فاطمة قابل

مقالات نقدية،فلسفية،دراسات بحثية مصغرة

<!--

<!--<!--<!--

كثيرا ما نشاهد أفلام سينمائية تنتمي للعديد من الثقافات أو روايات تقوم فكرتها علي عودة روح الميت وإعادة ولادتها في جسد جديد تلك الفكرة التي لم تأتي من وحي خيال الكتاب أو المبدعين بل لها أصل ديني وفلسفي ثابت وراسخ في المعتقد الإنساني تسمي بعقيدة التناسخ تلك العقيدة التي نجدها في العديد من الديانات التي تؤمن بتناسخ الروح أو تقمص الروح وعودة الروح وولادتها بعد الموت في جسد جديد وهي فكرة فلسفية وعقيدة دينية في العديد من الديانات الوضعية القديمة والحديثة. منها ما يتناول فكرة التناسخ كتوريث للروح كما في الديانات المصرية القديمة المتمثلة في انتقال روح الفرعون الميت إلي جسد ابنه وريث العرش والديانات اليونانية وأخري تقوم علي فكرة التناسخ كوسيلة من وسائل عقاب الآله للأرواح الأثمة من خلال إعادة ولادتها في جسد أخر بعد موتتها الأولي ويحدث فيها ما قامت به من أثام  عقابا لها علي ما فعلت كما في الديانات الوضعية الحالية كالهندوسية والبوذية بل وكذلك بعض الشُعب من الديانات الإبراهيمية كمسلمي الطائفة الدرزية وغيرها كثير[1].

حيث اننا في تلك السطور لا يهمنا حصر الديانات التي تعتمد علي فلسفة التناسخ كعقيدة دينية بل هدفنا إلقاء الضوء علي تلك الفلسفة وفكرتها ومدي حقيقتها الأسطورية البعيدة عن الحقيقة والإعتقاد الديني. فبالنظر لمعتقد رجوع الروح بأجساد أرضوية جديدة في نظر الكاتبة يقابلها عجز وخواء يؤدي إلي تكرار ممسوخ والله سبحانه وتعالي جل شأنه قادرعلي كل شئ والعجز صفة بشرية وليست صفة آلاهية. فلماذا إن كان هو القادر والفاعل أن يقوم بإعادة إنتاج نفس الروح لكي يخلصها من أثامها علي نفس الأرض ولكن في زمن مختلف؟ وأكبر دليل علي ذلك أنه لو نظرنا لأي كائن من مخلوقات الله ولو علي سبيل المثال الإنسان، سنجد أن أقل تفصيلة فيه تخصه وتميزه عن باقي بني جنسه ( بصمة الإصبع/ الشريط الوراثي/ بصمة الأذن/ بصمة الفك....إلخ)

فعلي الرغم من ثبات أعضاء الإنسان وبنية تكوينه إلا أنه لا يوجد إنسان مثل الأخر ولا بصمة إنسان مثل أخري عند إنسان أخر؟ وهذا وإن دل علي شئ لا يدل إلا علي تعددية بل ولا نهائية  قدرات الخالق وعدم محدوديتها حتي في المخلوق المتكرر الموصف بكونه إنسان. فالخالق بديع مبدع لا يحتاج لقوالب ثابتة متمثلة في الأرواح المستنسخة التي يعيد إنتاج ولادتها؟ ففكرة القوالب فكرة بشرية تتوافق ومحدودية القدرات البشرية ولا تنتمي لصفات الخالق جل وعلي شأنه كما جاء في قوله تعالي " إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ" ([2])

