حسين عبد العزيزعبده الحسانين

المال العام وكيفية الحفاظ عليه - الجودة وإدارة المستشفيات - بحوث علمية -خواطرأدبية

          (4) الفجوة البؤرية للفساد

قمنا من قبل بتعريف الفساد – من وجهة نظرنا – تعريفا جامعا مانعا وذو صبغة عاليمة وهو :

" تفاعل بين الشيطان والإنسان ذو الأهواء فرادى أو جماعات ، ينتج عنه سلوكا منحرفا ومنجرفا وخارجا على التشريعات الوضعية التى تنظم المجتمع ، والمستندة على المعايير العامة ذات المرجعية للصراط المستقيم الذى إرتضاه الله سبحانه وتعالى للإنسان أو ما يتماشى معها  ."

 وقلنا بأن هذا التعريف يؤدى إلى سلوك إنسانى منحرفا ومنجرفا وخارجا عن التشريعات الوضعية التى نظم المجتمع ، وهذه التشريعات مرجعيتها بصورة مباشرة بالصراط المستقيم الذى إرتضاه رب العالمين لخلقه ، أو بصورة غير مباشرة من خلال الوصول بالتشريعات الوضعية تتوافق أو تتماثل مع الصراط المستقيم حتى وإن كانت تلك المجتمعات لا تؤمن وتعتقد فى الصراط المستقيم .

وإذا كان السلوك الإنسانى الناتج من هذا التفاعل سلوكا منحرفا ومنجرفا ، ومعنى الإنحراف والإنجراف هنا إستخدامه متعمدا وليس ترفا لغويا ، حيث الفساد لا يعمل فوق سطح الأرض رغم وقوعه فى الأرض ! فجميع الأنشطة التى تتعلق بالفساد تعمل فى سرية تامة ، وإن ظهرت للعلن فتتخذ لها مظهرا أخر تعمل من خلاله ، هذا المظهر لا يتعارض مع التشريعات الوضعية المنظمة للمجتمع من الناحية الظاهرية ، فهذا المظهر الخارجى ما هو إلا بابا لنفق طويل وعريض يحوى علاقات مترابطة ومتشابكة بين أفراد أو جماعات يمارسون الفساد داخل المجتمع وقد تلاقت مصالحهم فى هذا الأمر ، وبمعنى أخر انها إنحرفت سلوكياتهم وأنجرفت عن الطريق السوى الذى يسير عليه المجتمع ومن خلاله ينظم حياته مع توحد الإرادة والتلاقى فى أهدافهم  ، وينتج عن هذا الإنحراف والإنجراف ما يمكن أن نطلق عليه : " الفجوة البؤرية للفساد " والتى يمكن أن نعرفها كالتالى :

 " حيز مكانى يحوى نشاطا يتمشى ظاهريا مع التشريعات الوضعية المنظمة للمجتمع ، ويتوارى خلفه نشاطا أخر ضد هذه التشريعات ، ويقوم به فردا أو جماعة ، توحدت إراداتهم وتلاقت أهدافهم للقيام بهذا النشاط والتى تحقق مصالحهم"  .

ففكرة الفجوة البؤرية للفساد تقوم على فكرة القطع بين شيئين يصعب الوصل بينهما ، وفكرة التلاقى فى هدف واحد بين أفراد ربما لا يعرفون بعضهم البعض سوى أنهم يشتركون فى هدف واحد أو أنهم يتلاقون فى مصلحة واحدة ، ومن هذا التعريف يمكن أن نستخلص خصاص الفجوة البؤرية للفساد :

<!--الفجوة البؤرية هى ظرف مكان للفساد:

فكما قلنا سابقا أن الفساد جملة فعلية تامة تتكون من فعل وفاعل ومفعول به ، ويلحق بها كل توابعها زمنيا ومكانيا ، فمن البديهى لا فساد بلا حيز يمارس فيه هذا الفساد ، وهذا الحيز هو ظرف المكان لهذا الفساد ، ونستخلص من هذه الخصيصة أن للفجوة البؤرية للفساد مساحة مكانية لها حيزها الجغرافى ، وحجما له قطرا وإرتفاعا .

