حسين عبد العزيزعبده الحسانين

المال العام وكيفية الحفاظ عليه - الجودة وإدارة المستشفيات - بحوث علمية -خواطرأدبية

(5) العقلية المركزية للفساد وأسلوب الإدارة بالفجوة البؤرية للفساد

عرفنا فيما سبق أن الفساد سلوك إنسانى ناتج من التفاعل بين الشيطان والإنسان ذو الأهواء ، ويكون لدينا وسائلا للشيطان يأتمرون بأمره ، ويعملون عمله وهم " شياطين الإنس " الذى ينحرفون وينجرفون عن التشريعات الوضعية السوية المنظمة للمجتمع ، والتى بدورها تكون مرجعيتها الصراط المستقيم الذى إرتضاه رب العالمين لخلقه ، أو أن المجتمعات تأخذ منها حتى وإن كانت لا تؤمن بها ، ويتصدر للأخيرة الشيطان على أنها تشريعات لها الصبغة الإصلاحية وضد طريقه الذى أقسم أن يقعد عليه وهو الصراط المستقيم مستخدما فى ذلك أوليائه من الإنس وهم كما قلنا شياطين الأنس .

وعرفنا أيضا أن الفساد قد يكون فرديا يقوم عليه فرد ، أو يكون فساد جماعيا تقوم عليه جماعة ، ويترتب على هذا وجود ما أسميناه " الفجوة البؤرية للفساد " والتى تم تعريفها بأنها "حيز مكانى يحوى نشاطا يتمشى ظاهريا مع التشريعات الوضعية المنظمة للمجتمع ، ويتوارى خلفه نشاطا أخر ضد هذه التشريعات ، ويقوم به فردا أو جماعة ، توحدت إراداتهم وتلاقت أهدافهم للقيام بهذا النشاط والتى تحقق مصالحهم"  . وأياكانت تلك الفجوة للفساد كامنة أو منفصلة ، مستقلة كانت أو تابعة ، فإن لها إدارة مستقلة فردية كانت أو جماعية ، تقوم بالسهر عليها ، تجنيدا للأخرين ، وتنظيما لصفوفهم ، وتخطيطا لنشاطهم ، وتنسيقا بين من يعملون بداخلها ، ورقابة على تصرفاتهم ، وعمل العلاقات الخارجية داخل المجتمع وخارجه بما يخدم أهداف الفجوة البؤرية للفساد وتحقيق مصالحها ، وهذه الإدارة للفجوة البؤرية للفساد نطلق عليها ما نسميه " العقلية المركزية للفساد " والتى نعرفها كالتالى : "  المركز الفكرى للفجوة البؤرية للفساد ، والذى فيه يتم ممارسة وظائف التنظيم والتخطيط والتنسيق والرقابة ، وعمل العلاقات الخارجية داخل المجتمع وخارجه بما يضمن الوصول لإهداف الفجوة البؤرية للفساد وتحقيق مصالحها ".

ومن التعريف السابق يمكن أن نستخلص منه ما يلى :

<!--العقلية المركزية للفساد هى المركز الفكرى للفجوة البؤرية للفساد ، وقد يكون هذا المركز فردا أو جماعة من الأفراد .

<!--العقلية المركز للفساد هى التى تقوم برسم السياسة العامة للفجوة البؤرية للفساد .

<!--العقلية المركز للفساد هى التى تباشر أعمال التنظيم والتخطيط والتنسيق والرقابة والعلاقات الخارجية اللازمة للفجوة البؤرية للفساد بما يضمن لها الوصول لأهدافها وتحقيق مصالحها .

<!--العقلية المركزية للفساد قد تباشر عملها والقيام بمهامها بأسلوب المركزية الحاكمة ولا تفويض فيها لأحد ، أو بأسلوب اللامركزية المجاورة اللصيقة ، أو بأسلوب اللامركزية بالوكالة ، وذلك لأن العمل فى الفجوة البؤرية للفساد يتطلب السرية التامة والعمل بعيدا عن أعين المجتمع  .

<!--أسلوب المركزية الحاكمة :

هو طريقة إدارية تستخدمها العقلية المركزية للفساد فى إدارة الفجوة البؤرية للفساد ، حيث لا تقوم بتفويض أى وظيفة من وظائفها لأحد مما كان أو يكن داخل الفجوة البؤرية للفساد .

<!--أسلوب اللامركزية المجاورة اللصيقة :

هو طريقة إدارية أخرى تتبعها العقلية المركزية للفساد فى إدارة الفجوة البؤرية للفساد ، حيث تقوم بعمل غرف مجاورة لها ولصيقة بها ، يعمل فيها أفرادا يتم إختيارهم بصورة إنتقائية ، ويباشرون القيام بوظائف العقلية المركزية للفساد ، وإتصاف التجاور واللصق لهذه الغرف يعتبر شرطا ضروريا للقيام بهذا العمل .

