فراس حج محمد

موقع يختص بمنشورات صاحبه: مقالات، قصائد، أخبار

authentication required

مع كتاب بلاغة الصنعة الشعرية

استقصاء في كينونة القصيدة وتحولات النقد المعاصر

(ناشرون فلسطينيون)

يعد كتاب "بلاغة الصنعة الشعرية" للناقد والشاعر الفلسطيني فراس حج محمد، الصادر عن دار روافد للنشر والتوزيع بالقاهرة عام 2020، علامة فارقة في المكتبة النقدية العربية المعاصرة؛ إذ لا يكتفي بتقديم قراءات في نصوص مختارة، بل يغوص في فلسفة الفعل الشعري ذاته، محاولاً فك الاشتباك بين الموهبة الفطرية والجهد الواعي، وبين النص المقدس والقول البشري، وبين سلطة الإعلام ووقار القصيدة، وتكتسب هذه الدراسة أهمية استثنائية بتزامنها مع اليوم العالمي للشعر، الذي أعلنته اليونسكو في 21 آذار لتعزيز القراءة والكتابة والنشر، وهو اليوم الذي يتقاطع وجودياً مع عيد الأم وعودة الربيع، مما يمنح الشعر بعداً كونيّاً يرتبط بالتجدد والخصوبة والإبداع، يقع الكتاب في 570 صفحة من القطع الكبير، ويتوزع على ثمانية فصول شاملة تدرس ماهية الشعر، وسيكولوجية الشاعر، وآداب الصنعة، وأخلاقيات الكتابة، والتحولات الإعلامية والرقمية التي طرأت على الذائقة النقدية.

في الفصل الأول "كيف يحدث الشعر؟" يطرح الكاتب تساؤلاً وجودياً يتجاوز البنى الشكلية للقصيدة؛ فهو لا يبحث في كيف نكتب؟ بل في كيف يحدث؟ كفعل لا إرادي يتقاطع مع الوعي، يرى حج محمد أن الشعر مدرسة والشاعر فيها تلميذ، والقصيدة هي حياة في سطور الانهمار، هذا التصور يضعنا أمام رؤية فلسفية تعتبر الشعر كائناً جمالياً ينمو في مناطق السكون والاستبصار؛ فالذات الشاعرة لا تتحدث إلا مع الهدوء، والكشف عما هو غائر في النفس لا يخرج إلا بصورة مدهشة حتى لو كان مغلفاً بالحزن.

تتجلى فلسفة الكاتب في اعتبار الشاعر علامة (بالمفهوم السيميائي والوجودي الذي طرحه أنسي الحاج)، فهو يسبق الجميع في التعبير عن النفس، والجنس، والألم، والخلاص، والموت، وتفاصيل الكائنات، القصيدة هنا رؤيا جديدة وقافلة من الأضواء تسعى لاستكشاف ما لا يُرى، ويربط الكاتب بين الشعر والوحي ربطاً نقدياً دقيقاً، واصفاً الحديث عن الشعر بأنه أشبه باستحضار الوحي، ومع ذلك يشدد على ضرورة الفصل المنهجي بين النبي والشاعر كما كرسها القرآن الكريم؛ ليحمي الشعر من ادعاء القداسة المطلقة ويحمي النبوة من التباس التخييل.

عند نقد هذه المقولة من داخلها، نجد أن الكاتب يقع في توتر وجودي؛ فهو من جهة يؤكد ضرورة الفصل بين النبي والشاعر، ومن جهة أخرى يصف الشاعر بأنه يجب أن يستسلم لإله ويخضع له بكليته حتى تبلغ رتبة التماهي معه، هذا التماهي يمنح الشاعر سلطة ميتافيزيقية تتناقض مع فكرة الصنعة التي يدافع عنها الكاتب لاحقاً، فإذا كان الشعر انثيال وحي، فكيف يمكن للشاعر أن يكون خادماً لقصائده يقوم بمراجعتها وتحجيمها بل ومعارضتها؟ هذا التناقض يشير إلى أن الكاتب يرى في القصيدة مساحة صراع بين اللحظة الإلهامية العفوية واللحظة النقدية الواعية، حيث لا يكتمل النص إلا بهزيمة أحدهما لصالح الآخر أو بائتلافهما في مخلوق جمالي فريد.

