...
الفصل الثامن
مأتم بلا جثمان
كان عليك يا أيوب الصابوري وعجوزك الطاووس أن تنتقلا على جناح السرعة في غسق هذه الليلة من أوائل شهر مايو إلى بيت حيدرة الخولي في حي فيض القطوط ، لا لتقديم العزاء ، بل لتلقيه مع حيدرة وجهيدة وابنيهما زينوبيا وبشارة ، فأنتما أولى الناس بتلقي العزاء في المصاب الجلل الذي حل ، وخصوصا العجوز طاووس التي بدا الآن أنها لم تفطم رغم مرور السنين عن التحاق باديس أو بالأحرى غسان بأسرته الأصلية بمجرد انتقاله إلى مرحلة التعليم المتوسط ، ولم تكف عن اعتباره ابنها رغم إصراره هو على مناداتها منذ تلك المرحلة المبكرة بالخالة بدل الأم. وها هي تسقط مغشيا عليها ـ كعادة النساء في عاطفيتهن الزائدة وإسرافهن على أنفسهن ـ رغم أنها لم تستوعب بعد النبأ العظيم
؛ نعي الفتى غسان الخولي أو نبأ مقتل باديس ابن جهيدة . كنت يا أيوب أيها الشيخ الفاقد لبهجة الحياة ومذاقها
مع عجوزك الخافضة الجناح مودة ورحمة وإيلافا
حين نزل عليكما النبأ الصاعق تتابعان حملة انتخاب البرلمان في النشرة الرئيسية للأخبار التلفزية ؛ الساعة الثامنة مساء والتي امتدت على طول ساعتين كاملتين ..
كنتما انت وطاوس تعقبان بسخرية مريرة على تلك التدخلات الهزيلة ، بل الهزيلة والمحنطة والمكرورة على مر الأيام السابقة لكثير من الخنافس المغامرين الذين يسمون أنفسهم برؤساء الأحزاب ، وبعضهم بل أغلبهم لو يعرض مواهبه لاختبار ما ، لا يقبل حتى ليكون نادلا ساقيا في مقهى محترم
إنهم يدعون مجازا بمنشطي حملة انتخابات النيابة البرلمانية ،وهم في الحق يشبهون الأربعة والأربعين لصا في مغارة علي بابا ،
فكل منهم ما يفتأ يضحك على ذقون الناس بادعائه أن برنامجه الوحيد والأوحد الأصلح الكفيل بإخراج البلد من حمأة الفساد والبطالة والفاقة والعري والجوع والجهالة ... وإدخال مواطنيه في جنات تجري من تحتها أنهار العسل واللبن والخمر ..
. وحولوا الحملة إلى مايشبه ألعاب سيرك بهلوانية بتلك المهاترات والمبالغات الوثابة سواء في النقد العشوائي غير القائم على أساس للحكومة الكرطونية الحالية ،والخالي من المعطيات الصحيحة والمعلومات الموثقة
مع أن الحكومة الفاشلة في أشد حاجة للنقد الجدي الذي يسقطها أو يحاول أن يخرجها من غبائها المتأصل وجمودها وذهاب هيبتها أو بالإسراف في تقديم الوعود المعسولة المجنحة التي لا تتحقق حتى لو يتوافر لهم خاتم سيدنا سليمان واتحاده مع عصا سيدنا موسى أو بالأحرى مثلوا تلك الحملة سوقا غريبة مثل السوق الشعبية الأسبوعية في رحبة الأحد في مدينتنا
والتي ينادي فيها الباعة بأسعار سلعهم الزائفة التافهة الرخيصة والتي يريدون أن يتخلصوا منها بأي ثمن حقير بخس ،
ولم يعد يقبل عليها غير بعض الذباب الذي لا يحلو له التجمع والتجمهر إلا حيث العفن
. وهي بعد ليست سلعا فعلية مفيدة ولا شرعية ،
فهذا القصاب المزيف اللعين بجرأة وبغير خوف لا من الله ولا من العقاب بالغرامة والحبس يعرض لحوم الحمير والكلاب والقطط على أنها لحوم بقر وضأن وأرانب ، ويدمغ بكل وقاحة وزور على تلك اللحوم المغشوشة بطابع البيطري الرسمي المقلد المغشوش
. وهذا بارتياح تام وبضمير مطمور في ثلاجة القطب الجنوبي يبيع تلك البطاطس المخصوصة في كندا للخنازير على أنها بطاطس رفيعة للاستهلاك البشري ، وثالث يروج لزيت عديم المذاق مغشوش عبأه في مخلفات من أوعية المياة المعدنية القذرة ، وقد أضاف إليه عصير التين الهندي ليبدو أكثر اصفرارا ولمعانا ، ويدعي وهو يحلف باليمين الغموس حانثا أن هذا السائل المعروض هو عينه زيت الزيتون العربي أو القبائلي الأصيل ،
ورابع يتغنى مرتلا بآيات الذكر الحكيم في تشويه فظيع لمبانيها الصوتية وتصحيف لمخارجها ، وفي تحريف منكر لدلالاتها ومعانيها ، زاعما أن ما يعرضه هو العسل الطبيعي المصفى المذكور في هذه الآيات المرتلة ؛ وهو في الواقع لا يعرض سوى مجرد سكر أحمر رخيص ذائب فاقد لصلاحية الاستهلاك من طول ما عرض في المواسم السابقة ، وهو بهذا يعرض مقتنيه ـ لا قدر الله ـ إن هم أقدموا على استهلاكه إلى مختلف الأمراض المحتملة الوخيمة
المستعصية عن العلاج ..