وفى هذا المقام يجدر بنا أن نميز بين ثلاثة أنواع من الأماكن للفجوة البؤرية للفساد :

<!--الأماكن الإفتراضية للفجوة البؤرية للفساد :

وهى تلك الفجوات البؤرية للفساد التى ليس لها مساحة جغرافية فى الأرض ولكن يتواصل أفرادها على شبكات الإنترنت ووسائل التواصل الإجتماعى ، أو بأى وسيلة من وسائل الإتصال الحديثة والتى يفرزها التقدم التكنولوجى .

<!--الأماكن الحقيقية للفجوة البؤرية للفساد :

وهى تلك الفجوات البؤرية التى لها مساحة جغرافية فى الأرض وهى بدورها تنقسم إلى نوعين :

<!--أماكن خاصة للفجوات البؤرية للفساد :

وهى التى يمتلكها أفرادها ملكية خاصة أو يقومون بتأجيرها .

<!--أماكن عامة للفجوات البؤرية للفساد :

وهى كل المؤسسات التى تتواجد داخل المجتمع وتكون ملكيتها ملكية عامة ، ويعمل أصحاب الفجوات البؤرية للفساد داخل هذه المؤسسات .

<!--الأماكن المختلطة للفجوات البؤرية للفساد :

 وهى تلك التى تجمع بين النوعين الأولين بأى صورة يمكن أن تكون عليها الفجوات البؤرية للفساد أو من حيث إنتماء الأفراد بتلك الفجوات البؤرية للفساد للعمل الخاص أو العام ، والعلاقات التى تنشأ بينهم ، بما فى ذلك إستخدامهم للأساليب التكنولوجية الحديثة ووسائل الإتصال الإجتماعى بينهم .

<!--الفجوة البؤرية تحوى نشاطا مزدوجا له صفة النفاق الإجتماعى

حيث يتم ممارسة نشاطا أى كانت نوعيته ولكن نشاطا مزدوجا ويحمل صفة النفاق الإجتماعى ، حيث يظهر ما يبطن ويبطن مالا يظهر ، حيث ظاهره يتمشى مع التشريعات الوضعية التى تنظم المجتمع ، وباطنه يمارس أنشطة أخرى ضد هذه التشريعات .

<!--الفجوة البؤرية قد يقوم عليها فردا أو جماعة

يقوم بالنشاط داخل الفجوة البؤرية للفساد فردا واحدا ( نشاطا فرديا ) أو مجمـــوعة من الأشخاص ( نشاطا جماعى ) .

<!--الفجوة البؤرية للفساد يتوافر فيمن يقوم بالنشاط بها ، عنصرى توحد الإرادة وتلاقى الأهداف

حيث يكون النشاط بالفجوة البؤرية للفساد ، نشاطا واعيا ومتعمدا ومقصودا لذاته ، وقد تلاقت أهداف من يقومون به معا وبالتالى فهو عمل محدد ومخطط وله أهدافه تحقق مصالح هذا الشخص أو الأشخاص الذين يقومون بهذا النشاط داخل الفجوة البؤرية للفساد .

العوامل التى تؤثر فى مساحة وحجم الفجوة البؤرية للفساد

قلنا بأن الفجوة البؤرية للفساد ما هى إلا مكانا له مساحة جغرافية وحجما له قطره وارتفاعه ، وتتوقف مساحتها وحجمها على العوامل التالية :

<!--درجة  التمسك بالسير على الصراط المستقيم الذى إرتضاه رب العالمين لخلقه على المستوى الفردى والمجتمعى ، ولا يتنافى مع ذلك مدى تمسك المجتمعات التى لها تشريعات وضعية تتشابه مع تلك التشريعات التى مرجعيتها الصراط المستقيم الذى إرتضاه رب العاليمن لخلقه ،  ومدى إلتزام أفراد هذا المجتمع فرادى أو جماعات بذلك .

<!--طبيعة النشاط الذى يتم مزاولته داخل الفجوة البؤرية للفساد .

<!--القدرة المالية للقائم على إدارة الفجوة البؤرية للفساد  .

<!--مدى النفوذ الإجتماعى والسياسى الذى يتمتع به القائم على إدارة الفجوة البؤرية للفساد .

<!--درجة إستعداد القائمين على الفجوات البؤرية للفساد على الثقافة والأخذ بالأساليب التكنولوجية الحديثة وما تفرزه من تطبيقات تقنية على وسائل التواصل الإجتماعى .

<!--درجة الإستقرار الأمنى والسياسى والإقتصادى فى المجتمع .

<!--مدى قوة الأجهزة التشريعية والرقابية والأمنية والعسكرية داخل المجتمع علميا والأخذ بالأساليب التكنولوجية الحديثة فى الكشف عن هذه الفجوات البؤرية للفساد.

