...
وأضفت يا أيوب تخاطب زوجتك التي فغرت فاها لهول ما قلت:
كنا نعلم انه سيق إلى الموت مثل خروف ، وانه سعى بنفسه إلى قبره بقدمه .. انتهى الأمر وكان هذا منتظرا .. الم تتذكري ماقلت له يوم ان جاء يودعنا في ذلك الصباح الشتوي المتجمد ؟.. لقد أغروه بعدد بخس من الدولارات في الدنيا ، وبعدد مماثل من الحور العين الحسان في يوم الدين ، وها قد تلقى الدولارات المرصودة في الحياة الدنيا لقاء ان يموت ، ولعله الان هناك في العالم الاخر في احضان الحور العين الحسان المنشودات .. نعيما له بكل دولاراتهم المبذولة وبحسانهم من الحور العين الموعودات ، وعلى كل ساذج مغرر به من امثاله..
وكانت ليلتك الليلاء ، في ذهاب وجيئة بين مستشفى المدينة لإسعاف الطاووس التي ارتفع السكري في دمها حتى ضفاف الموت ، وبين حي فيض القطوط حيث توافد اهل الفقيد لتقديم العزاء وتلقيه في آن واحد..
في الغد من الصباح كانت بعد قد صفت كراسي بيضاء من هذه الكراسي اللدائنية المفرطحة المنتشرة في المقاهي والشواطئ والمنتجعات وفي كل مكان ، ورتبت على مدى السور الخارجي لسكنى الأستاذ حيدرة التي يقابلها على الرصيف الآخر من الطريق العريض مباشرة ، المسجد العتيق الذي كان والدك الشيخ محمد الطاهر الصابوريأماما فيه وصار يسمى باسمه في اللافتة ، لكن الناس لا يسمونه غير المسجد العتيق، وهو الاسم الذي درجوا من زمن بعيد على تسميته به..
ولقد تطوع مؤذن المسجد مشكورا من غير إيعاز من احد ببث آي الذكر الحكيم إعلانا بالفقد المفجع للفتى البائس غسان ، وترحما على روح الفقيد المنتحر باديس الذي
لا مندوحة من ان يكون مثواه النار؛ حتى وإن ترحم عليه إمام الحرمين وخادمهما معا..
هي سكنى مشيدة بالحجر الغرانيت من طابق أرضي واحد ، كانت تابعة للمدرسة المجاورة من مجموع السكنات الوظيفية المماثلة لها
والتي تم التنازل عليها بالدينار الرمزي لمصلحة الأساتذة
مع تعديلات أدخلها عليها الأستاذ حيدرة مع حرمه جهيدة بنت جعفر بوحدبة التي كانت السكنى مقيدة لدى الموثق باسمها مع ان التنازل كان لمصلحة زوجها ،
وذلك زيادة منها في الاحتياط من غدر الزمان او حذرا من أن تعن فكرة خروج زوجها الذي سوف يبقى في طي ضميرها ووعيها الباطن أجنبيا رغم حصوله على الجنسية الجزائرية .
أدخلا تعديلات في النوافذ بإضافة شبابيك فولاذية متينة ، وبإقامة سياج عال حاجب لحيازة قطعة ارض لا باس بها مقتطعة من المساحة التي كانت تابعة للمدرسة على غرار ما قام به بقية زملائهما في بسط سلطانهم على أرض البايلك التي لا تجد احدا في المجلس البلدي يدافع عنها ، وتشوه منظر العمران المتناسق الذي كان لها قبل أن تقوم هذه السياجات العشوائية ..
جلست أنت يا أيوب إلى جوار الأستاذ حيدرة الذي كان على حاشية الصف قريبا من الحوش المستحدث مقوس الظهر غائر القفا ، منهارا في صمت ووجوم، وقد أسند وجهه بزنده المعروق المسنود إلى مقبض الكرسي..
بالقرب منه وضعت مائدة قديمة مبتذلة تعلوها صينية نحاس صفراء غير لماعة حفت من غير عناية بفناجين متناهية في الصغر ومن غير عرى ..
لابد ان يكون الأستاذ حيدرة قد جلبها او استجلبها من المشرق ،
كان يسافر إلى بغداد قبل سقوطها في يد أمريكا الصهيونية وحثالة المعارضة التي نهبت المتحف، وصفعت بالحذاء صورة الرئيس الهارب بدمه
قبل ان يلقى عليه القبض بوشاية من الأنذال ، وينفذ فيه الإعدام ،
وإلى عمان ، وإلى بيروت .
حفت الفناجين حول إبريقين من هذه الأباريق الكاتمة للحرارة ..
