...
ورأى الملك أن يلهي فرقة الفتيان الذين اختطفوه حتى تصل النجدة ؛ أي فرق الجند المتوقع وصولها ، بخطبة تشد الأنفاس باللغة الحميرية التي يتقنها رغم العجمة التي تحول السين شينا والقاف غينا ، وهو ما يجعل الفتيان يضحكون من حين لآخر لبعض الكلمات وقد ذهب معناها الأول تماما واكتسبت معنى جديدا ، قال الملك وعيناه لا تبرحان المداخل السرية للصرح تحسبا لاقتحام الجند المرتقب:
ـ بلقيس لا يكفلها ملك ولا زوج ، هي الان ملكة ..
وهي التي تختار من تتزوج به ، وانت يا مكرب إنما تريدها لنك تتبوأ منصب نائب قائد جند ، وهي نائبة قيلة وابتة قيل..
انت تريد ان تستولي عليها استيلاء وارث على ميراث
وتريد أن تتزوج بها بحكم قرابتك بها ، لا لأنها نعجة أنثى تروقك كما تزعم..
إنها الان امتنعت عنك لأنها أمست ملكة ، وأنت لست القائد العام للجند بعد.. لأن القائد العام سيعين هناك في سبإ بعد عودة الملكة ..
وقد لا تكون أنت المؤهل لهذا المنصب
، فأنت لست كفؤا لها ..
كفء الملكة لا يكون إلا ملكا أو من يكون دونها بدرجة واحدة ،
ومن هو الملك الكفؤ الذي من حقه أن يطلب يد الملكة بلقيس غيري أنا الملك شلمون لو أشاء؟..
هذه هي شريعتنا التي لا راد لأحكامها ..
ألا فلتعلم يا فتى أني إن أتزوجها ؛ إنما أنكحها وفق نظام نكاح الملوك العبريين الذي يسمح لهم رب الجند والحرب بالتعدد غير المتناهي للزوجات فضلا عن الخليلات الجواري ،
وهي أعني الملكة بلقيس ، قد خضعت واستسلمت واقتنعت برب الجند والحرب إلها ، فهي امراتي شرعا وقانونا بحكم شريعة الاستيلاء ،
كما أن مملكة سبإ صارت جزءا من ممتلكاتي باستيلائي على ملكتها التي جاءت خاضعة مستسلمة ملبية لرسالتي.
ولو أشاء أنا تكون أنت وكل الوفد مدعوين لحفل الزفاف الرسمي الذي سيقام لمدة اسبوع ، وستذبح فيه بيت حرب اورشليم سبعة آلاف بقرة صفراء لا شية فيها آتية من جميع بقاع المملكة ..
ثم إني أعلمك بشيء ؛ إن بلقيس قد وهبت نفسها للملك حين فهمت أنه قد هم بها ، وقالت هيت لك وفق قانون التبضع الساري في بلدها الذي هو بلدك ،
وقد قبل الملك الهدية وافتض بكارة العروس تحت الشجرة واستمتع بها مرة بعد مرة وتمرغ في مباذلها حتى حد الأنهاك ؛ من غير مهر ولا عرس وزفاف كما قضى رب الجند والحرب
، ولقد استجاب الملك بملء إرادته لأحكام التبضع الجسدي كما تسمونه أنتم ويشهد بذلك عيافكم الحكيم معقيس..
وفي هذه اللحظة تقتحم الصرح فجاة فرق جند مدججة بالسلاح من مداخل غير متوقعة ولا محروسة ، وتشتبك مع أعوان مكرب في المداخل المحروسة ، ولكن مكرب بحسه العسكري وقد علم أن لا فائدة ترتجى من مقاتلة الجحفل المتدفق كالسيل العرمرم ، فالقوى مختلة اختلالا فاحشا ، والمواجهة تعني الانتحار المجاني ، فدعا أعوانه إلى الجنوح للسلم فورا ، ولم يشأ أن يقول الاستسلام ، مع ان إلقاء السيوف أمام عدو شاكي السلاح مشهره لا يعني سوى شيء واحد وهو الاستسلام والانهزام ، وهو على كل حال في انتفاضته لم يكن يريد إراقة الدماء ؛ إنما كان يريد إقامة محكمة عادلة ، واسترداد حقه من الملك المغتصب بالمفاوضات السلمية وبقوة عدالة القضية .. وإلا فهو يستطيع أن يطير إلى سابوم ، ومن هناك يعود بالزحف على بيت حرب بصفوف من الفيل ومن العربات البابلية
ومن جياد الخيل المسومة
صفوف تستطيع هي ان تقهر كل ملك في ثوب قاضية مزيفة وكل عفر ديوث..
لكنه استسلم لفكرة عدالة الملك ونسي متغافلا؛ ان الخصم إن نصب قاضيا لا يحكم إلا لصالحه..
ألقيت سلاسل الاعتقال الطويلة على أعناق الفرقة الخاطفة للملك المتجدد الشباب وشدت الأيدي إلى الأذقان ، وأثقلت الأقدام بالحديد ، وألقي الجموع في سرداب أسفل الصرح أعد لهذا الغرض الأمني ، وسرب الملك تسريبا على جناح السرعة إلى قصر الضيافة حيث كان مع ضيفته المتالقة الصيت بلقيس ،
حتى لا يفتضح في ثوب امرأة شفاف مكشوف الصدر الذي وثب فيه من النافذة فارا إلى شجرة الخلد
مستجيرا بالأفعى التي تبين أنها لم تكن أفعى في الحقيقة والواقع
بل مجرد تدبير من علم المستشار البابلي ذي المواهب الفائقة هارود
أما الخاطفون المعتقلون فقد راحوا يزمجرون في قيودهم ، وكان يتصدرهم الفتى الحزين مكرب وهو لا يفتأ يصرخ ويكرر في حنق وضغينة ما قاله سلفه المغبون في نعجته أمام المحكمة الدافيدية الأولى:"..
وعزني في الخطاب.."
وإذ أغلق عليهم باب الدهليز الجبار ، ظل صوته يتوارد من بعيد ماضغا ما بين أسنانه في يأس قاتل :
".. وعزني في الخطاب.. وعزني في الخطاب.. وعزني في الخطاب.."
الفصل الثامن
مأتم بلا جثمان..
يتبع
أبو العباس برحايل..


ساحة النقاش