....

ضرب  مكرب  الأفعى  التي تراءت  له حين  راحت  تتكور  حول  ذنبها  المرقط  تريد  الهجوم ، فأطار رأسها  بشفرة  سيفه  البتار ، هل كانت أفعى حقيقية  أم مجرد تمثيل ؟.. ولكنها كانت تتحرك !..

وسار  بالملك  الذي وفع يديه  مستسلما مستأسرا  وهو يرى  رأس الأفعى  ملقى  بين يديه  بمساعدة  رفاقه  يسوقونه  إلى الصرح الممرد  في ثوبه النسوي  الشفاف  المخجل ..

وإكراما  لمنزلته  لم تلق  على  رقبته  الأغلال ..

في الصرح  أشعل  مساعدو مكرب  الشموع  الإثنتي عشرة  الأمامية  ، وأجلسوا الملك ، الذي ظل  يرجف رعبا  على  العرش  وأعطوه الصولجان  لا يدري ما يراد أن يفعل به ،

ووقف مكرب  هناك  في وسط اللجة  البراقة  على ضوء الشموع  ليعرض على الملك مظلمته:

ـ أيها الملك  الموسوم بالحكمة والعدل  كما يزعم  أعوانك.. كان علي أن أدعوك  "..أيتها الملكة  القاضية .."

وأنت في لباس امرأة ،

لكن قصدي  وصحبي  ليس أن  نهينك  ولا أن  نسخر منك  كما سخرت أنت  بغيرك ، بل أن نحكّمك قاضيا  حكيما  عادلا.. أجل ، في ظرف ثلاثة أيام  سمعنا الكثير  عن حكمكم  وعن عدالة  حكمكم ..

سمعنا عن حكاية الطفل  الذي سرقته  امرأة  من أمه  وجاءت المرأتان  إلى الملك  تختصمان فيه ، والحيلة التي  أبدعها  والدك دافيد  لمعرفة الأم الحقيقية  

وقيل إنك أنت  يا شلمون  من ألهم والدك  بالفكرة بعد أن  داهمه  الخرف  والشيخوخة  وفقدان الذاكرة ، فقضى بقطع  الطفل  إلى نصفين  متساويين  وإعطاء  كل من المرأتين بشطر

، وكان جادا  تماما  في حكمه ،

فتنازلت  الأم الحقيقية  عن نصيبها   للمرأة السارقة  لتفادي  هلاك الرضيع

، وبذلك تجلت  حكمة الملك  في الأمر بقطع  الصبي إلى قسمين ..

لكن النمل  والصراصير قالوا  لنا  هامسين  خوف أن يسمعهم أحد  من طيركم  الذي  يتتبع  أنفاسهم  بأن ذلك  الطفل ما كان من جنسهم

ولذلك  كان الحكم  بتقطيعه  إلى  نصفين  أمرا  مبيتا .. أي  بقتله ..

وأن المرأة لم تتنازل  عنه لخصيمتها  إلا  لأنه  كنعاني  وليس عبريا ، فأرادت أن تبقيه  على قيد الحياة ،

وفوتت  على الملك  الماكر  أو الساهي سيان  هدر  دم كنعاني  في القماط..


وسمعنا  عن حكاية  الرهط  الذين تسوروا المحراب  وخاصموا والدك  الحكيم في نعجة ،

وأنا وفتياني  الان  نقف أمامك  موقف أولئك  الخصم  الذين تسوروا المحراب  ووقفوا  موقف  التقاضي أمام والدك ،

وأرى  أن الوقائع  تتكرر بحذافيرها  سوى أن  والدك  لم  يكن معنيا  بالمسألة  إلا باعتباره حكما  وقاضيا .

أما أنت  يا صاحب الصولجان  فمتورط وأكلت  من لحم النعجة  النيء الحي

وقد رأينا  أفعاك المنتصب رأسها  ناتئا من بين أغصان الشجرة وأنت  في هذه القضية ؛ الخصم والحكم..