إنهم جميعهم يعرضون كل ذلك بإلحاح اليتامى المساكين الشاكين ، وبأسلوب الأرامل النادبات المستعطفات حينا ، وحينا ، يستصرخون بإلحاف المتسولين الساخطين الوقحين المشاكسين في زعيق منفر غير مبرر ،
فيما ضاعت في هذا الخضم الأهوج أصوات صبية سذج يبيعون أضغاث القزبر وقبضات التعناع وربطات البقدونس ، وهي السلعة الوحيدة التي لم تطلها يد الزيف والختل والنصب والاحتيال ، وذلك ما شجع بعض المتسوقين الفقراء فيقبلون عليها باحتشام شديد يقتنونها بكفاف اليد وعفاف اللسان واطمئنان الجنان وحمد الله على رأفته ورحمته بخلقه .. وها قد اوشكت السوق على انفراط عقدها وانفضاضها وغلق أبوابها ، تاركين في فوضى عارمة ركاما هائلا من الأوساخ ومن القذارات والبذاءات ، في حين يقف الكناسون المحترفون هناك على أهبة الاستعداد للشروع في كنس تلك المخلفات البالغة الأذى ، وإخلاء المكان منها بأقصى سرعة ممكنة حتى لا تصيب السكان المجاورين للسوق بأبلغ الاثار المدمرة ، لعل أقلها خطرا فقدان العقل وعدم القدرة على التمييز .
الانتخابات هي المفاضلة بين أشياء صحيحة وسليمة ولكن ما يعرض فاض فيه الزائف وطغى ، وحجب عن النظر والعقل كل صحيح سليم ..
فماذا تختارين يا ولية بين عبد الواحد بوشاقور النهاب ، وبين مرواني ماء الدفلى الخائب ؟!..
ذلك ماكنت أنت تقوله يا أيوب الصابوري لعجوزك الطاووس ، وقد استغرقت في الضحك متعجبة لهذا الوصف الكاريكاتوري الصادق ، رغم حال أصابع قدميها التي توجعها ، وقالت لك متفكهة:
ـ لا تنس إذن وقد فكرتني ، أن تجلب لنا غدا قبضة القزبر
لقد عزمت أن أصوم غدا تطوعا ، ولا أقل من أن أفطر على شربة تزينها وريقات القزبر تريدين المغامرة ؟.. ألم تكوني منذ قليل تشتكين من آلام في أصابع قدميك ؟الخضراء..
ـ والسكري؟.. أم..صحتك أولى من التطوع .. أرى لك أن تتصدقي أهون وأيسر على صحتك .
وستكون الصدقة مجزية وأوفى أجرا من الصوم ..
وفي تلك اللحظات رن هاتفك النقال المطروح إلى جانب جهاز التحكم الخاص بالتلفزة ، ضغطت ، طفا على الشاشة المضيئة الصغيرة اسم الأستاذ حيدرة الخولي :
ـ مرحبا الأستاذ حيدرة..
ـ...........
لم يكن هو الذي يتكلم ، هو صوت بشارة نجله ، يتكلم بلهجة تمثيلية تهكمية تبدو خليجية وكأنه أصيب بمس:
ـ أتقول غسان؟.. يكفي مزاحا ثقيلا .. تقول تلقت روحه الطاهرة حوريات العلياء في جنات الخلد ؟.. ماذا تقول؟.. ومن أين تتكلم يا هذا؟..
ومن غير شعور تملص الجهاز من يدك الرخوة التي أصيبت بالشلل ووقع في حجر الطاووس التي كانت ملتصقة بك ، وقد بقيت مشدوها لا تدري ما تقول لطاووس الحنان ،وفهمت هي الموقف تقريبا ،
فقالت مرعوبة وفي نفسها انبثقت هواجس كالوحوش المكشرة عن أنيابها قبل أن تسمع الخبر اليقين:
ـ تكلم يا أيوب .. يا ابن الشيخ محمد الطاهر الصابوري .. لا تقل لي إن ابني باديس قد حدث له مكروه,, أصيب بمكروه..
ولم تكن أنت في وضع يسمح لك بالمراوغة أو إخفاء النعي عنها مراعاة لحالتها الصحية المعروفة ، فقلت مرة واحدة تنهي الموضوع برمته:
ـ لك يا مخلوقة أن تبكي إذا وافاك البكاء .. لقد هلك الشقي ، ولقي حتف انفه ..
يتبع
ابو العباس برحايل..


ساحة النقاش