ينتقل الكاتب إلى فكرة بلاغة الصنعة كمفهوم محوري يرفض الركون إلى الموهبة وحدها، فيستشهد بمقولة أوكتافيو باث بأن الشاعر هو خادم قصائده، ويعتبر أن الاكتفاء بالموهبة لا يصنع شاعراً عظيماً، هذه الرؤية تعيد الاعتبار للمجهود الثقافي والتمكن من الأسلوب والثراء اللغوي.

يصنف حج محمد الإنتاج الشعري ضمن ثلاث دوائر نقدية كبرى:

الأولى: الشعر المطبوع الذي يأتي عفو الخاطر، وفيه انثيال الوحي، ويعتمد على الموهبة الفطرية والسيولة الوجدانية، وهو أساس الإبداع، ولكنه لا يكفي وحده لتحقيق الخلود.

الثانية: الشعر الحولي المحكك الذي يخضع للمراجعة، والتأمل، والتدقيق الطويل، وإعادة النظر المستمرة في كل مفردة، ويمثل ذروة بلاغة الصنعة ويؤدي إلى المجد والخلود الفني.

الثالثة: النظم المتكلف، ويرى فيه الناقد أنه جهد قسري يفتقر للروح، ويقوم على محاكاة الأشكال دون جوهر، ويفتقد للصدق الفني، ويدرجه ضمن ظاهرة سلبية تنتشر بين كتبة الشعر الذين يفتقرون للثقافة والشخصية العميقة، ولذلك فإنه يخرجه من دائرة الشعر المعتد به.

إن الصنعة عند حج محمد ليست تزويقاً بارداً، بل هي ممارسة واعية توازن بين تدفق الإلهام وبين انضباط العقل، وهو يؤمن بضرورة مساعدة الإلهام ومعارضته أحياناً، هذا النقد الموجه للعفوية المطلقة يعكس توجهاً كلاسيكياً محدثاً يرى في القصيدة بناءً هندسياً يتطلب معرفة بأصول اللغة وتاريخ الشعر، فالشاعر المثقف يجب أن يقرأ أعمال القدماء بكثـرة، ليس للمحاكاة، بل لامتلاك الأدوات التي تمكنه من صهر تجربته الإنسانية في قالب جمالي مدهش.

تطرح دعوة الكاتب لمعارضة الإلهام إشكالية نقدية؛ فإذا كان الإلهام هو الطاقة الدافعة للكتابة، فإن معارضته قد تؤدي إلى جفاف النص أو تحوله إلى تمرين لغوي بارد، ويبدو أن الكاتب يقصد بالمعارضة عملية التهذيب النقدي التي تحمي النص من السيولة العاطفية المفرطة أو الغموض العقيم، ومع ذلك، فإن هذه السلطة النقدية التي يمارسها الشاعر على ذاته قد تقتل دهشة اللحظة الأولى، وهو ما يحاول الكاتب تجاوزه بتأكيد أن القصيدة يجب أن تظل كائناً جمالياً يأتلف فيه التناقض.

في الفصل الثاني، يتناول الكاتب مثالب الشعراء وما لهم وما عليهم، منتقداً الظواهر التي تعيق نضج التجربة الشعرية، ويرى أن العديد من الشعراء المعاصرين يعانون من أزمة أخلاقية وفنية تتمثل في الاكتفاء بالمنجز الأول أو السقوط في فخ النجومية السريعة، ويشخّص الكاتب ظاهرة الإسهال في الكتابة التي أدت إلى تضخم عدد الكتّاب على حساب القراء، وتحول الشعر إلى لعبة يتم من خلالها تزجية الوقت أو وسيلة للظهور الاجتماعي.

