<!--

<!--<!--

مراحل تدوين السنة

 

المبحث الأول

مكانة السنة في التشريع الإسلامي

 

القرآنُ الكريمُ هوَ الأصلُ الأولُ للدينِ وَالمصدرُ التشريعيُّ الأولُ عندَ المسلمينَ، والسُّنَّةُ هيَ الأصلُ الثانِي وَالمصدرُ التشريعيُّ الثانِي بشهادةِ اللهِ تعالَى بهذَا فِي القرآنِ الكريمِ؛ حيثُ يقولُ سبحانَهُ وَتعالَى:)يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً( (النساء:59)

وَيقولُ سبحانَهُ:  )وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً( (النساء:65) وَيقولُ تعالَى:)مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً( (النساء:80)

وَقَدْ اتفقَ العلماءُ - الذينَ يُقتدَى بهمْ - علَى حجيَّةِ السُّنَّةِ سواءٌ منهمْ مَا كانَ علَى سبيلِ البيانِ أوْ علَى سبيلِ الاستقلالِ، وَبهِ قالَ جُلُّ العلماءِ؛ إلا مَا كانَ مِنَ الخَوارِجِ وَالرَّافِضَةِ؛ فقدْ تَمَسَّكُوا بظاهرِ القرآنِ وَأهملُوا السُّنَنِ فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا([1]).

وقدْ صَنَّفَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ باباً أَقَرَّ فيهِ ذلكَ حيث قال: (بابُ فَرْضِ اللهِ طاعةَ رسولِ اللهِ مقرونةً بطاعةِ اللهِ وَمذكورةً وحدَهُ)([2]).

قالَ الخطيبُ : (والسنةُ : مَا شرعَهُ النبىُّ r لِأُمتهِ؛ فيلزمُ إتباعه فيهِ؛ لأنَّ اللهَ أوجبَ طاعتَهُ علَى الخلقِ)([3])، وذكرَ باباً قَرَنَ فيهِ السنةَ بالقرآنِ حيثُ قالَ: (ذِكْرُ الخبرِ عنْ رسولِ اللهِ r بأنَّ سنتَهُ لَا تُفارِقُ كتابَ اللهِ)([4]).

وَذكرَ الآمديُّ مقدمةً حقَّقَ فيها وجوبَ إتباع سنةِ النبيّr نقلاً منَ القرآنِ ومنْ أقوالِه ِr ومنَ المعقولِ([5]).

وذكرَ الرازيُّ تأكيدَ جماهيرِ العلماءِ علَى وجوبِ إتباعه فقالَ: (قالَ جماهيرُ الفقهاءِ والمعتزلةُ: "التأسِّي بِهِ واجبٌ " ومعناهُ : أنَّا إذَا علِمْنَا أنَّ الرسولَ r فعلَ فعلاً علَى وجهِ الوجوبِ فقدْ تعبدّنَا أنْ نفعلَهُ علَى وجهِ الوجوبِ،  وإنْ علِمْنَا أنَّهُ تَنَفَّلَ بهِ كُنّا متعبدّينَ باعتقادِ إباحتِهِ لنَا، وجازَ لنا أنْ نفعلَهُ)([6]).

وذكرَهُ القرافيُّ تحتَ عنوانِ: (الفصل الثاني: في إتباعه عليهِ الصَّلاةُ والسلامُ، قالَ جماهيرُ الفقهاءِ والمعتزلةُ: يجبُ إتباعه عليهِ الصلاةُ والسلامُ إذَا عُلِمَ وجهُهُ وجبَ إتباعه في ذلكَ الوجهِ لقولِهِ تعالى:)وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ((الحشر:7)، والأمرُ ظاهر ٌفي الوجوبِ"([7]).

قالَ ابنُ حزمٍ : (وضحَ لنا بذلكَ أنَّ الوحيَ ينقسمُ منَ اللهِ إلى رسولِهِ إلى قسمينِ: أحدُهما: وَحْيٌ مَتْلوٌّ مؤلَّفٌ تأليفاً،  معجزُ النِّظامِ؛ وهوَ القرآنُ،  والثاني - وهوَ مرويٌّ منقولٌ، غيرُ مؤلّفٍ، ولا معجزِ النّظامِ، ولا مَتْلوٍّ؛ لكنَّهُ مقروءٌ؛ وهوَ الخبرُ الواردُ عنْ رسولِ اللهِ r، وهو المُبَيِّنُ عنِ اللهِ U مرادَهُ منَّا)([8]).

