مما لا شك فيه بأن أي ثورة شعبية ( شبابية ) في أي مكان أو زمان يمكن أن تواجه تحديات ومعوقات لا حصر لها ، ولن تكون الأرض مفروشة لها بالورود. فالثورة اليمنية الحالية لم تأت من فراغ بل هي نتاج طبيعي أفرزتها الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والأمنية الفاسدة والمتدهورة. وقد يتساءل المرء أي تحديات اجتماعية أو إعلامية يمكن أن تقف في وجه ثورة شعبية كهذه؟ ، ويمكننا القول بأن التحديات والمعوقات الاجتماعية والإعلامية تعد من أهم وأخطر تلك التحديات على الإطلاق فلعل توضيح و مناقشة هذه التحديات والاعتراف بوجودها دون تضخيم أو تقليل من شأنها سيساهم في إيجاد آليات عملية فعالة لمواجهتها والتخفيف منها. فيا ترى ما هي تلك التحديات الاجتماعية والإعلامية التي تحاول أن تقف في وجه الثورة الشعبية ( الشبابية بهدف إجهاضها أو تفريغها من محتواها؟. وسأوضح من خلال هذه الورقة البحثية تلك التحديات ومدى تأثيرها السلبي على إطالة أمد الثورة ، والتكاليف الباهظة التي يدفع فاتورتها أبناء الشعب اليمني وعلى الأخص الشاب الثائر. وبناء على ما سبق فيمكن تقسيم محاور هذه الورقة البحثية إلى ثلاثة محاور رئيسة على النحو التالي : أولا : التحديات الاجتماعية للثورة الشبابية. ثانيا : التحديات الإعلامية للثورة الشبابية ثالثا : كيفية مواجهة التحديات الاجتماعية والإعلامية للثورة الشبابية أولا : التحديات الاجتماعية : يعد الموروث الاجتماعي من قيم ومعتقدات وتقاليد وأعراف اجتماعية سلبية وقبلية سائدة من أخطر المعوقات والتحديات التي تقف في وجه الثورة والأخطر من ذلك حين تختلط تلك الموروثات الاجتماعية السلبية بالدين ، أو بمعنى أصح تصبغ بصبغة دينية بل قد يعتقد البعض بأنها من صميم الدين. ولعل من أهم الموروثات الاجتماعية والتي تأخذ طابعا دينيا محضا مشاركة المرأة في العملية الثورية من حيث جواز أو عدم جواز هذه المشاركة ، وطبيعة وحدود تلك المشاركة النسائية. وقد برز ذلك بوضوح حين تم استغلال مشاركة المرأة في الثورة الشبابية أسوأ استغلال حيث تم الإساءة للمرأة من أقطاب مختلفة سواء من عناصر مشاركة في الثورة أو من القوى المضادة للثورة. ولعل خطاب الرئيس والذي أنتقد الاختلاط بين الجنسين في ساحات التغيير والحرية كان بداية استخدام المرأة كورقة ضغط سياسي في مواجهة القوى التقليدية ذات الرؤية المحافظة تجاه المرأة. والأكثر سوءا هو الاعتداءات التي تعرضت لها مجموعة من النساء الناشطات في ساحة التغيير من قبل الفرقة الأولى مدرع وبعض العناصر المتشددة ضد المرأة بسبب مشاركتهن في المسيرات إلى جانب الشباب ، ورفضهن أن يسرن في مظاهرات نسوية مستقلة عن الشباب. كما أن محاولات عزل المرأة داخل الساحة في دائرة ضيقة من خلال عمل أسوار حاجزة بينهن وبين أخوانهن الرجال ، ومضايقة النسوة اللواتي لا يلبسن النقاب أثار حفيظة الكثير من القوى المستنيرة والتي تنشد التغيير ، وتدعو إلى ضرورة مشاركة المرأة بفعالية في كافة مناحي الحياة دون تمييز. وبالرغم من أن الكثير من الفتيات يرغبن بالمشاركة في الثورة الشبابية في المجال الذي يتناسب مع قدراتهن فإن المعوقات الاجتماعية المتمثلة في النظام الأبوي يقيدهن ، ويجعلهن أسيرات الظروف الأسرية والاجتماعية القاهرة. وتحاول بعض الفتيات التمرد على النظام الأبوي فيأتين خلسة لساحات التغيير والحرية ولا يتمكن من البقاء طويلا فقبل آذان المغرب يتهيأن للعودة إلى بيوتهن قبل أن يفتضح أمرهن وكأنهن قد ارتكبن جرما مشهودا. كما أن تحول الكثير من الخيام الموجودة في الساحات إلى مقايل للقات يجعل من الصعب على معظم النساء أن يشاركن الرجال في إعداد الخطط والبرامج الثورية ، ويقتصر دور الكثير