....

ـ بماذا تهرف  يا هذا ؟.. وفي البداية من تكون؟..
ـ أنا مندوب من " متعمق"  مؤسسة الاستثمار  السياحي القطري؛ مكلف من المراجع العليا  ذات الصلة  بقيادة المعارضة  السورية  المجاهدة  بتقديم العزاء  لكم وتبليغكم  أمانات الشهيد  البطل الذي التحق  بصفوفها  المباركة  وأنجز  مهماته ببطولة نادرة  وإيثار خارق ،  مختارا بمحض إرادته  ومن منطلق قناعاته  وإيمانه اللحاق  بالرفيق الأعلى  في عملية جهادية  باسلة  ناجحة  ضد الشبيحة  وأزلام الطغمة الأسدية  المارقة عن الدين  والخارجة عن الملة .."
ولأني كنت أتوقع لغسان  هذا المصير المدمر  منذ أن تلقى تذاكر السفر  وتدلت على كاهله  حمالة الحقيبة  الرقطاء ؛ لم يفاجئني  النبأ  في ذاته  وكان منتظرا ، ولكني لم  أكن قط أنتظر  ان يتم القضاء عليه  بمثل هذه السرعة  الخاطفة.طبعا  لم أكن يوما  على وفاق  في المواقف  مع غسان  لأسباب  لا مجال لشرحها الان  ، لكني كذلك  لم أكن اتمنى  له  هذا المصير  البائس  ، وقلت للرجل  الذي اتخذ هيئة دبلوماسي  محنك  دون ان  أدرك تقريبا  ما أقول :
ـ تعني  أنه انتحر  ونحر عباد الله  معه؟!.. لعنكم الله  وأخزاكم  يا من  أخرجتموه  من بيته  وغررتم به  وألقيتم به إلى التهلكة!..
وتراجع المندوب عن حماسه الأول ، وقال بهدوء ورزانة ، وهو يتجه  إلى الصندوق الخلفي  للسيارة  ليسحب منه  حقيبة الظهر  الرقطاء  التي  كان غسان  قد غادر بها :
ـ عفوا انا موظف ، ومجرد  وسيط محايد ، ولا علاقة لي  بالموضوع ، مهمتي ان أقدم لكم ، أعني  لأسرة الشهيد  غسان  حيدرة الخولي  ، العزاء  القلبي الأوفى  والحار  باسم قيادة مجاهدي  المقاومة السورية  المسلحة

 وأبلغ لكم أماناته التي تركها   وأغراضه   وأنا سأنصرف متواريا ..

ألا تدعوني للدخول حتى أقوم بواجبي  على أحسن وجه؟..

علمي ان غسان  هو ابن المعارض  الكبير  الراسخ  حيدرة الخولي ؟. لا بد ان أقدم له واجب العزاء..
في تلك اللحظات  المشحونة  كان الوالدان  المسكينان  كلاهما

أطلا  برأسيهما  يستطلعان  ما يريد منهما زائر الليل هذا ؟.

وإذا سمعا  آخر جملة  للمندوب الخليجي  وهو يتحدث برزانة  مصطنعة  وتأثر مجلوب  عن العزاء ، أدركا  مغزى  هذه الزيارة الليلية  برمتها  فبهتت الأم  الشيبانية  لحظات وكانها  لا تريد ان تصدق  ما سمعت  أذناها ، وقد  صدقت  توجساتها  المتشائمة من  الزائر الليلي، ثم ما لبثت أن انكفأت  وتولت  إلى البيت وهي تثب  وثبا  كما لو  لذعت  في صميمها  لذعا ، ولا أدري  من أين  واتتها  تلك القوة ، مطلقة العنان  لحنجرتها  تنتحب بملء صدرها  وكيانها كله  وتعدد

" قتلوك .. أصحاب  اللحى والقمصان  والمسك .. قتلوك . واغسان!.. يا ابني المعزوز!.."
انبعثت أنا  خلفها  أحاول التحدث  إليها  ولكنها  كانت  عن كلماتي  في صمم

لم تكن تريد  ان تعرف شيئا  وقد استوعبت  جوهر المسألة . الجوهر  ان غسان  مات . تتحدث  الأم دوما  أن غسان جاء  إلى الحياة  عن خطإ  في حساباتها  مع أقراص منع الحمل .. وها هو يغادر الحياة  بمغامرة  ناتجة عن خطإ في حساباته هو.... وعلى العكس تماما  من تصرف الوالدة  المتشنج  في فطرة الأمهات  وتشبثهن الأهوج  والمحموم بأبنائهن ،

نزل الوالد  يريد ان يستلم الحقيبة  من المندوب  الفصيح اللسان في صمت البحر المريب وبأعصاب باردة  من الرعب  وكانه  يتلقى معلومات  عن شيء تافه  من الأشياء  وغرض من الأغراض  العارضة  لا  عن موت ابنه ، ويسأل المندوب  الذي يتكلف كآبة كاذبة  بحياد  مخيف  وهدوء مرعب  يبعث على القلق  مثل فتيل مرتبط بلغم موشك  على الانفجار:
ـ وأين الجثمان؟!..
ـ تدري  موقف السلطات الجزائرية  من جثمان  محمد مراح  الذ قتل  الأبرياء  اليهود في تولوزز

لقد  كان  هو الموقف  المتعنت  نفسه  حين طلبنا  رخصة  نقل أشلاء  جثمان ابنكم  غسان  من تركيا ..

هم يخلطون  بين المجاهدين  الأحرار  في حمص  وفي غيرها من مدن سوريا  وبين القتل النذل  في تولوز..
وكان الرجل يكذب  دون خجل ..

لابد  ان يكون الجثمان  قد تمزق اشلاء ، وفي حال  جمع تلك الشلاء ، لابد  ان تكون  في أيدي سلطات دمشق ..

وحينئذ  ومن غير سابق إنذار  ينفجر الوالد  كاللغم في وجه  المندوب  الخليجي المتصهين :
ـ رح يا لزلمي .. تدفعونهم للقتل  بثمن بخس وتسمونهم مجاهدين؟!!  امش لحالك !.. يا صهاينة .. يا انذال  بعقالات عرب الخيانة  الأبدية . تفوه  يا بني  رغال .. هات الحقيبة .. وغر أنت . يا واطئ من وجهي . غر أنت .."

يتبع 

ابو العباس برحايل

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 69 مشاهدة
نشرت فى 17 يناير 2014 بواسطة berhailbelabes

ساحة النقاش

أبو العباس برحايل

berhailbelabes
الموقع يقدم كل ما يتعلق بكتابات الأديب ابي العباس برحايل في ـ الرواية ـ الشعر ـ المقالة »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

28,968