فالقرآنُ والحديثُ يتفقانِ وحياً؛ لقولِ اللهِ تعالى : ) وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ( (لنجم 3: 4)"([9]) ومعنىً،  ويفترقانِ لفظاً ونظماً([10]).

والحاصلُ أنها بذلكَ تَلِي القرآنَ؛ للفرقِ ما بينَ الكلامِ المعجزِ وغيرِ المعجزِ؛ فالمعجزُ أولَى بالتقديمِ ولأنَّ القرآنَ مقطوعٌ بهِ جملةً وتفصيلاً،  والسنةُ مقطوعٌ بها علَى الجملةِ لَا علَى التفصيلِ، ولأنَّ القرآنَ هوَ الأصلُ والسنةُ الفرعُ؛ والأصلُ مقدمٌ على الفرعِ؛ ولأنها شارحةٌ لهُ،  فالبيانُ مقدمٌ على المَبِينِ. لقدْ حظيتِ السنةُ بعنايةِ المسلمينِ على شكلٍ لَمْ تعرفْهُ الأممُ الأخرى في تدوينِ آثارِ أنبيائِها وعظماِئها، ولا يستطيعُ الباحثُ أنْ يجمعَ أطرافَ عنايةِ المسلمينَ بالسنةِ، ولا أنْ يوضحَ كلَّ ما يتصلُ بهِ- ما لَمْ يقفْ  على كلِّ ما كُتِبَ أَوْ رُوِيَ مِمَّا يتصلُ بالسنةِ في العصورِ المختلفةِ على تفرقِها وتنوعِها. ولهذا سوفَ نقتصرُ على المظاهرِ البارزةِ والواضحةِ في تاريخِ عنايةِ المسلمينَ بالسنةِ بإجمالٍ دونَ تفصيلٍ.

وقدْ اهتمَّ كثيرونَ بتقسيمِ أطوارِ عنايةِ المسلمينَ بالسنةِ، وتباينَتْ نتائجُهمْ ما بينَ مقسمٍ لهذهِ الأطوارِ تقسيماً زمَنِيًّا، وبينَ آخرينَ مقسمين لها بحسبِ تطورِ العلمِ الإسلاميِّ، والمجتمعِ الإسلاميِّ وسياستِهِ([11]). واشتدت المناقشـات

بين الباحثينَ في تقسيماتِهِمْ([12]).

والذي نستطيعُ أنْ نقولَهُ: إنَّ تدوينَ السنةِ قدْ تميزَ بمرورِ ثلاثِ مراحلَ احتوتْ علَى جميعِ الأطوارِ التي مرَّ بها التدوينُ وفقَ ما فصَّلَ فيهِ الباحثونَ وأفاضُوا. وأرَى أنَّ هذهِ المراحلَ هي مراحلُ فكريةٌ تعكسُ تطورَ الحاجةِ في المجتمعِِ الإسلاميِّ إلى تدوينِ السنةِ وسنفصل الحديث عن هذه المراحل في المباحث الآتية .

 


المبحث الثاني

المرحلـــة الأولـــــى

مرحلةُ الاختلافِ في إباحة تدوينِ الحديث والنهي عن تدوينه، فهذه المرحلةُ هي المرحلة الأولى: وهي مرحلة الاختلاف في إباحةِ تدوينِهِ، أوْ النهيِّ عنهُ. والحقُّ أنَّ الصحابةَ والتابعينَ كانُوا في هذهِ المرحلة منصرفينَ إلى تقييدِ القرآنِ وحفظِهِ؛ لأنَّ الرسولَ r كانَ بينهم، يعودونَ إليهِ في كلِّ شئونِهِم، أوْ أنهمْ كانُوا قريبي عهدٍ بالنبيِّ، أوْ لاختلافِهمْ حولَ إباحةِ النبيِّ تدوينَ السنةِ أوْ النهيِ عنهُ. وأساسُ هذا الاختلافِ ورودُ أحاديثٍ صحَّتْ عنِ النبيّ ِ rنَهَى فيها عنْ تقييدِ شيء غيرِ القرآنِ؛ كما في حديثِ أبي سعيدٍ الخدريِّ أنَّ رسولَ اللهِ r قالَ:” لَا تكتبُوا عَنِّي ومَنْ كتبَ عَنِّي غيرَ القرآنِ فليمْحُهُ، وحدِّثُوا عَنِّي ولَا حرجَ ومَنْ كذبَ عَلَيَّ- قالَ همامُ أحسبُهُ قالَ- متعمدًا فليتبوأْ مقعدَهُ منَ النارِ” ([13])0