وعند محاولة ربطنا عقيدة التناسخ بالأخرة والحساب التي تؤمن بها تلك المعتقدات والديانات سنجد اننا امام حائط سد كيف لله العدل المطلق المنزه عن النسبية أن يحاسب إنسان أعاد إنتاجه نفساً وروحاً من إنسان أخر؟ جاء في الولادة الأولي للروح؟ وهل يا تري سيعاقب الولادات المستنسخة الجديدة عما قام به من كان يملك نفس روحه؟ وهذا بهتان وظلم لعدل الله المطلق المنزه عن الخطأ أو عدم إقامة العدل؟ بل وعند قيام الأشهاد علي من سينادي وكيف سيصل المستنسخين؟ هل سيتم تجميعهم في الجسد الأول وفناء الأخرين؟؟ وهذا أيضا سيناريو في حالة وقوعه يكون الآله ظالم؟ وهذه الحلول قد نجدها في أفلام سينمائية تتحدث عن استنساخ البشر وظلمها ولكن لا نجدها في عدالة خالق الأكوان المنزه عن الخطأ والمنزه عن كل شئ ميزان العدل.. العدل المطلق.كيف يتحقق العدل عندما يعيد الآله كما تزعم تلك الديانات الوضعية والعديد من الطوائف من  الديانات الإبراهيمية استنساخ الإنسان لكي يخلص منه ذنوبه في أحد أخر مولود جديد ذنبه فقط أنه تم استنساخه من روح سبقته ونفس عصت فكان جزاءه استلام ذنبها والحساب عليها؟  ولكي يكون الحساب حساباً عادلاً فكيف لله العدل المطلق أن يحاسب إنسان أعاد إنتاجه نفساً وروحاً من إنسان اخر؟ سيناريو يستحيل تصديقه.

وبتحليل تلك الفلسفة ومحاولة الوقوف علي تفسير ظواهرها نجد انها ربما تم استلهامها من الأساطير الإغريقية القديمة التي قامت الديانات فيها علي تلك الأساطير من صنيعة الإنسان فأولي الديانات الوضعية التي قامت علي فكرة التناسخ المتمثلة في أسطورة لعنة آلهة الأوليمب لبعض البشر وبسبب هذه اللعنة تتوارثها أجيال ذنبها أنها جاءت من نفس نسل الملعون. والتي تأثرت بها العديد من مسرحيات الكتاب اللإغريق القدامي والأساطير التي استقوا منها مسرحياتهم.

نصل بذلك إلي أن فلسفة التناسخ أسطورة إنسانية توارثتها الأديان الوضعية التي تقوم علي الأسطورة كمعتقد ثابت وخميرة خصبة لبناء أديانهم الوضعية والتي تعطي هالة من التقديس لأفكارهم ودياناتهم التي يعتنقوها.

القول الفصل

ولكي نصل إلي القول الفصل دعونا نغوص في أعماق كلمات الله من خلال محكم آيات القرآن الكريم التي تدل علي استحالة فلسفة التناسخ  في أرض الحقيقة نبدأها من أن معظم آلهة الديانات الوضعية بشر حقيقيين وجدوا في ازمان قديمة وتحولوا بعد موتهم إلي آلهة كالأنبياء والحكماء والصالحين من البشركما في الديانات المصرية القديمية (آتوم/نوه/أزوريس..إلخ) والبوذية وغيرها من الديانات التابعة لفكر ونهج فرد أتاه الله الحكمة والعلم ولعل هذا ما يُشار إليه في القرآن الكريم في العديد من المواضع نذكر منها كما جاء في قوله تعالي "أفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَن يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِن دُونِي أَوْلِيَاء إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلاً " ([3]) وكذلك قوله "وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنصَرُونَ * لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُندٌ مُحْضَرُونَ"([4]) بل ولو نظرنا أيضاً لآية تُقر بعدم واقعية التناسخ في محكم القرآن الكريم تظهر في قوله تعالي "إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُواْ مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ وَرَأَوُاْ الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ. وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّؤُواْ مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ"([5]) وبالنظر لتفسير قوله " لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً" كما جاء في تفسير القرطبي "أن في موضع رفع، لأي لو ثبت أن لنا رجعة فنتبرأ منهم جواب التمني والكرة: الرجعة والعودة إلي حال قد كانت، أي قال الأتباع: لو رددنا إلي الدنيا حتي نعمل صالحاً ونتبرأ منهم كما تبرؤا، والتبرؤ يعني الانفصال"([6]) يؤكد ذلك التفسير علي تحسر الكافرين لاتباعهم غير الله، ولو هنا تفيد الشك ويرد في التفسير فنتبرأ منهم جواب التمني دليل علي استحالة العودة لما كان أي استحالة تناسخ تلك الأرواح مرة أخري لكي تكفر عن ذنوبها بل وتختتم الآية الثانية وتعطي القول الفصل في قوله تعالي " وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ" "دليل علي خلود الكفار فيها (النار) وأنهم لا يخرجون منها وهذا قول جماعة أهل السنة"([7])