ومن الظواهر التي تحدث عنها الكتاب، وبدت أيضا ملامحها في الفصل الأول كما مرّ أعلاه، ظاهرة التكلف في النظم، فهي محاولة اصطناع الشعر في غياب الاستعداد النفسي والعقلي، كما تبدو ظاهرة إهمال المراجعة التي تنمّ عن الغرور الفني الذي يمنع الشاعر من مراجعة نصوصه، مما يؤدي إلى نتاج هش، وكذلك غياب المشروع الشعري، والاكتفاء بإصدار ديوان واحد أو التخبط بين المذاهب دون هوية فنية واضحة، ولم ينس أن يناقش أكثر المسائل جدّة؛ ألا وهي الارتهان للإعلام؛ حيث البحث عن النجومية الزائفة التي تفرغ القصيدة من صدقها الوجداني.

ويرى حج محمد أن الشاعر العظيم يجب أن يربي كيانه على أصول النبل، والتواضع، والصدق، وأن يظل في حالة اللا ارتواء من المعرفة،  إن نقد الكاتب هنا ليس موجهاً للنصوص فحسب، بل للذات المبدعة؛ فالقصيدة بالنسبة له هي انعكاس للشخصية العميقة، وأي خلل في سيكولوجية الشاعر سينعكس حتماً على جودة صنعته.

يخصص الكاتب فصلاً كاملاً لدراسة وهج المرأة الشاعرة، محاولاً تقصي الحقائق بإنصاف وحيادية، فالقضية المحورية التي يطرحها هي المشكلة التي تواجه الأدب النسوي من داخله، والمتمثلة في رفض المرأة الشاعرة أحياناً الاعتراف بهذا التصنيف أو محاولة الهروب منه، ويحلل حج محمد سيكولوجية الشاعرة وما يتسم به شعرها من سمات قد تبعده عن الشعرية الخالصة أحياناً بسبب الضغوط الاجتماعية أو محاولة إثبات الهوية بطريقة تصادمية تفتقر للعمق الفني، ويرى الكاتب أن الأنوثة في الشعر ليست قيداً، بل هي طاقة إبداعية يمكن أن تمنح القصيدة وهجاً خاصاً إذا تم استثمارها بوعي، كما أنه يرفض النظرة الدونية لشعر المرأة، ولكنه في الوقت نفسه يطالب الشاعرات بامتلاك أدوات الصنعة ذاتها التي يطالب بها الرجل، مؤكداً أن الجمال الفني لا يعرف جنساً، بل يعرف إبداعاً.

يظهر في هذا الخطاب النقدي نوعاً من الأبوية النقدية الخفية؛ فبينما يدافع عن إنصاف المرأة، فإنه يضع معايير للشعرية النسوية، قد تبدو وكأنها تحاكم تجربة المرأة بناءً على نموذج الفحولة الشعرية التقليدية، فقوله بأن شعر الشاعرات يتسم أحياناً بسمات تبعده عن الشعرية يطرح سؤالاً: من الذي يحدد جوهر هذه الشعرية؟ هل هي معايير وضعتها بلاغة الصنعة الذكورية تاريخياً؟ إن اعتراف الكاتب بوجود مشكلة من داخل الأدب النسوي يشير إلى وعيه بتعقيد القضية، لكنه يظل متمسكاً بالمعيار الجمالي الواحد كمرجعية نهائية للحكم على النص.

في واحدة من أجرأ أطروحات الكتاب، يبحث حج محمد في الأيروتيكية والأيروسية في الشعر، يستعرض نماذج من شعر جمانة حداد والشاعر الفيلسوف جورج باطاي، محللاً كيف يتحول الجسد من مادة محرمة إلى نص فلسفي يبحث في تخوم الموت والحياة، ويرى الكاتب أن الأيروسية في الشعر ليست هي التعبير عن الرغبة المحضة والشهوة الحيوانية الصرفة، بل هي تجربة وجودية تسعى للتحرر من القيود والتماهي مع المطلق.

يمد الكاتب جسور التحليل لتشمل الغناء العربي، راصداً التلميحات الأيروسية ومآلاتها في الثقافة الشعبية، هذا التوجه يعكس شمولية رؤيته النقدية؛ فالشعر عنده ليس منقطعاً عن الفنون الأخرى، والصنعة الشعرية تتجلى حتى في الكلمة المغناة التي تخاطب الوجدان الجمعي.