منهن في الجانب التوعوي من خلال المشاركة الفاعلة في الندوات والمحاضرات التي تقام في الخيام المخصصة لذلك كالخيام الخاصة بالمنتديات السياسية والأكاديمية والإعلامية وغيرها. كما تحضر بعض النساء وخاصة من طالبات الجامعة الفعاليات والأنشطة الثقافية المختلفة ، وتشارك فيها بشكل ايجابي ، ولا تقتصر التحديات التي تواجه المرأة من الأسرة بنظامها العتيق ولكن من بعض العناصر المعادية للمرأة المتعلمة والمثقفة والتي تحاول أن تحصر المرأة في نطاق محدود يتمثل في اللجان النسائية التنظيمية لتفتيش النساء، أو يعددن الغذاء للثوار وما شابه ذلك. ومع ذلك فإن بعض النساء المثقفات يفرضن أنفسهن في جميع الائتلافات والحركات الشبابية في الساحة ، ويشاركن في إدارة الندوات والتوعية الثورية في مختلف المجالات. ولا تقتصر التحديات الاجتماعية على الظروف المقيدة للمشاركة الأكثر فاعلية للمرأة بل تتعداها إلى ضغف الروابط الاجتماعية القائمة بين أفراد المجتمع وخاصة في العاصمة صنعاء حيث أن أغلب سكانها من المستأجرين المتنقلين من حي لآخر في فترات زمنية قصيرة ، ولعل السبب الأساس عدم وجود قانون يحمي المستأجرين من جور المؤجرين. وتبعا لذلك يصبح الفرد منعزلا ومنغلقا على ذاته لا يعرف جيرانه المقربين ، فلا يوجد تألف بين سكان الحي الواحد فكثيرا ما يتعرض بعض السكان للسرقة لمنازلهم وفي وضح النهار دون أن يعرف الجيران أن من قام بالسرقة ليس من أهل ذلك البيت المسروق. كما أن ما يزيد الطين بلة أن من يسمون بعقال الحارات وأعضاء المجالس المحلية لا يقمون بدور ايجابي في حل المشكلات التي تعترض الحي بل أن معظمهم من الحزب الحاكم ، ولا يتسم بالنزاهة فكل هدفهم استغلال مناصبهم على حساب أبناء الحي. ولعل أزمة الغاز المفتعلة من قبل الحكومة حاليا كشفت المستور بشكل مفجع حيث أتضح بأن معظم عقال الحارات وأعضاء المجالس المحلية في أحياء العاصمة بالذات يمارسون ضغوطا شديدة على من يتأكدون بأنهم من الثوار فيحرمون من حقهم في الحصول على الغاز. كما يتم المتاجرة بالغاز في السوق السوداء وبأسعار فوق طاقة المواطن من قبل عقال الحارات وأعضاء المجالس المحلية وأصحاب بعض البقالات والدكاكين المتعاونين معهم مستغلين حاجة المواطنين الماسة للغاز. وهكذا يتضح لنا بأن ضعف الروابط الاجتماعية بين أفراد وعائلات الحي الواحد تقف حجرة عثرة أمام تكوين لجان أمنية للدفاع عن الأحياء السكنية حيث أننا لا نعرف بعضنا معرفة حقه ،وبالتالي قد نكيل التهم ضد بعض أبناء الحي مؤكدين بأنهم ليسوا مع خط الثورة بينما قد يكون العكس صحيحا. ومن ناحية أخرى فإن علاقات الزمالة في مجالات العمل شبه مفقودة حيث تقوم على الشللية والمصلحية في كثير من الأحوال وهو ما كرسه النظام الحالي، ويتضح ذلك جليا حين لا نجد تفاعلا مع العمل النقابي إلا في وقت الانتخابات فقط. كما أن الكثير من النقابات المهنية والجماهيرية يسيطر على هيئتها الإدارية أفراد من الحزب الحاكم ، وتمارس نفس السلطوية الموجودة في نظام الحكم حيث أن العمل النقابي المؤسسي أصبح شبه مشلول وغير قادر على حشد أعضائه للتظاهر أو التوقف عن العمل إلا فيما ندر. ولعل العلاقات الاجتماعية القائمة على الفصل بين الجنسين وخاصة في المناسبات العامة كالعزاء ودفن الموتى والاحتفالات ومجالات العمل التي يهيمن عليها جلسات القات أدت إلى حالة من عدم القدرة على التفاعل الايجابي بين الشباب من الجنسين حيث تتهم المرأة التي تجتمع مع الرجال في مقرات العمل النقابي والحزبي والمهني بأنها امرأة خارجة عن القيم والتقاليد بل وأحيانا الدين، ويتم الإساءة إلى سمعتها الأخلاقية بهدف إبعاد النساء عن التعامل معها والتأثر بها. ثانيا التحديات الإعلامية : تواجه الثورة الشبابية إعلاما سلطويا متحكما منذ 33 عاما حيث لا يتاح للرأي الآخر أن يبرز عبر وسائل الإعلام الرسمية والتي تسير من قبل ليس فقط الحزب الحاكم ولكن من قبل شخص رئيس الجمهورية فلا يمكن لرأي مخالف لما يطرحه الخطاب الرئاسي أن يجد طريقه معبدا في وسائل الإعلام الرسمية. وفي حالة نشر أو إذاعة الرأي المخالف للخطاب الرسمي ممثلا بالخطاب الرئاسي يتم التشنيع بصاحب ذلك الرأي المخالف والأدلة لا حصر لها لصحافيين تعرضوا للتنكيل والقمع من قبل السلطة الحاكمة. ولعل الخطاب المضاد للثورة في وسائل الإعلام الرسمية والإعلام الخاص بالحزب الحاكم سواء الصحف التي تتبع الحزب الحاكم أم الصحف الأهلية التي تدور في فلك الحزب الحاكم حيث يتمتع الإعلام الموالي للنظام بإمكانيات مادية وتقنية كبيرة مقارنة بالإعلام المعارض للنظام. أما الإعلام الثوري فمازال يواجه تحديات كبيرة تتمثل في تعدد قنوات الاتصال مع وسائل الإعلام المحلية والخارجية ، وضعف التنسيق بين مختلف مكونات الثورة الشبابية داخل ساحة التغيير في صنعاء من جهة وبينها وبين ساحات التغيير والحرية في مختلف محافظات الجمهورية من جهة أخرى. ولعل الأسوأ في الأمر الشرخ الموجود بين من يسمون أنفسهم بشباب الثورة المستقلين بمختلف حركاتهم وائتلافاتهم والأحزاب الممثلة بأحزاب اللقاء المشترك وعلى الأخص حزب الإصلاح حيث ي أن السمة الغالبة في خطاب المنصة الإعلامي هو الخطاب الإصلاحي. ولعل ذلك ما دفع الإعلاميين المستقلين للتكتل في مجلس إعلامي واحد حيث أشهروا المجلس الإعلامي للثورة MCR والذي استطاع توحيد المراكز الإعلامية الرئيسية في ساحات التغيير والحرية وتضمن بيان إشهار المجلس ما يلي: "أن الثورة الشبابية الشعبية السلمية المتنامية التي تشهدها اليمن في كافة محافظاتها؛ تنقش في صفحات التاريخ أبهى صور الحرية التي يصنعها اليمنيون واليمنيات في ساحات نضالهم السلمي.. مشيراً أن توحيد الجهود الإعلامية لا يقل شأنا عن توحيد الخطوات الثورية نحو تحقيق هدف الثورة بعد أن عمل النظام المتهاوي على محاربتها بوسائل إعلام تنتهج الكذب والتضليل إلى جانب ما يرتكب من جرائم قتل بحق الثوار السلميين.. وأضاف "وذلك يحتم علينا جميعا أن نعكس جوهر ثورتنا الإنسانية الشامخة كما يحتم علينا التصدي لتلك الأكاذيب التي يدفع ثمنها النظام من أموالنا تماما كما يدفع لبلاطجة يقتلوننا بالقنابل والرصاص". واستعرض المجلس آلية عمله وبرنامجه التصعيدي والذي يتكون من ثلاث مراحل وهي مرحلة "الغضب، العمل الثوري الشعبي، ومرحلة الانتصار الثوري الشعبي وتحقیق العدالة" وقدم آلية عمل لكل مرحلة التي ستعمل على إسقاط كافة مديريات الوطن ومرافقه المركزية وتسلميها للشعب بعد إعداد قائمة بكل المطلوبين الذين سعوا لإخماد الثورة ووقفوا ضد إرادة أغلبية الشعب اليمني العظيم. وأوضح البيان بأن المجلس ليس وصياً على أحد بل يقدم خدمة معلوماتية ثورية موحدة ليتمكن من توحيد الصف الشبابي الشعبي، ويستطيع كل من يقول "الشعب يريد إسقاط النظام أن يكون منضماً له. ويتضح لنا أن التحديات الإعلامية التي تواجه الثورة الشبابية أفرزت تكتلات إعلامية شبابية ، وقد ساهمت قبل أن تتوحد تلك اللجان الإعلامية بورقة عمل حول الإعلام وكيفية إدارة الثورة الشبابية أشرت فيها إلى طبيعة المضمون الإعلامي الثوري وكيفية مواجهة الإعلام المضاد للثورة عمليا. وربما يكون جهدي قد ساهم في توحيد اللجان الإعلامية في إطار المجلس الإعلامي للثورة إلى جانب الرغبة الشبابية الملحة في أن يكون للثورة خطابا قويا و فاعلا وموحدا. ومرفق لكم الورقة البحثية المتعلقة بالإعلام وإدارة الثورة الشبابية
عدد زيارات الموقع
6,597



ساحة النقاش