وفي مقابلِ ذلكَ صحَّ عنهُ إجازةُ الكتابةِ؛ ومنهُ ما رواهُ البخاريُّ في صحيحِهِ عنْ أبي هريرةَ أنَّ خزاعةَ قتلُوا رجلاً منْ بَنِي ليثٍ عامَ فتحِ مكةَ بقتيلٍ منهمْ قتلوهُ؛ فأخبرَ بذلكَ النبيُّ r فركبَ راحلتَهُ فخطبَ فقالَ:” إنَّ اللهَ حبسَ عنْ مكةَ القتلَ- أوْ الفيلَ شكَّ أبُو عبدِ اللهِ- وسلَّطَ عليهمْ رسولَ اللهِ والمؤمنينَ، وإنها لَمْ تحلَّ([14]) لأحدٍ قبلي، ولَمْ تحلَّ لأحدٍ منْ بعدي، أَلَا وإنها حلَّتْ لِيَ ساعةً منْ نهارٍ أَلَا وإنها ساعتي هذهِ حرامٌ: لا يُخْتَلَى شوكُها ولَا يُعضدُ شجرُها ولَا يُلتقطُ ساقطتُها إلَّا لِمُنْشِدٍ، فمَنْ قتلَ فهوَ بخيرِ النظرينِ: إمَّا أنْ يعقلَ وإما أنْ يقادَ أهل القتيلِ” فجاءَ رجلٌ منْ أهلِ اليمنِ فقالَ: اكتبْ لي يا رسولَ اللهِ 0 فقالَ النبيُّ:” اكتبُوا لأبي فلانٍ” ([15]).

وقدْ تأوَّلَ العلماءُ هذين الحديثينِ المتعارضينَ منَ الأحاديثِ التي ظاهرُها يُوهِمُ التعارضَ، وحاولُوا أنْ يُوَفِّقُوا بينَها علَى ما ذكروهُ منْ احتمالاتٍ منهَا([16]):

1-     قيلَ: الإذنُ لمنْ خِيفَ نسيانُهُ والنهيُ لمنْ أمنَ وخيفَ اتكالُهُ علَى الكتابةِ.

2-     قيلَ: النهيُ وردَ لخشيةِ التباسِ الحديثِ بالقرآنِ، والإذنُ حينَ أمنَ ذلكَ.

3-  قيلَ: النهيُ كانَ عنْ كتابةِ غيرِ القرآنِ معَ القرآنِ في شىءٍ واحدٍ، والإذنُ في تفريقِها؛ لأنَّ الصحابةَ حينَما كانُوا يسمعونَ تفسيرَ النبيِّ للقرآنِ فربَّما كتبُوهُ معَها فَنُهُوا عنْ ذلكَ لخوفِ الاشتباه0

4-  ومنْهمْ مَنْ أَعَلَّ حديثَ أبي سعيدٍ وقالَ: الصوابُ وَقْفُهُ علَى أبي سعيدٍ([17])؛ ولكنَّ هذا الحديثُ صحَّ رفعُهُ،ولكنْ تَفَرَّدَ همامُ بنُ يحيَى عنْ زيدِ بنِ أسلمَ عنْ عطاءِ بنِ يسارٍ عنْ أبي سعيدٍ بجعلِ أحاديثِ الإباحةِ أرجحَ منهُ([18]).

5-     وقيلَ النهيُ نُسِخَ بالإجازةِ : والذي نستطيعُ أنْ نستنتجَهُ منْ فترةِ حياةِ.

النبيِّ r أنها فترةُ البداوةِ الفكريةِ التي أيقنَ فيها النبيُّ r منْ عدمِ وجودِ تفريقٍ بينَ النصوصِ، فخشيَ اختلاطَ النصِّ الأولِ بغيرهِ منَ النصوصِ الشارحةِ- بالنصِّ الثاني بصفةٍ خاصةٍ-  فصارَ الإذنُ بالكتابةِ يراعِي الزمانَ والأشخاصَ فيُفهمُ منْ أحاديثِ الإباحةِ أنها أحاديثٌ خاصةٌ خصَّصَ فيها الرسولُ لبعضِ أفرادِ الصحابةِ ممنْ علمَ أوْ ضبطَ أوْ خيفَ نسيانُهَ ولَمْ يُوثَقُ بحفظِهِ أوْ دَعَتْ الحاجةُ للإذنِ لَهُ.

