د/ أحمد عبد الوهاب برانيه

أستاذ إقتصاد وتنمية الموارد السمكية

فرص ومحددات الاستثمار في صناعة السماكة العربية

بقلم : د . احمد عبد الوهاب برانية

أستاذ اقتصاد الموارد السمكية

بمعهد التخطيط القومي

 

        برز  قطاع صناعة السماكة بفروعها المختلفة الصيد والتصنيع والتسويق والخدمات المساعدة في العقد الأخير كأحد الأنشطة الاقتصادية المهمة التي تحاول الدول والتكتلات الاقتصادية تعظيم الاستفادة منها ووضع هذه القطاعات ضمن أولوياتها الأساسية في خططها الاقتصادية ومعاملاتها التجارية مع الأسواق الأخرى على المستويين الثنائي والدولي  .

        وتتعاظم أهمية هذا القطاع مع تفاقم ازمة الغذاء فى العديد من دول العالم وبصفة خاصة الوطن العربي  ،  حيث تحتل قضية الغذاء اخطر التحديات التى تواجه الدول العربية فمن المعروف ان البلدان العربية تعتمد فى تلبية مالا يقل عن نصف احتياجاتها الغذائية من الخارج وفي الوقت الذي لا يوجد ما يشير إلى تناقص الاعتماد الغذائي العربي على المصادر الخارجية  فأن أسعار الغذاء المستورد أخذت في الارتفاع من جراء تطبيق اتفاقية الجات  ،  وبذلك تزداد الصعوبات التى تواجه الدول العربية ولاسيما الدول المحدودة الدخل فى تدبير احتياجاتها من الغذاء والذي يمثل تهديدات للامن الغذائي العربي وهنا تظهر أهمية الدور الذي يمكن ان تلعبه الأسماك باعتبارها احد السلع الغذائية القليلة التى تحقق فيها الدول العربية فائضا .

        وترتبط تنمية صناعة السماكة العربية بحجم رأس المال الذي يستثمر فيها  ،  وكذلك مقدرة المؤسسات التى تساهم فى تنمية واستقطاب الموارد الرأسمالية وزيادة كفاءة استخدامها على أسس تكنولوجية وفنية واقتصادية سليمة وعليه فان الاستثمرات العربية تعتبر الدعامه الأساسية لتنمية هذه الصناعة  ،  كما يعتبر توافر المناخ الاستثماري مع تحديد فرص الاستثمار من اهم العوامل لجذب رؤوس الأموال العربية الى الاستثمار فى قطاع الثروة السمكية  .

        ومن استقراء تطور الاستثمارات فى قطاع الثروة السمكية العربية يمكن القول ان نصيب هذا القطاع من اجمالى الاستثمارات لم يكن على المستوي المطلوب ويمكن إرجاع ذلك الى نقص المعرفة بالفرص والإمكانيات المتاحة للاستثمار فى  هذا القطاع  .  

        ان تحديد فرص ومحددات الاستثمار لا يمكن أن تتم إلا من خلال المعرفة الموضوعية لواقع صناعة السماكة العربية واحتياجات التنمية والتحديات التى تواجهها إقليميا ودوليا .  

أولا : واقع صناعة السماكة العربية وانعكاساته علي الاستثمار :

        شكل واقع صناعة السماكة العربية بفروعها المختلفة حجم وطبيعية الاستثمار ، الذي يعتبر محصلة للعلاقات التبادلية بين الظروف الطبيعية والاقتصادية والاجتماعية للصناعة من جانب والاستثمارات من جانب اخر والتي توضحها الحقائق الاتيه : -

**     ان الاستثمارات الوطنية العربية تتركز اساسا في استغلال المصايد الصغيرة والتي تنتج حوالي من 70-85% من إجمالي إنتاج المصايد البحرية العربية ، يليها الاستثمارات في المصايد الشبه الصناعية والتي يتركز نشاطها أساسا في صيد الأسماك العائمة وبنسبة اقل في صيد الأسماك القاعية ، كما ان جزء من الاستثمارات في هذه المصايد هي استثمارات مشتركة مع شريك أجنبي، وتنتج المصايد الشبه الصناعية حوالي 15-30% من إجمالي إنتاج المصايد البحرية العربية .