يمثل الفصل السادس آفاق من شعرية القرآن الكريم واللغة العربية محاولة لاستكشاف الجماليات اللغوية في النص المقدس وتأثيرها في الشعر الحديث،ويرى الكاتب أن القرآن الكريم يمثل ذروة الصنعة اللغوية التي أذهلت العرب، ليس فقط لإعجازه الديني، بل لبلاغته التي تآلفت فيها المتناقضات وظهرت في أحسن خلقة وأتم هيأة، ويفرق الكاتب بدقة بين مسألتين، الأولى الوحي الإلهي كرسالة يقينية يتلقاها النبي من الله جل جلاله، منفصلة تماماً عن الصنعة البشرية، وبين الإلهام الشعري كقوة داخلية أو وحي فني يتلقاه الشاعر من قوى الطبيعة أو الذات، ويحتاج إلى جهد بشري (الصنعة) لتشكيله.

وفي ذات السياق، يرى حج محمد أن اللغة العربية كائن حي يمتلك طاقة إعجازية كامنة، والشاعر الحديث الذي يستلهم آفاق الشعرية القرآنية لا يقلدها، بل يستفيد من آليات بناء الصورة والجرأة في استخدام الاستعارة وتكثيف المعنى، هذا الطرح يعيد وصل ما انقطع بين النقد الأدبي الحديث وبين التراث البلاغي العربي الأصيل.

ينتقد الكاتب بشدة أثر الإعلام المعاصر وبرامج المسابقات الشعرية مثل أمير الشعراء وشاعر المليون، ويرى أن هذه المنصات، رغم مساهمتها في نشر الشعر جماهيرياً، إلا أنها خلقت سلطة مشوهة تفرض على الشاعر الامتثال لذائقة الجمهور ومعايير لجان التحكيم التي قد تميل إلى الاستعراض على حساب العمق، ويتوصل إلى أثر الإعلام على الصنعة الشعرية من خلال مجموعة من التداعيات النقدية والجمالية، فصناعة النجومية السريعة تحوّل الشاعر إلى نجم يشبه المطربين، مما يفرغ التجربة من صدقها الوجودي، وتصبح القصيدة سلعة خاضعة  لشروط المسابقة (الوزن، والقافية، والموضوع المحدد) وهذه الشروط الخارجية المهيمنة من شأنها أن يقتل الحرية الإبداعية، وعليه فإن النتيجة الطبيعية غياب الصنعة الحقيقية، ويغدو التقييم الإبداعي الذاتي معتمدا على التصويت والوهج الإعلامي بدلاً من التحكيك والمراجعة الطويلة التي تفرضها قوانين الجودة النصية ذاتها، بما في ذلك من تشويه الذائقة، وتعويد الجمهور على نمط شعري واحد (غالباً النبطي أو التقليدي) وتهميش الحداثة الجادة.

يخلص الكاتب إلى أن الشاعر الحقيقي يجب أن يوازن بين رغبته في الانتشار وبين الحفاظ على قدسية تجربته الصادقة، محذراً من الانزلاق إلى مستنقع الابتذال من أجل نيل الجوائز، إن سلطة الإعلام في رؤيته هي سلطة زائفة تهدد بلاغة الصنعة الحقيقية التي لا تنضج إلا في عزلة الاستبصار والهدوء.

من أهم جوانب التجديد في هذا الكتاب هو التفات المؤلف للنقد التفاعلي والاستفادة من آليات النقد الثقافي، فقد حصر الكاتب إحدى عشرة صورة لهذا النشاط النقدي الذي يمارسه عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وتحديداً فيسبوك، ويرى حج محمد أن النقد لم يعد حبيس الدوائر الأكاديمية، بل أصبح فعلاً مباشراً يتفاعل مع النص لحظة ولادته الرقمية، وتشمل صور النقد التفاعلي عند الكاتب:

• الكتابة التنظيرية حول طبيعة الكتابة الفيسبوكية.