ويُفْهَمُ منْ أحاديثِ المنعِ أنها أحاديثٌ عامةٌ تَوَجَّهَ الرسولُ r بها إلى عامةِ الصحابةِ (الثقةِ والأوثقِ والصالحِ والأصلحِ والضابطِ والأشدّ ضبطاً والحافظِ والأمتنِ حفظاً)([19]). واستمرَّ هذا الوضعُ الخلافيُّ لما بعدَ موتِ النبيِّ r وحتى نهايةِ عهدِ الخلفاءِ الراشدينَ، والذي سادَ في فكرِ الصحابةِ بعدَ موتِ النبيِّ هوَ إباحةُ الكتابةِ إنْ لَمْ تُفْضِ إلى مَفسدةٍ([20]).

فهذا عمرُ t أرادَ أنْ يكتبَ السنةَ (فاستشارَ في ذلكَ أصحابَ رسولِ اللهِ r؛ فأشارُوا عليهِ أنْ يكتبَها فَطَفِقَ عمرُ يستخيرُ اللهَ فيها شهرًا ثُمَّ أصبحَ يوماً وقدْ عزمَ اللهُ لَهُ فقالَ: إني كنتُ أردتُ أنْ أكتبَ السننَ وإني ذكرتُ قوماً كانُوا قبلَكمْ كتبُوا كتباً فأَكبُّوا عليها وتركُوا كتابَ اللهِ تعالى، وإني واللهِ لَا ألبسُ كتابَ اللهِ بشىءٍ أبداً)([21]).

فإن موافقةَ الصحابةِ لعمرَ دالةٌ على ما استقرَّ إليه آخرُ الأمرِ منْ إباحةِ الكتابةِ نفسِها 0رَوَى البخاريُّ عنْ ابنِ عباسٍ قالَ: لما اشتدَّ بالنبيِّ r وجعُهُ. قالَ:” ائتوني بكتابٍ أكتبُ لكمْ كتاباً لا تضلُوا بعدَهُ".  قالَ عمرُ: إنَّ النبيَّ r غلبَهُ الوجعُ، وعندَنا كتابُ اللهِ حسبُنا، فاختلَفُوا وكثرَ اللغط فقالَ:” قومُوا عَنِّي ولا ينبغِي عنديَ التنازعُ” فخرجَ ابنُ عباسٍ يقولُ: إنَّ الرزيةَ كلََّ الرزيةِ ما حالَ بينَ رسولِ اللهِ وبينَ كتابِهِ([22]). فالحاصلُ إباحتُه آخـرَ الأمـرِ، وعُدُولُ

عمرَ لخوفِهِ الانكبابَ على درسٍ غيرِ القرآنِ([23]).

ومما وصلَ إلينا منْ آثارِ هذهِ المرحلةِ الفكريةِ” الصحيفةُ الصادقةُ” التي كتبَها جامعُها عبدُ اللهِ بنُ عمروٍ بنِ العاصِ منْ رسولِ اللهِ([24]) r وهي محفوظةٌ في مسندِ الإمامِ أحمدَ([25]).

ووصلَ إلينا أيضاً صحيفةُ أبي هريرةَ لهمامِ بنِ منبه وقدْ وصلتْ إلينا كاملةً كما رواها ودَوَّنَها همامُ بنُ منبهٍ عنْ أبي هريرةَ وسميتْ بالصحيفةِ الصحيحةِ([26])، وقدْ طبعتْ بتحقيقِ الدكتورِ محمدٍ حميدِ اللهِ.

وهناكَ صحيفةُ أبي موسى الأشعريِّ، وصحيفةُ جابرٍ بنِ عبدِ اللهِ؛ وتوجدُ

لكلِّ منهُما مخطوطةٌ في مكتبةِ شهيد على باشا([27]).

 


المبحث الثالث

المرحلة الثانية مرحلةُ الحاجةِ إلى التدوينِ

 

والمرحلةُ الثانيةُ تمثل مرحلةُ الحاجةِ إلى التدوينِ، وتظهرُ هذهِ الـحاجةُ لما حدثَ في المجتمعِ الإسلاميِّ منْ تغيراتٍ وتطوراتٍ يمكنُ ملاحظتُها في الآتي:

1- هذا العصرُ هوَ عصرُ تابعي التابعينَ؛ حيثُ بَعُدَ الأمرُ عنْ رسولِ اللهِ r وماتَ جُلُّ الصحابةِ الذينَ كانُوا قريبي عهدٍ بالنبي فاستطالَ السندُ إلَى رسولِ اللهِ r فوُجِدَتْ الأحاديثُ المنقطعةُ، أوْ ما في إسنادِها مجاهيلُ منَ الرواةِ([28]).