نصل من جميع ما سبق إلي نتيجة تكاد تكون قاطعة بأن فكرة التناسخ في الأرض فكرة أسطورية وفلسفة تقوم علي أسطورة لا حقيقة لها في علاقتها بالدين والحقيقة. فالله قادر علي التفرد في الخلق وعدم التكرار فكل حبة رمل تختلف عن الأخري، ونجد هنا احد قد يبادره تساؤل حول أن هناك اعتماد علي التكرار في الخلق كما قلنا سابقاً مثل كل ما يطلق عليه إنسان فهو تكرار ولكن في نفس التكرار تفرد يشهد علي قدرات الخالق اللانهائية فحتي التكرارات الموجودة في الكون لا تدل علي الخواء كما قد يزعم البعض؟ بل علي قمة الإعجاز في الخلق؟!  فمن أصغر مخلوق من مخلوقات الله داخل اي ذرة من إلكترون إلي أكبر مخلوقات الله التي نعرفها ولا ندركها حتي الآن المتمثلة في المجرات تكرار للدائرة ولكن كل دائرة تختلف في خواصها وتركيبها البنائي ودورها الوظيفي عن سائر الدوائر الأخري. فالتكرار هنا دليل علي الوحدة والوحدانية لله وتفرده وليس عجزه أو خواءه جل شأنه عما يصفون والإعجاز في ذلك التكرار تفرد كل وحده فالعنصر نفس المكونات ولكن لكل عنصر ما يمزه عن سائر العناصر التي ينظم أسفل كتلتها البنائية، وبهذا نجد أن عقيدة التناسخ فلسفة أسطورية تؤكد علي عجز آلهة تلك الأديان التي يعتنق  أفرادها تلك الفلسفة، بعيدا عن الخالق الأعظم الواحد الأحد جل وعلي شأنه. وهي مادة خصبة لنسج خيال المؤلفين وكتابة الروايات وصناعة الأفلام السينمائية ولكن ليست بحقيقة يمكن الاعتماد عليها أو الاعتقاد فيها أو الاتكال عليها فمن يخطئ يحاسب بشخصه ونفسه عن خطأه ولن يتخلص من الذنب إلا بالتوبه النصوحة الطريق الأوحد لقبول معصية الإنسان عند الله والعوده إلي طريقه .

17/3/2016م

القاهرة 6:00مساءاً

فاطمة قابل

 


[1] (للاستذادة في ذلك الموضوع العودة لحلقات البوذية من برنامج العلم والإيمان للعلامة الراحل مصطفي محمود)

[2] - سورة يس الآية 82.

[3] -  القرآن الكريم، سورة الكهف الآية 102.

[4] - القرآن الكريم، سورة يس، الآيتان 74، 75.

[5] - القرىن الكريم، سورة البقرة ، الآيات 166، 167.

[6] - تفسير القرطبي: الجزء الثاني، ص195.

[7] - نفس الموضع.

 

المصدر: (للاستذادة في ذلك الموضوع العودة لحلقات البوذية من برنامج العلم والإيمان للعلامة الراحل مصطفي محمود) [2] - سورة يس الآية 82. [3] - القرآن الكريم، سورة الكهف الآية 102. [4] - القرآن الكريم، سورة يس، الآيتان 74، 75. [5] - القرىن الكريم، سورة البقرة ، الآيات 166، 167. [6] - تفسير القرطبي: الجزء الثاني، ص195. [7] - نفس الموضع.
fatemahkabil

fatma.kabel

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 70 مشاهدة
نشرت فى 28 ديسمبر 2016 بواسطة fatemahkabil

ساحة النقاش

فاطمة قابل

fatemahkabil
يتناول الموقع عرض مجموعة من المقالات والدراسات البحثية المتعلقة بفنون النقد والدراما »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

26,835