اما بالنسبة للمصايد الصناعية فأنها تتصف بكثافة راس المال والذي يتطلب  استثمارات كبيرة ومعرفة تقنية 0 وتوجد أساسا في الدول ذات الوفرة في مواردها السمكية مثل المغرب وموريتانيا واليمن ، حيث يعمل في هذه المصايد السفن الكبيرة والمجهزة  وغالبا ما يوجه إنتاجها للتصدير  ، ومعظم الاستثمارات في هذه المصايد أجنبية ، حيث يطبق  نظام الحصص او المشروعات المشتركة مع المستثمر الأجنبي .

**     ان جزءا كبيرا من الأسماك التي تستخرج من المصايد العربية يتم تصديرها كموارد اولية للصناعات السمكية الاجنبية ويعاد استيرادها في شكل منتجات مصنعة مرة أخري بمعرفة بعض الدول العربية .

وتوجد موارد سمكية غير مستغلة بالكامل او مستغلة جزئيا بسبب عجز السفن الوطنية عن استغلالها بسبب محدودية إمكانياتها التقنية.

**     اثر نقص الخدمات الساحلية الأساسية مثل ورش الإصلاح والصيانة ومصانع الثلج وغرف التبريد والتجميد ووسائل النقل المجهزة علي كفاءة تشغيل سفن الصيد الوطنية وبالتالي إنتاجيتها والذي انعكس علي العائد علي الاستثمار في هذا النشاط .

**     ان قصور معظم المواني العربية علي استقبال سفن الصيد الكبيرة خاصة تلك التي تعمل في نطاق المشروعات المشتركة او من خلال تعاقدات ثنائية – وذلك بسبب النقص في الأرصفة الملائمة ووسائل الشحن و التفريغ الحديثة – ادي الي تحويل هذه السفن الي المواني الأجنبية لتسويق وتصنيع حمولاتها .

**     ان وحدات تصنيع الأسماك ( التلميح – التدخين – التعليب – مسحوق زيت السمك ) في اغلبها وحدات صغيرة ومتوسطة الحجم تعتمد في جزء كبير من العمليات  علي الأعمال اليدوية والأساليب التقليدية ، وان العديد من هذه الوحدات تواجه مشكلة توافر المواد الأولية بشكل منتظم ، كما ان تكلفة العبوات المستخدمة مرتفعة خاصة بالنسبة لمصانع التعليب مما أدي الي ارتفاع تكلفة الإنتاج وانكماش الطلب وعدم القدرة علي المنافسة حتي داخل الأسواق الوطنية .

**     اثر انخفاض المستوي التكنولوجي في كل من قطاع الصيد والخدمات الساحلية – كما سبق ان ذكرنا – علي الكفاءة الإنتاجية للصناعات السمكية التحويلية في معظم الدول العربية .. فنقص المواد الأولية اللازمة للمصانع بالكميات والأنواع المطلوبة ، تعتبر احد ي المشكلات الرئيسية التي تواجه هذه الصناعة ، وقد ادت هذه المشكلة الي إغلاق أو عدم تشغيل بعض تلك الوحدات بكامل طاقتها ، ويجعلها تعتمد علي الاستيراد لتغطية احتياجاتها ، والذي انعكس علي كفاءة الاستثمار في   هذا النشاط .  

**     في ظل تحرير التجارة العالمية أصبحت الجودة العالية والأسعار المنافسة هما العاملان الحاكمان في الحفاظ علي الأسواق التقليدية وفتح أسواق جديدة سواء خارج او داخل المنطقة العربية ، وفي السنوات الأخيرة أصبحت أسواق المنتجات السمكية أكثر ديناميكية وحساسية وذلك يرجع إلي : -

أ  -    التطوير المستمر في معايير الجودة والمواصفات الصحية ليس في مرحلة الإنتاج ولكن في مراحل ما قبل التصنيع، وان توفير هذه الشروط في المنتجات العربية يتطلب زيادة الاستثمارات في البنية الأساسية السمكية ، وكذلك في تدريب العمالة ، وتوفير خدمات التفتيش ، وإدخال نظم مراقبة الجودة الحديثة .