ويتم الإختيار بين الأسلوبين وفقا لما ترتأيه العقلية المركزية للفساد داخل الفجوة البؤرية للفساد ، وهناك بعض العوامل التى يمكن أن تؤثر فى الإختيار بين الأسلوبين منها على سبيل المثال :

<!--طبيعة النشاط من حيث الحجم والأهمية ، الذى تمارسه العقلية المركز للفساد ، فكلما زاد حجم النشاط وذادت أهميته كلما كان الميل للأسلوب اللامركزى المجاور واللصيق هو الأسلوب المفضل لإدارة الفجوة البؤرية للفساد ، والعكس صحيح .

<!--درجة السرية المطلوبة لمزاولة النشاط ، كلما زادت درجة السرية المطلوبة لمزاولة النشاط كلما كان إختيار أسلوب المركزية الحاكمة أقرب للإختيار ، والعكس صحيح .

<!--درجة المباشرة والرؤية المتاحة للعقلية المركزية للفساد ، حيث أن العقلية المركزية للفساد يمكن أن تكون مباشرة لعملها ، ومطلوب رؤيتها لمن يعملون تحت إداراتها ، فيكون اسلوب المركزية الحاكمة أقرب للإختيار ، والعكس صحيح حيث تفضل العقلية المركزية للفساد العمل بصورة غير مباشرة وعدم إتاحة رؤيتها للأخرين إمعانا فى الحيطة والحذر فيكون إختيار أسلوب اللامركزية المجاورة واللصيقة هو المفضل.

<!--مدى البعد الرأسى بين العقلية المركزية للفجوة البؤرية للفساد وبين المستويات التنظيمية الدنيا التابعة لها ، فكلما كان البعد الرأسى هذا قصيرا جدا كلما كان الأسلوب المركزى الحاكم هو المفضل ، والعكس صحيح.

<!--اللامركزية بالوكالة

وهو طريقة إدارية تتبعها العقلية المركزية للفساد فى إدارة الفجوة البؤرية للفساد ، وذلك عندما يكون النشاط الذى تمارسه العقلية الرمكزية للفساد نشاطا دوليا وعابرا للقارات ، وغنى عن البيان أن الفجوة البؤرية التى تعمل بالوكالة لها أن تختار داخل فجوتها البؤرية للفساد بين الأسلوبين السابقين ، المركزية الحاكمة أو اللامركزية المجاورة اللصيقة .

شخصية العقلية المركزية للفساد

شخصية العقلية المركزية للفساد لها جانبان :

<!--الجانب الشخصى ويتمثل فى إجادة النفاق الإجتماعى .

<!--الجانب الموضوعى ويتمثل فى إمتلاكه لسلطة النفوذ .

<!--الجانب الشخصى والنفاق الإجتماعى

إذا كانت العقلية المركزية للفساد هى مركز الفكرى للفجوة البؤرية للفساد ، وتقوم بمباشرة التنظيم والتخطيط والتنسيق والرقابة وإدارة العلاقات الخارجية ، بما يضمن الوصول لأهداف الفجوة وتحقيق مصالحها ، وهو عمل ضخم وخصوصا إذا كان يتطلب العمل فى جو من السرية والضبابية داخل المجتمع أو خارجه ، ومن يقوم بهذا العمل لا يكون رجلا عاديا بمعنى الكلمة ، وعندما نعجز عن وصفنا لإنسان غير عادى فى إنحرافه وإنجرافه داخـــل المجتمع نوصمه بأنــه " شخص شيطانى الفكر " أو نقول : " شخص إبليس " أو " هذا الشخص الشيطان تلميذه " !! ، وهذا يدل على مدى الإحترافية فى سلوكه ، ومرونته الإجتماعية ، ولديه من الذكاء الإجتماعى ما يتم وصوله لمختلف الطبقات ، يتكلم بلغتهم ، ويشاركهم فى تقاليدهم وعادادتهم كما لو كان مولدا فى بيئتهم ، جرىء وقلبه غير موجود بين جنبيه ، لديه القدرة على الإقبال والإحجام ، التقدم والإدبار ، يعرف متى يصمت ؟ ومتى يتكلم ؟ ومتى يضحك فى قمة حزنه؟ ومتى يبكى فى قمة فرحه ؟ لا تفهمه بسهولة ، يشعرك أنه قريب منك وهو بعيد فى الواقع ، ويشعرك أنه بعيد رغم دنوه ووقفوه بجانبك ، لا يشترط فيه أن يكون مؤهلا تأهيلا علميا  وإن كانت مطلوبة بالطبع ، ولكن يكفيه خبرة الحياة ، ولديه أعلى شهادات التسكع !! فى الشوارع ، تراه فلا تراه على حقيقته كفاسد ، مجامل ولديه من وسائل التواصل مع الأخرين ما يكفى أن يسعوا هم إليه ، ويسألون عنه إن غاب ، ويفتقدونه إن ترك المكان ، له حضوره الطاغى فيمن حوله ، وكل هذا يمكن تلخيصه كجوانب شخصية للعقلية المركزية للفساد وإجادتها التامة فى النفاق الإجتماعى .