2- انتقلَ المسلمونَ منْ عصرِ البداوةِ الفكريةِ إلَى عصرٍ كَثُرَتْ فيهِ الفتوحاتُ والعمرانُ، وأخذَ المسلمونَ ينغمسونَ بالحضارةِ المستقرةِ؛ فكانَ منَ الطبيعيِّ الانصرافُ إلَى جمعِ العلومِ.

ظهورُ الوضعِ في الحديثِ النبويِّ للأسبابِ الآتيةِ:

أ- الخلافاتُ السياسيةُ التي كانتْ علَى أشدِّها؛ فكلُّ فريقٍ بما لديهمْ فرحونَ: فمنهمْ أمويٌّ، ومنهمْ عباسيٌّ؛ وكلُّ فرقةٍ تتعصبُ جهلاً، ويضعونَ الأحاديثَ تعصباً وتخيلاً منهمْ أنهمْ بذلكَ يُثَبِّتُونَ أقدامَ أوليائِهمْ([29]).

ب- ظهـورُ حركاتِ الزنـدقةِ التي حاولت دسَّ كثيرٍ منَ الأحاديثِ في العقائدِ والأخلاقِ، والحلالِ والحرامِ([30]).

 ج- انتشارُ القُصَّاصِ والزهادِ الذينَ استعانُوا بالنقلِ لإثارةِ عواطفِ الناسِ .... وتهييجِ الأفئدةِ؛ لعلمِهمْ بارتباطِ الأمةِ بنبِيِّها([31]).

 د- الخلافاتُ الفكريةُ التي انقسمَ منْ خلالِها المسلمونَ إلَى فرقٍ ومذاهبَ فكريةٍ؛ وكانَ هذا العاملُ أساساً في صناعةِ الحديثِ المدسوسِ([32]).

لذلكَ نجدُ المسلمينَ في هذهِ الفترةِ كانُوا في أشدِّ الحاجةِ إلَى الدعوةِ إلَى تدوينِ السنةِ تدويناً عاماً؛ وهذا ما قامَ بهِ الخليفةُ العادلُ عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ-  فَدَعَا إلَى تدوينِ السنةِ خوفاً منْ دروسِ العلمِ وذهابِ العلماءِ؛ فكتبَ إلَى أبي بكرٍ بنِ حزمٍ (ت 117 هـ): (انظرْ ما كانَ منْ حديثِ رسولِ اللهِ فاكتبْهُ؛ فإنِّي خِفْتُ منْ دروسِ العلمِ وذهابِ العلماءِ، ولا تقبلْ إلَّا حديثَ النبيِّ؛ ولتفشُوا العلمَ ولتجلسُوا حتى يعلمَ مَنْ لا يَعلمُ؛ فإنَّ العلمَ لا يهلكُ حتى يكونَ سرًّا)([33]).

وكتبَ إلى ابنِ شهابٍ الزهريِّ المدنيِّ عالِمَ الحجازِ(ت 124 هـ) يأمرُهُ بتدوينِ السنةِ([34])، وكتبَ إلى الآفاقِ يأمرُهمْ بالنظرِ في حديثِ رسولِ اللهِ r  وجمعِهِ([35]). وامتثلَ العلماءُ لهذا الأمرِ وجدُّوا في جمعِ السننِ؛ ومِنْ أوائلِ مَنْ قامُوا بذلكَ ابنُ شهابٍ الزهريُّ (124 هـ) ([36]).

وبذلكَ شهدتَ هذهِ الفترةُ شيوعَ التدوينِ وكثرةَ المدونينَ ومنهمْ:

1-  عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج البصري (150 هـ).

2-  مالك بن أنس (93- 179 هـ). 

3-  محمد بن إسحاق (151 هـ)    

4-  محمد بن عبد الرحمن بن أبى ذئب (80- 158 هـ).

5-  الربيع بن صبيح (160 هـ). 

6-  سعيد بن أبى عروبة (156 هـ).

7-  حماد بن سلمة (167 هـ).      

8-   سفيان الثوريّ (97- 161 هـ).

9-  معمر بن راشد (95-  153 هـ).

10-  الإمام عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعيّ (88- 157 هـ).