ب -   دخول منافسين جدد خاصة من الدول الآسيوية والذين يقدمون منتجات منافسة من حيث توفير معايير الجودة ، وتنوع المنتجات بما يتناسب مع التغيرات الحادثة في أذواق المستهلكين خاصة في مجال المنتجات الغير التقليدية ومنتجات القيمة المضافة ، كما ان هؤلاء المنافسين استطاعوا تقديم أسعار منافسة من خلال خفض تكلفة الإنتاج .

ثانيا :  أهداف الاستثمار :

من العرض السابق لبعض جوانب واقع قطاع السماكة العربية ، والتحديات المطروحة أمامه يمكن صياغة أهداف الاستثمار في هذه الصناعة فيما يلي :

        1  -   بناء قاعدة علمية وتكنولوجية كنقطة انطلاق لتنمية المصايد والصناعات المرتبطة بها .

2  -   زيادة الإنتاجية والإنتاج من الموارد السمكية العربية بما يؤدي الي زيادة معدلات الاكتفاء الذاتي علي مستوي الدول العربية .

        3  -   إقامة صناعات سمكية تحويلية قادرة علي المنافسة في الأسواق المحلية والدولية .

4  -   خلق مصالح اقتصادية مشتركة سواء علي المستوي الثنائي او علي مستوي مجموعة من الدول العربية مما يؤدي إلي دعم العلاقات السياسية باعتبار ان السياسة تخدم الاقتصاد .

ثالثا :  مجالات ومحددات الاستثمار :

ان ترجمة الأهداف الاستثمارية السابقة الي واقع عملي تتطلب تضافر جهود الحكومات العربية ومؤسسات التمويل والشركات العربية المعنية والمستثمرين من القطاع الخاص سواء كانوا أفرادا أو شركات لتنفيذ مشروعات استثمارية تختلف طبيعتها حسب الهدف الذي تسعي الي تحقيقه وعليه فانه من المتوقع ان تتعدد مجالات المشروعات الاستثمارية بين الجهات السابقة ، مع الأخذ في الاعتبار ان جميع هذه الاستثمارات بغض النظر عن مصادرها تربطها علاقات تشابكيه ، ذلك إن مراعاة التوازن عند ضخ الاستثمارات في كل من قطاع الصيد والخدمات المساعدة وقطاع التصنيع يعتبر عاملا مهما في تحديد مدي كفاءة الاستثمارات في صناعة السماكة ككل . والمثال الواضح لذلك هو ما نلاحظه  في  بعض الحالات عند توجيه استثمارات في قطاع الصناعات التحويلية السمكية تؤدي الي زيادة الطاقة التصنيعية علي قدرة قطاع الصيد علي توفير الإمدادات اللازمة لتصنيع مما يؤثر سلبا علي جدوى الاستثمار الموجه للتصنيع ، كما ان التوسع في مشروعات الصيد علي حساب الخدمات الأرضية (مواني الصيد ومكوناتها المختلفة ) يقلل من كفاءة الاستثمار في النشاط الأول ، ويعتبر الاستثمار الحكومي في مكونات البنية التحتيه ( المواني، مواقع الإنزال ، البحث العلمي ، التدريب ، الإرشاد ) هو راس الحربة لضخ الاستثمارات من المصادر الاخري الغير حكومية .

كما إن تحسين مناخ الاستثمار في قطاعات صناعة السماكة يعتبر من أهم العوامل المشجعة علي جذب الاستثمارات العربية المشتركة والخاصة ، تحسين مناخ الاستثمار  يتضمن  : 

**     تقليــــص الإجـــــراءات الروتينـــية والبيروقراطــــية بهـــدف تســــهيل ســــرعة إنـــــهاء الإجـــــراءات مـــع تقــديم التســهيلات الملائمة للمستثمرين  .  