تشجع الملك  كاتما غيظه  وخزيه ، وقد تذكر  كيف صمم أن يهين  مضيفته حين أجبرها  إيحاء  على رفع  ثوبها  عن ساقيها  لتخوض  اللجة المصطنعة ، وها هو في الصرح   الممرد  ذاته  في ثوب امرأة ونودي بضمير التأنيث : يا قاضية !!.


. يا ليتهم  دعوه يا خنزير!! ..  ولم يدعوه يا قاضية ،

فللخنزير  خطم  غليظ  ونابان  معقوفان على الأقل  !..


أجل ، لقد لحق به أذى عظيم  من خلال هذا التأنيث ، وديست كرامته  في صرحه  وأهين  إهانة بالغة  حين سيق إلى عرشه  في هذا الصرح  بثوب امرأة  شفاف  لا يكاد يستر شيئا ..


لقد أجبر أن تظل يداه  ممدودتين  إلى ما بين فخذيه  يتخذهما  حجابا ووكاء  يستتر به . لكن عزاءه  أن مختطفيه  لم  يتفطنوا  إلى  معاني الخزي  هذه التي استشعرها  هو في سره ، وليسوا  هم من ألبسه  الثوب النسوي  الشفاف ..

ولمس في لهجة  الفتى  مخاصمه  مسالمة  ولين جانب  وهو يخاطبه  بلهجة مظلوم  يريد أن  يأخذ حقه  من ظالمه  بالحسنى  وبالسبل القانونية ، وإن استعمل  طريقا فجا  وفظا  في الوصول إليه ، فقال بصوت  خافت  فيه  بعض اختبار  لنية  خاطفيه  الذين  انتزعوه  من بين أغصان  شجرة  الخلودبعد أن قتلوا  الأفعى  التي  استجار بها ،

وهو لا يريدهذه الفتاة  الساذجة  زوجة على الإطلاق:
ـ من أنت يا فتى  وماذا تعني؟.. 
إن مكرب  ألغى  بهاء من قلبه  ومن منطقة  شعوره  الواعي  بصفة مطلقة  ولكنه يتمسك  بها في شعوره  الباطن  وفي عقله  الذي  يربط العلة  بالمعلول  تمسك صاحب ملكية  بملكيته ، هي خطيبته  إذن ، وذلك شيء يخصه ، فهو  سيختصم  خوف  أن يطمع  الملك  في الزواج  بالرديفة  بعد  أن رقاها  بأمر  تعسفي  بعيدا  عن نادي الملإ إلى صف ملكة .. وليعرف  مقصد  الملك  العبري  من ملازمة  الرديفة  ليل نهار ،

قال:
ـ أنا مكرب ،   قائد  حرس رديفة القيلة ، وخطيبها  العلني ، أما ما أعني  فهو أني أنكر  عليك   تكرار حكاية  نعجة  تضاف إلى تسع وتسعين  نعجة .. وأنت  أيها  الملك  من يقول لي  بلسان الحال لا بلسان  المقال

"..أكفلنيها.."

مع أني  لست أخاك  لا في الملة  ولا في العلة  ولا في الغلة..
ـ تعني  بلقيس ملكة سبأ؟..
ـ أنت تقول  بلقيس الملكة ، ونحن نقول  بهاء القيس  رديفة القيلة .. هي خطيبتي ، وقد أردت أن تضمها إلى حريمك ، وفي حريمك  المئات  من الزوجات  دون الحديث  عن  الخليلات الإماء  لا التسع والتسعون زوجة  نعجة أنثى  كما كان  الشأن بالنسبة  إلى الحكاية التي  قضى فيها والدك  ببطلان  إضافة النعجة  للنعاج  التسع والتسعين ..

مع أن الأمر  كان يعني طلب غلق العدد  المائة  واستكمال  النصاب..
يتبع
ابو العباس برحايل

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 55 مشاهدة
نشرت فى 3 يناير 2014 بواسطة berhailbelabes

ساحة النقاش

أبو العباس برحايل

berhailbelabes
الموقع يقدم كل ما يتعلق بكتابات الأديب ابي العباس برحايل في ـ الرواية ـ الشعر ـ المقالة »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

28,968