<!--الجانب الموضوعى وسلطة النفوذ

جانب أخر فى شخصية العقلية المركزية للفساد ، وهو جانب مــــوضوعى يتمثل فــى سلطة الفوذ ( إجتماعيا وإقتصاديا وسياسيا ) ، حيث لديها القدرة فى الحكم والسيطرة وإتخاذ القرارات وفرضها ، بما لديها من قوة شخصية أوقوة مكتسبة ، وتملك من الأدوات التى يمكن إستخدامها فى قهر الأخرين لتنفيذ قرارتها.

ولكن كيف للعقلية المركزية للفساد أن تكتسب سلطة النفوذ ؟

تسعى العقلية المركزية للفساط أن تحيط نفسها ببطانة إجتماعية من صعاليك المجتمع ، تأتمر بأمرها ، وتنتهى بنهيها ، تغدق عليهم المال ، والنفوذ فى حقوق الغير ، فيكونوا لها اليد التى تبطش ، والعصا التى بها تقهر الغير على السمع لها والطاعة ، وتقطع الطريق أمام من يريد أن يستعلى عليها ، إنه ( النفوذ الإجتماعى ) المستعار للعقلية المركزية للفساد.

إن العقلية المركزية للفساد تسعى دائما لعمل علاقات متعددة ومتشابكة مع سلطات إتخاذ القرار فى المجتمع ، تشريعية وقضائية وتنفيذية وصحافة وإعلام ، وذلك بما لديها من سلطان مالى ( النفوذ الإقتصادى ) ونفاق إجتماعى تستطيع بهما أن تخترق الجدران العازلة لهذه السلطات وتكون من المقربين لها ، وتصنع خيوطا عنكبوتية مع هذه السلطات ، وتعمل بعزم على تمتينها دوما وأبدا ، ولا تكتفى بصغار القوم فى السلطة ولكن تصل لمراكز إتخاذ القرار فيها ، فما دامت تعرف الأعلى من المناصب فلابد وأن تدين بالطاعة لهه المناصب الأدنى ، وإن عرف صاحب المنصب الأدنى صلتها بالمنصب الأعلى ، فسيسعى لها نيلا لرضاه من أجل توصية ما.  

ولا تكتفى العقلية المركزية للفساد بالنفوذ الإقتصادى ولا بالنفاق الإجتماعى ولا بالنفوذ الإجتماعى أو بالشبكة العنكبوتية من العلاقات مع مـــــراكز إتخاذ القرارات فــــــى المجتمع ، بــــل تسعى للحصول رسميا عــــــلى ( النفوذ السياسى ) وذلك لعمل ما نسميه ( غسيل السمعة ) من ناحية ، ومن ناحية أخرى تكون قريبة من مراكز صنع القرار، لعقد الصفقات وتمرير ما يمكن تمريره من أنشطة فجوتها البؤرية للفساد .

وإذا كانت العقلية المركزية للفساد تقهر الأخرين على فرض إرادتها لكونها تملك شبكة عنكبوتية من العلاقات مع سلطات المجتمع ، فما بالنا وقد أصبحت صاحبة النفوذ السياسى ؟ ، فلا يمكن أن تفرض إرادتها فقط ، بل تعمل على سحق من يقف فى طريقها ، أو من يحاول أن يضع العراقيل أمام نزواتها وشهواتها وطمعها الذى لا حدود له .

إن العقلية المركزية للفساد تملك النفاق الإجتماعى والنفوذ الإجتماعى والنفوذ الإقتصادى والنفوذ السياسى ، أى من الجوانب الشخصية والموضوعية ما يؤهلها أن تكون مركز الفكر فى فجوة البؤرة للفساد .

 

 

المصدر: حسين عبد العزيزعبده الحسانين
husayn-abdelazi

حسين عبد العزيز عبده ..مجرد إنسان دائم البحث عن الإنسان بداخله والحفاظ عليه

عدد زيارات الموقع

66,747