطلومارية ، تفاعلا داخل الدولة أو تفاعلا مع الدول المطلومارية الأخرى.
وطالما أن الدولة مطلومارية ، وأن شعبها ينتمى للمجتمع المطلومارى ، فهناك الفساد الذى تتكون من خلاله الفجوات البؤرية للفساد داخل الدولة المطلومارية .
وإن كان ذلك كذلك ، فإن الفساد أيا كان ، فالفعل واحد ولا تتم التفرقة فيه من حيث الدين واللغة والجنس والعرف السائد ، فالفساد مصطلح عالمى التعريف ولا يخضع لمنطق الجغرافيا ، ولا يسقط بالتقادم من حيث التاريخ .
المبادىء التشريعية لمكافحة الفساد
هناك بعض المبادىء التى يجب أن تؤخذ فى الإعتبار عن وضع التشريعات لمكافحة الفساد وهى تتلخص فى المبادىء التالية :
<!--مبدأ أحادية الفساد
قلنا أن الدولة المطلومارية تتكون من مؤسسات مختلفة تتفاعل فيما بينها ، بالقدر الذى تتفاعل فيه الدولة المطلومارية مع دولة مطلومارية أخرى ، فهناك فجوات بؤرية للفساد تتكون داخل هذه المؤسسات بكل أنواعها , إجتماعية أو إقتصادية أو سياسية أو ثقافية أو علمية ..إلخ .
والفساد واحدا ويجب أن يكون واحدا ، فلا ننسب الفساد لمصدره ، فنقول فساد إقتصادى أو إجتماعى أو سياسى أو علمى ..إلخ ، فتعدد مفاهيم الفساد وتنوعها طبقا لمصدر الفساد ـ هذا فى حد ذاته يضعف حدث الفساد ويهون منه ، فالفساد الإقتصادى ليس بأقل من الفساد السياسى أو العكس ، فالفساد يجب أن يكون واحدا ، ويوصف كل من يقوم به بصفة المفسد ، فلا نقول مفسد إقتصادى أو سياسى ، ومرتكبه فى النهاية مجرم ، فكما أنه ليس هناك مجرم إجتماعى أو إقتصادى كذلك يجب للفساد والمفسدين ألا تكون هناك مثل هذه التقسيمات .
<!--مبدأ أحادية المفسدين
وليست الأحادية للفساد كمصدر ولكن الأحادية للمفسدين أيضا كفاعل ، فالتنويعات فى تعرف الفساد حسب منبعه ، إنما تتلاقى جميعها فى الفاعل واحدا بعينه أو جماعة بعينها ، مستخدما أو مستخدمة فى ذلك سلطته أو سلطانها ، والسلطان هنا قد يكون على نفسه أو على الغير ، والغير قد يكون طبيعيا كأفراد أو جماعات أو يكون ماديا كموارد إقتصادية له السيطرة عليها وإتخاذ قرارت بشأنها ، فإن كان الفاعل موظفا وظيفة عامة وأساء فى إستغلال وظيفته ، فهنا الفساد فسادا إداريا ، وبالتالى المفسد يكون مفسدا إداريا ، وإذا كان يعمل فى عمل خاص وأفسد فهل ينسحب عليه الوصف ؟ وكذلك إذا كان الفاعل له سلطة عامة من الناحية السياسية وأساء فى إستغلال سلطته العامة ، فهنا الفساد فسادا سياسيا وبالتالى المفسد يكون مفسدا سياسيا ، وهكذا بالنسبة فى الإقتصاد أو الثقافة أو العلوم ، فنحن نرى أن التوصيف حسب التنويع فى منابع المصدر يضعف فى حساسية الإستقبال النفسى من قبل الفاعلين والمقبلين على فعل الفساد ، ولهذا يجب أن تكون هناك أحادية فى توصيف المفدسين فى كونهم بالفعل مفسدون .
فالفساد واحد كفساد دون إلحاق له صفة من منبعه أو مصدره ، وكذلك المفسد واحد كمفسد دون إلحاق له صفة من طبيعة عمله ، فكلا الأمرين يجب أن نطلق على الفرد أو الجماعة وما ارتكبوه يكون فسادا لا غير ، ومن قاموا به يكونوا مفسدين لا غير .
<!--مبدأ أحادية العقاب
إذا كانت هناك أحادية فى الفساد كمصدر ، وأحادية فى المسدين كفاعلين ، فلابد وأن تكون هناك أحادية فى العقاب ، فالعقاب عن جريمة الفساد أو جرائم المفسدين يجب أن تكون واحدة أيا كان الفساد أوموضوعه ، وهذا بمثابة حد أدنى من العقاب ، ويكون حدا زاجرا بمعنى الكلمة ، بحيث يبشع جريمة الفساد فى عين من تسول له نفسه القيام بها أو يفكر بالإقتراب منها ، فالحد الأدنى من العقاب والذى يترتب على مبدأ أحادية العقاب ، لا يفرق بين كون الفساد كبير أو صغيرا ، فمن بعد الحد الأدنى للعقاب يأتى تنوع وتعدد العقوبات .
<!--مبدأ تنويع وتعدد العقوبة
بعد تطبيق مبدأ أحادية العقاب يمكن النظر بعد فى تنويع وتعدد العقوبة ، ولا يفهم من مبدأ أحادية الفساد كمصدر ، وأحادية المفسدين كفاعل ، وأحادية العقاب كحد أدنى زاجرا لمن يفكر فى القيام بفعل الفساد ، أن تكون العقوبة المترتبة على الفعل واحدة ، فقد قلنا سابقا – بإستخدام المجاز اللغوى - أن فعل الفساد قد يكون لازما لا يتعدى أثره إلا على فاعله ، وقد يكون متعديا ويتعدى أثر فعله على الأخرين ، وقد يختلف موضوع الفساد من فاعل للفساد إلى أخر ، وهنا لابد من تنويع وتعدد العقوبة المترتبة على فعل المفسد بتنوع وتعدد موضوع الفساد ، وهذا فوق الحد الأدنى للعقاب الذى يعاقب به مرتكب الفساد ولا فرق فى هذه الحالة كون الفساد صغيرا أو كبيرا .