• نقد النصوص المنشورة مباشرة من خلال التعليقات النقدية الجادة.

• الحوارات الأدبية التي تتناول قضايا فيسبوك كظاهرة ثقافية.

• تقييمات الكتب عبر منصات مثل Goodreads وAmazon.

يعكس هذا التوجه إيمان الكاتب بأن الشعر كائن متحول، وبأن بلاغة الصنعة يجب أن تواكب لغة العصر وأدواته، دون أن تتخلى عن صرامتها الفنية، وإن موت الناقد الأكاديمي التقليدي أمام الناقد التفاعلي هو حقيقة واقعة يحاول الكتاب رصدها وتحليلها.

في الفصل الأخير "في حضرة الكتب"، ينفتح حج محمد على التجربة الشعرية العالمية، مناقشاً آراء كبار الشعراء والنقاد الغربيين، ويناقش رؤية بابلو نيـرودا للشعر الملوث بالواقع، وأطروحة أوكتافيو باث حول الشعر كعنصر مصالحة بين المتناقضات واستعادةٍ لوحدة الوجود الضائعة.

كما يتوقف عند نيكولا بوالو في كتابه "فن الشعر"، معتبراً إياه ممثلاً لبلاغة الصنعة القائمة على العقل والوضوح، هذا الانفتاح العالمي يؤكد أن الكاتب لا ينظر للشعر العربي كجزيرة معزولة، بل كجزء من تيار إنساني هائل يسعى للإجابة على تساؤلات الوجود ذاتها، بل إن قضايا الترجمة وعالمية الشعر تحتل مساحة مهمة في الكتاب، حيث يرى حج محمد أن الشعر هو اللغة الوحيدة القادرة على اختراق الحدود الجغرافية والثقافية لتصل إلى جوهر الإنسان.

تتخلص أهمية الشعر في رؤية فراس حج محمد النقدية في كونه حاجة وجودية لا ترفاً لغوياً، والشعر هو الذي يعيد للإنسان توازنه في عالم مادي جاف؛ فالقصيدة هي نور ونار يحرق الزيف ويضيء البصيرة، تتجلى الأهمية الوجدانية للشعر في تحقيق الاستبصار والقدرة على سماع الذات ورؤية ما لا يرى، وانصهار الكيان الذاتي؛ وذلك بتحويل التجارب الإنسانية القاسية (الألم، الموت، الفقد) إلى كائنات جمالية مدهشة، والتواصل الكوني حيث الارتباط بالطبيعة وتجددها، وهو ما يفسر الاحتفاء بالشعر في يوم الربيع.

إن فلسفة الكاتب تقوم على فكرة أن الشاعر يجب أن يظل تلميذاً عند أقدام إله الجمال، ينهل من المعرفة حد اللا ارتواء ليرتقي بالقصيدة وترتقي به، فالشعر علامة إنسانية فارقة، وما يقوله الشاعر يسبق فيه الفلاسفة والمصلحين؛ لأنه يلامس تفاصيل الكائنات وجوهرها.

ينتهي الكاتب بموقف صادم وواقعي في آن واحد؛ فهو يعتـرف بأن الصورة العامة للشعر والشعراء ليست هي الصورة المأمولة، فلقد صُدم بحقيقة حياة الشعراء ومثالبهم وعيوبهم الروحية، هذا الاكتشاف الوجودي يعمق من قيمة كتابه؛ فهو لا يكتب عن أنبياء معصومين، بل عن بشر يمارسون صنعة شاقة ومعقدة، وإن بلاغة الصنعة في نهاية المطاف هي محاولة الإنسان (بكل عيوبه ومثالبه) صناعة شيء كامل الهيأة يتجاوز به فناءه الوجودي.

إن الإضاءة على كتاب "بلاغة الصنعة الشعرية" في اليوم العالمي للشعر تفتح آفاقاً جديدة لفهم العلاقة بين الذات المبدعة والنص، يمكن تلخيص أهم نتائج هذه الإضاءة في النقاط الآتية:

1. تكامل الموهبة والجهد: الشعر ليس إلهاماً محضاً ولا صنعة باردة، بل هو ائتلاف المتناقضات بين الوحي والوعي.