11-  عبد الله بن المبارك (118- 181 هـ).

12-  هشيم بن بشير (104-  183هـ). 

13-  جرير بن عبد الحميد (110- 188هـ).

14-   عبد الله بن وهب (125- 197هـ)([37]).

وجمعَ عامرٌ الشعبيُّ (19-  103 هـ) الحديثَ إلى مثلِهِ في بابٍ .... واحدٍ([38]).

ويعتبرُ موطأُ مالكٍ أهمَّ المجموعاتِ الحديثيةِ في هذا القرنِ، وهوَ كتابُ فقهٍ أكثرَ منْ كونِهِ كتابَ حديثٍ([39]).

وعرفْتَ في هذهِ الفترةِ أيضاً منهجاً يكادُ يكونُ واحــداً في التصنيفِ؛ فبُوِّبَتْ الأحاديثُ حسبَ الموضوعاتِ، وجُمِعَتْ أحاديثُ النبيِّ r ومعَها فتاوى الصحابةُ والتابعينَ، وجمعَ الحديثُ إلى مثلِهِ في بابٍٍٍ واحدٍ([40]).

وهذهِ الطريقةُ المتبعةُ طبيعيةٌ في فترةٍ احتاجَ فيها المسلمونَ لنقلِ المأثورِ عن قريبى العهد بالنبى r ونقله عن النبى نفسه.


المبحث الرابع

المرحلة الثالثة مرحلة ازدهار التدوين

 

والمرحلة الثالثة: هيَ مرحلةُ ازدهارِ التدوينِ: فقدْ تبلورَ التدوينُ للسنةِ في هذهِ المرحلةِ تبعاً لسنةِ التطورِ؛ فبعدَ أنْ كانَ العلماءُ يدوّنونَ الأحاديثَ ممزوجةً بفتاوى الصحابةِ والتابعينَ-  وجدناهمْ في هذهِ المرحلةِ يُفْرِدونَ أحاديثَ الرسولِ r عنْ غيرِها 0

فمنهمْ مَنْ جمعَ ما رواهُ كلُّ صحابيٍّ عنْ رسولِ اللهِ r مِنَ الأحاديثِ؛ سواءٌ كانَ صحيحاً أمْ غيرَ صحيحٍ؛ وإن اختلفتْ موضوعاتُها.

قالَ الحافظُ ابنُ حجرٍ في مقدمةِ الفتحِ: (إلى أنْ رأى بعضُ الأئمةِ أنْ يُفردَ حديثَ النبيِّ خاصةً على رأسِ المائتينِ؛ فصنَّفَ عبيدُ اللهِ بنُ موسى العبسيُّ الكوفيُّ مسنداً، وصنفَ مسددٌ بنُ مسرهدٍ البصريُّ مسنداً، وصنفَ أسدُ بنُ موسى الأمويُّ مسنداً، وصنفَ نعيمُ بنُ حمادٍ الخزاعيُّ-  نزيلَ مصرَ-  مسنداً؛ ثُمَّ اقتفى الأئمةُ بعدَ ذلكَ أثرَهمْ، فقلَّ إمامٌ مِنَ الحفاظِ إلَّا وصنفَ حديثَهُ على المسانيدِ؛ كالإمامِ أحمدَ بنِ حنبلٍ، وإسحاقَ بنِ راهويه، وعثمانَ بنِ أبي شيبةَ، وغيرِهم مِنَ النُّبَلاءِ)([41]).

ولقدْ كانَ جمعُ السنةِ على المسانيدِ هوَ مقدمةٌ للازدهارِ([42])، ولإفرادِ حديثِ النبيِّ r بالتصنيفِ فإن عصراً اتسعتْ فيهِ مدارسُ الفقهاءِ، وكَثُرَ فيهِ المجتهدونَ مِنَ العلماءِ صارَ محتاجاً لتمييزِ السنةِ مِنَ فتاوى الصحابةِ والتابعينَ.

ُثمَّ سارَ عِلْمُ الحديثِ خطوةً أُخرى نحوَ قمةِ الازدهارِ؛ وهيَ مرحلةُ تصنيفٍ وإفرادِ ما صحَّ عنْ النبيِّ r دونَ غيرِهِ.

قالَ الحافظُ في الفتحِ: (فلمَّا رأى البخاريُّ-t- هذهِ التصانيفَ([43]) �</

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 2039 مشاهدة
نشرت فى 13 إبريل 2013 بواسطة drAlsyoty

عدد زيارات الموقع

31,956