فيما غلب عليك انت نعاس ثقيل سمج لأنه لم يغمض لك البارحة جفن ، ولكنك مع ذلك لا تستطيع ان تغفو ، وها هو شعاع الشمس الذي أوشك على اندفاعه من وراء جبل القعدة الأجرد امامك يلوح في الوجوه.
يجلس على شمالك بعض اخوال الفتى الهالك في صمت محايد
يقابلهم بشارة الذي يقوم بصب قهوة لكل وافد ، وقد أعطى بظهره لناصية الطريق؛
بشارة أخو الفقيد الذي لم يتأثر كثيرا بفقدان أخيه ، إن لم يكن ـ والله أعلم بأمره ـ في دخيلته مغتبطا بانزياحه وذهابه الأبدي ليخلو له وجه أبيه ويصفو له قلب امه ، وينتهي إليه كل ميراث لا ينازعه فيه غير زينوبيا أخته
كان يقف هنا وهناك في جماعات صغيرة من بعض جيران الضحية وأصحابه في جلابيبهم الخليجية وعراقياتهم المحلية
ولدى الباب الحديدي المشرع لا تعدم ان ترى بعض الصبية والصبايا الصغار المتهدلة شعورهم المشعثة ، والذين لا يذهبون بعد إلى المدرسة . ويتساءل المرء لماذا استفاقوا من نومهم باكرا..
إن امهاتهم هناك في الداخل يحاولن استدرار الدموع مجاملة للأم جهيدة بوحدبة .
كان بعض المعزين ما فتئوا يجترون حادثة الموت دون ملل ، فهم يبدأون فيها ويعيدون في اسف متحشرج وأسى متهدج كلما وصل معز جديد .
وأكثر المعزين في واقع الحال فضوليون لم يكونوا من أهل الفقيد ولا من المعارف ، وإنما هم عابرون للطريق او مارون نحو المسجد المقابل ، دون ان ينسوا خلال ذلك التبادل والتحاكي ان يتلوا آيات الترجيع والفناء والتواصي بالتصبر والتجمل والاحتساب ..
قال بشارة أخو القتيل حين تراخت الحركة يسرد براحة بال لأحد المعزين من المعارف الذي وفد توا وسأل باهتمام ملح عن مصدر نبإ مصرع الفتى غسان ..
راح يحكي رواية مصرع اخيه رابط الجأش تماما بصورة مدهشة ، حتى بدا وكأن مقتل أخيه لم يؤثر فيه البتة ، وذلك بعد ان صب القهوة ومدد بذراعه الطويلة نحو المعزي بالفنجان الصغير ،
فسكب هذا القهوة في فمه جرعة واحدة ورد إليه الفنجان فارغا:
ـ كان ذلك يا خالي مسعود بوحدبة نحو التاسعة ليلا عندما طرق علينا طارق باب الحوش الحديدي طرقا عنيفا ؛ كنت أتهب للخروج لصلاة العشاء .. إذ المسجد هاهو كما ترى مقابل للبيت ولا تصح لنا صلاة إلا فيه . قالت الوالدة وهي تضع يدها على صدرها متوجسة خيفة وشرا من طراق الليل ، وكأن المنادي بالوحي أوحى لها بالذي كان:
ـ ربي يلطف ويستر من طراق الليل.
فتحت الباب؛ كانت سيارة رباعية سوداء لماعة من آخر طراز تقف تحت صف درجات السلم المفضي إلى الباب .. نزل منها على مرأى المصباح الذي يسقط نوره من عمود كهربائي عمومي شخص متوسط العمر في ثياب خليجية ، لم يكن هو من طرق الباب ، إنما كان الطارق سائقه الجزائري ، وقد انحاز جانبا في حياد عند الدرجة العليا من السلم بادرني الرجل القصير القامة الخليجي الهيئة يحتضنني وسط درجات السلم ، ويضع أنفه على انفي بحماس لكن بصمت ، وهو ما اندهشت له لأول وهلة ثم ما لبث أن نطق يقول :
ـ بالتاكيد ، أنت بشارة أخو غسان ..
ـ أجل .. ماذا هناك؟..
هجم علي بكلام متداخل مضطرب لم أستوعبه كما لو كان يقرأ كلاما مندغما حفظه غبا ،
او ربما لم ترد اذني ان تستسيغه فاستعدته مرارا فلم أفهم حرفا.
ثم قال أخيرا يردد حرفيا كلامه لكن بوضوح كاف هذه المرة:
ـ شد حيلك وأبشر.. إن غسان قد صار إلى رضوان الله وملكوته ، وقد تلقت روحه الطاهرة بوافر الغبطة والشوق حوريات الجنة العلياء من جنات الخلد لدى الصحب من السادة الشهداء والصديقين وحسن أولئك رفيقا..


ساحة النقاش