2. أولوية الذات والهدوء: القصيدة الحقيقية تنبع من الاستبصار الداخلي وسماع الذات في لحظات السكون، وهو ما يمنحها بعداً وجودياً عميقاً.

3. نقد التشييء الإعلامي: ضرورة حماية الشعر من سلطة الإعلام التي تحوله إلى سلعة استهلاكية وتفرغه من قدسيته وخصوصيته، واستقلالية نشوئه والإعلان عن نفس شاعره.

4. عالمية التجربة الإنسانية: الشعر لغة كونية تشترك في همومها وصنعتها عبر مختلف الثقافات، من نيرودا وباث إلى المتنبي ودرويش.

5. النقد كفعل تفاعلي: الاعتراف بالتحولات الرقمية وضرورة تطوير أدوات نقدية تواكب الكتابة الفيسبوكية والتواصل المباشر مع الجمهور.

في الختام، يظل كتاب فراس حج محمد تمرداً على الكتب النقدية التقليدية؛ لأنه يجرؤ على مساءلة قدسية الإلهام بضوابط الصنعة، ويضع الشاعر في مكانه الطبيعي؛ تلميذاً مخلصاً في محراب الطبيعة، وخادماً لقصيدته التي هي أثره الباقي المنقوش في سجل الصنعة البشرية، ولا سيما الشعرية، وتتجلى فيه هذه الرؤية، من الفلسفة واللغة والأوراد الفريدة التي تجعل الحياة، رغم قسوتها، تستحق أن تُعاش وتُكتب، وتعلن عن نفسها في قصيدة فائقة التجلي متجاوزة تاريخها ومكانها المعاصريْن، لتكون مع الخالدين. 

في المرفقات نسخة إلكترونية مجانية من الكتاب 

المصدر: فراس حج محمد
  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 22 مشاهدة

فراس عمر حج محمد

ferasomar
الموقع الخاص بــ "فراس حج محمد" »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

984,251

فراس حج محمد

نتيجة بحث الصور عن فراس حج محمد كنانة أون لاين

من مواليد مدينة نابلس في فــلسطين عــام 1973م، حاصل على درجة الماجستير في الأدب الفلسطيني الحديث من جامعة النجاح الوطنية. عمل معلما ومشرفا تربويا ومحاضرا غير متفرغ في جامعة القدس المفتوحة. 

عمل محررا لغويا في مجلتي الزيزفونة للأطفال/ رام الله، وشارك في إعداد مواد تدريبية في وزارة التربية والتعليم الفلسطينية، وكان عضوا في هيئة تحرير مجلة القانون الدولي الإنساني/ الإصدار الثاني الصادرة عن وزارة التربية والتعليم في فلسطين.

نشر العديد من المـقالات والقـصائد في مـجالات النشر المختلفة الإلـكترونية والصحف والمجلات في فلسطين والوطن العربي وبريطانيا وأمريكا وكندا والمكسيك. وشارك في ندوات وأمسيات شعرية ومؤتمرات في فلسطين.

الكتب المطبوعة: 