**     مراجعة بعض مواد التشريعات المنظمة للاستثمار بما يتناسب مع طبيعة وظروف قطاع الثروة السمكية .

**     توفير قاعدة من البيانات الموثوق فيها والخاصة بالقطاع تتضمن حجم الموارد المتاحة ومدي استدامتها ، مدي توفير إمكانيات التخزين والنقل والتصنيع ، وأسعار المداخلات والتسهيلات المتوافرة للتصدير وإمكانيات التصدير المتاحة ونوعية الأصناف والإعفاءات المتاحة علي استيراد مستلزمات الإنتاج والمعدات اللازمة ، وكذلك ظروف السوق المحلية .

أما بالنسبة للاستثمارات من مؤسسات التمويل العربية فإنه رغم الإمكانيات الكبيرة التي يمكن أن يستفيد منها قطاع الثروة السمكية العربية ، إلا انه بحد من استغلال هذه الإمكانيات هو اشتراط حد ادني لتمويل المشروعات ( علي سبيل المثال الهيئة العربية للاستثمار والإنماء الزراعي لا تمنح قروضا اقل من خمسة ملايين دولار ) .. ولما كانت مشروعات صيد وتصنيع الاسماك معظمها مشروعات صغيرة وفي أحسن الأحوال متوسطة الحجم ، وأن احتياجاتها التمويلية  تقل كثيرا عن  الحد الادني الموضوع، فأننا نجد أن هذه المشروعات خارج مجالات الاستثمار لمؤسسات التمويل .

        وفي هذا المجال فإننا نقترح بديلين :

الأول :        ان تعدل مؤسسات التمويل من شروط منح التسهيلات بما يسمح لمشروعات الثروة السمكية بالاستفادة من الموارد المائية لهذه  المؤسسات .

الثاني :        تجميع المشروعات السمكية الصغيرة والمتوسطة في اتحادات نوعية حسب النشاط ( صيد – تصنيع ) ، بما يتلاءم مع شروط مؤسسات التمويل في الحصول علي الائتمان .

وبالنسبة للمستثمرين من القطاع الخاص ، فان توافر مناخ مناسب للاستثمار كما ذكرنا ، وقاعدة بيانات عن القطاع ، مع قيام الجهات والمؤسسات المعنية في الدولة مثل اتحاد الصناعات الغذائية ، اتحاد الصيادين ، اتحاد المستثمرين ، الغرف التجارية والصناعية وغيرها ، بإعداد خريطة الاستثمار في قطاع الثروة السمكية ، توضح المجالات والمشروعات السمكية التي يمكن الاستثمار فيها ، مع إعداد دراسات جدوى أولية للمشروعات توضح العائد والتكاليف والمزايا المتاحة للمستثمرين في هذه المشروعات والترويج لها من خلال الاتحاد العربي لمنتجي الأسماك ومشروع أنفو سمك – يعتبر من أهم الوسائل للاستفادة من الاستثمارات العربية الخاصة .  

        وفي هذا المجال فأننا نعرض ما يلي :

        يقوم الاتحاد التعاوني للثروة السمكية في جمهورية مصر العربية بإعداد دراسة جدوى أولية لمشروع إنتاج شباك الصيد في مدينة السويس لتغطية احتياجات السوق المحلي من هذه السلعة المهمة والتي يتم استيرادها سنويا حيث لا تنتج في مصر .

        والمشروع المقترح نعرضه علي المؤسسة العربية للاستثمار والإنماء الزراعي والشركة العربية لمصايد الأسماك ومنظمة الأغذية والزراعة – المكتب الإقليمي للشرق الادني وغيرهم من المؤسسات لمعاونة الاتحاد في إجراء دراسة الجدوى النهائية وتنفيذ المشروع في حال ثبوت جدواه – مع إمكانية التوسع في المشروع لتغطية احتياجات دول عربية أخري .

drBarrania

د/ أحمد برانية أستاذ اقتصاد وتنمية المواردالسمكية معهد التخطيط القومى

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 170 مشاهدة
نشرت فى 21 مايو 2012 بواسطة drBarrania

ساحة النقاش

د/ أحمد عبد الوهاب برانية

drBarrania
أستاذ اقتصاد وتنمية المواردالسمكية معهد التخطيط القومى »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

248,821