<!--مدى الإستقلالية والمرونة التى تتمتع بها السلطة القضائية ، من عدالة ناجزة وتوقيع العقوبات الرادعة ، على من يقع تحت طائلة القانون  من أعضاء الفجوات البؤرية للفساد .

العلاقة العضوية بين الفجوة البؤرية للفساد والمجتمع

ونقصد بالعلاقة العضوية مدى إرتباط أو إنفصال الفجوات البؤرية للفساد بجسد المجتمع ، ويمكن أن نفرق بين نوعين من الفجوات البؤرية للفساد وعلاقتها العضوية بالمجتمع وهما :

<!--الفجوة البؤرية للفساد الكامنة :

وهى فجوات بؤرية للفساد تتواجد داخل المجتمع وتكمن بداخله وتكون جزءا لا يتجزء منه .

<!--الفجوة البؤرية للفساد المنفصلة :

وهى فجوات بؤرية للفساد تتواجد بأماكن نائية عن المجتمع بأكمله ولا يمكن السفر إليها بسهولة ، علما بان هذه الأماكن تنتمى للإقليم الذى يقطنه المجتمع .

ومن الواضح أن الفجوات البؤرية للفساد الكامنة و الفجوات البؤرية للفساد المنفصلة ، كلاهما خطر شديد على المجتمع ،  ولكن توجد فروق بينهما من حيث سرعة الوصول والكشف عنهما ، ودرجة النفوذ الي يتمتع بها القائمين عليها ، وطبيعة الأعضاء فى كل منهما من حيث الوضع الإقتصادى والإجتماعى ، وطبيعة وحجم وتنوع الإنشطة فى كل منهما .

الإستقلال والتبعية للفجوات البؤرية الفاسدة

ويقصد بالإستقلال والتبعية هنا هو مدى إستقلالية العقلية المركزة للفجوة البؤرية للفساد فى إتخاذ قرارته بشأن النشاط الذى يقوم به من عدمه ، وهنا يمكن أن نفرق بين نوعين من الفجوات البؤرية للفساد من حيث الإستقلال والتبعية كالتالى :

<!--الفجوة البؤرية للفساد المستقلة :

حيث تكون العقلية المركزية للفجوة البؤرية للفساد مستقلة تماما فى إتخاذ قرارتها بما يحقق لها كافة اهدافها ومصالحها .

<!--الفجوة البؤرية للفساد التابعة

حيث تكون العقلية المركز للفجوة البؤرية للفساد غير مستقلة فى إتخاذ قرارتها بما يحقق لها كافة أهدافها ومصالحا ، وذلك لوقوعها تحت تأثير الغير والعمل لحسابه ضد المجتمعات الأخرى .

الفجوة البؤرية للفساد والفجوة الزمنية المرتبطة بها

ونقصد هنا بالفجوة الزمنية هى تلك الفترة الزمنية المرتبطة بين بداية تكوين الفجوة البؤرية للفساد والكشف عنها ، وعلى هذا لكل فجوة بؤرية للفساد فجوة زمنية مرتبطة بها ، طول أو قصر هذه الفجوة الزمنية ، يتوقف على العوامل التى تؤثر فى الفجوة البؤرية للفساد والسابق التعرض لها ، وعلى مدى الإرتباط العضوى بين الفجوات البؤرية للفساد والمجتمع ، ويمكن عمل إرتباطات بين الفجوة البؤرية للفساد والفجوة الزمنية المرتبطة بها فعلى سبيل المثال :

" من المتوقع أن يكون هناك إرتباط عكسى بين مساحة وحجم الفجوة البؤرية للفساد وبين الفجوة الزمنية المرتبطة بها ".

" من المتوقع أن هناك إرتباط طردى بين درجة النفوذ الإجتماعى والسياسى للفجوة البؤرية  للفساد والفجوة الزمنية المرتبطة بها ".

 

وهكذا مع بقية العوامل الأخرى المؤثرة فى الفجوة البؤرية للفساد وبالتالى تؤثر فى الفجوة الزمنية المرتبطة بها .

المصدر: حسين عبد العزيزعبده الحسانين
husayn-abdelazi

حسين عبد العزيز عبده ..مجرد إنسان دائم البحث عن الإنسان بداخله والحفاظ عليه

عدد زيارات الموقع

66,812