رسائــل إلى شهرزاد، ومــن طقوس القهوة المرة، صادران عن دار غُراب للنشر والتوزيع في القاهرة/ 2013، ومجموعة أناشيد وقصائد/ 2013، وكتاب ديوان أميرة الوجد/ 2014، الصادران عن جمعية الزيزفونة لتنمية ثقافة الطفل/ رام الله، وكتاب "دوائر العطش" عن دار غراب للنشر والتوزيع. وديوان "مزاج غزة العاصف، 2014، وكتاب "ملامح من السرد المعاصر- قراءات في القصة القصيرة جدا- دار موزييك/ الأردن وديوان "وأنت وحدك أغنية" عن دار ليبرتي/ القدس وبالتعاون مع بيت الشعر في فلسطين، وكتاب "يوميات كاتب يدعى X"، وكتاب "كأنها نصف الحقيقية" /الرقمية/ فلسطين، وكتاب "في ذكرى محمود درويش"، الزيزفونة 2016، وكتاب "شهرزاد ما زالت تروي- مقالات في المرأة والإبداع النسائي"، الرقمية، 2017، وديوان "الحب أن"، دار الأمل، الأردن، 2017. وكتاب "ملامح من السرد المعاصر- قراءات في الرواية"، مكتبة كل شي، حيفا، 2017. وكتاب "ملامح من السرد المعاصر- قراءات في متنوع السرد"، مؤسسة أنصار الضاد، أم الفحم، 2018، وديوان "ما يشبه الرثاء"، دار طباق للنشر والتوزيع، رام الله، 2019، وكتاب "بلاغة الصنعة الشعرية"، دار روافد للنشر والتوزيع، القاهرة، 2020. وكتاب "نِسوة في المدينة"، دار الرعاة وجسور ثقافية، رام الله، وعمّان، 2020. وكتاب "الإصحاح الأوّل لحرف الفاء- أسعدتِ صباحاً يا سيدتي"، دار الفاروق للنشر والتوزيع، نابلس، 2021. وكتاب "استعادة غسان كنفاني"، دار الرعاة وجسور ثقافية، رام الله، وعمّان، 2021، وكتيّب "من قتل مدرّس التاريخ؟"، دار الفاروق للثقافة والنشر، نابلس، 2021. وديوان "وشيء من سردٍ قليل"، وزارة الثقافة الفلسطينية، رام الله، 2021. وديوان "على حافّة الشعر: ثمّة عشق وثمّة موت"، دار البدوي، ألمانيا، 2022. وكتاب "الكتابة في الوجه والمواجهة"، الرعاة وجسور ثقافية، رام الله وعمان، 2023. وكتاب "متلازمة ديسمبر"، دار بدوي، ألمانيا، 2023. وكتاب "في رحاب اللغة العربية"، دار بدوي، ألمانيا، 2023، وكتاب "سرّ الجملة الاسميّة"، دار الرقمية، فلسطين، 2023. وكتاب "تصدّع الجدران- عن دور الأدب في مقاومة العتمة"، دار الرعاة وجسور ثقافية، رام الله وعمّان، 2023، وديوان "في أعالي المعركة"، دار الفاروق للثقافة والنشر، نابلس، 2023، وكتاب "مساحة شخصية- من يوميات الحروب على فلسطين"، دار الفاروق للثقافة والنشر، نابلس، 2024، وكتاب "الثرثرات المحببة- الرسائل"، دار الفاروق للثقافة والنشر، نابلس، 2024، وكتاب "فتنة الحاسة السادسة- تأملات حول الصور"، دار الفاروق للثقافة، نابلس، 2025، وكتاب "الصوت الندي- تأملات في الأداء والأغاني"، دار الرعاة وجسور الثقافية، رام الله وعمّان، 2025، وكتاب "الإنقاص البلاغي- المفهوم والتطبيق"، مكتبة كل شيء، حيفا، 2025. الإصدارات الإلكترونية: كتاب "في ذكرى محمود درويش"، الطبعة الثانية المنقحة، إصدار شخصي، 2025، وكتاب "صدى النص- رحلة القصيدة من الكتابة حتى التحليل الإلكتروني"، إصدار شخصي، 2025، وكتاب "في النقد والنقد المضاد- على هامش كتاب "المشهد الروائي الفلسطيني"، إصدار شخصي، 2025، و كتاب " Translations About Firas Haj Muhammad"، ناشرون فلسطينيون، 2025، وكتاب "السخرية في الشعر الفلسطيني المقاوم بين عامي 1948- 1993"، ناشرون فلسطينيون، 2025.

حررت العديد من الكتب، بالإضافة إلى مجموعة من الكتب والدواوين المخطوطة. 

كتب عن هذه التجربة الإبداعية العديد من الكتاب الفلسطينيين والعرب، وأجريت معي عدة حوارات ولقاءات تلفزيونية.