...

 لم يكتف مكرب  بفسخ  عقد الخطبة  على بهاء القيس في معسكر الضيافة  ، أمام كوكبة الفرسان  ، بل آلى  على نفسه  منذ الليلة الأولى  من الوفادة  أن يصل  بنفسه إلى الملك  المتجدد الشباب  ليعرف  حقيقة ما ينوي  تجاه هذه الصبية  التي أنشأ لها  عرشا  وتوج رأسها  ملكة  على سبإ  قبل الأوان  وفي غير بلادها وسماها  بلقيس ، وكان عما نواه  العياف  وخطط له  في نفسه  في جهل مطبق وعمى مطلق .. وهاهي  بهاء  تستطيب العيش  في بيت  حرب وتستلذ المقام  بجوار الملك الشاعر  في منتجع دافيد  ولا تتصل مجرد اتصال  بالوفد ، إلا ما كان من رئيس  العيافين  الذي  ظل ينفلت إليها سرا  وعلانية ، ولكنه لا يحدث الوفد  عن مضمون  اتصالاته  بها ، وقد غادر إقامتها صاحب الألسنة  مبكرا  حين استغنت  ذات الساقين  عن خدماته  بالجملة  بعد أن نطق  الملك بلغة حِميرية  ركيكة، منضما  إلى معسكر  الوفد ، لكنه وجد  مخنوقا  في خيمته ، دون أن يدري أحد  كيف  خنق  ولا لماذا خنق ولا من قام بخنقه ، وإن كانت الشكوك  تحوم حول  رئيس العيافين  بتوكيل من بهاء  القيس  نفسها ، فالأمر  على كل حال  لا يتعلق  بإزهاق روح بشرية  بريئة ، بل يرتبط  بقطع  لسان ، ولم يكن  ثمة سبيل  من  لقطع اللسان  غير استلال  الروح  من بدن  صاحب هذا اللسان  المخيف .. إن صاحب الألسنة  يتجاوز أحيانا مهمته  التي هي  صناعة اللسان  إلى صناعة الآذان .. والأذن إن سمعت  مالا ينبغي  أن يسمع،  دفعت اللسان  إلى بث  ما سمعت ، وضخه ليسري  في كل الأسماع  كاللهب المستعر  في النخيل المنقعر..

 

راح مكرب من طرف خفي  يتقصى  مع بعض مؤيديه  من رجاله  المخلصين  مداخل  منتجع  مقلاع دافيد  وممرات  الصرح الممرد ،


ولم يكن ينوي شرا  حفاظا على أرواح  الوفد ، ولم يكن عددهم قليلا  ولا كانت مكانتهم في المملكة  هينة ،

وفي الليلة  الرابعة  أقبل مكرب  مع نفر  من  رجاله الفرسان  على تسور  المحراب  ومباغتة الملك  في منتجع دافيد  مقر إقامة ضيافة  الملكة .

. وبالفعل  سمع  الملك المتجدد الشباب  جلبة  حرسه  وصياحهم وفزعهم ، وقد تمكن  المتسورون  المقتحمون  للإقامة  الفارهة  من وضع السلاسل  في رقاب الحرس  الذين القوا السلاح  وقد أخذوا  على غرة ،

وأسلموا  الأيدي  من غير قتال  نتيجة المباغتة

 وقدموا للمتسورين كل المفاتيح  التي كانت بحوزتهم  تحت التهديد  بقطع الرقاب

فطفق  الملك  وكان عاريا  فلفق أحد أثواب  بهاء القيس  على بدنه  ووثب هاربا  ملقيا بنفسه  من شرفة  عالية  بقصر الضيافة  كما سيلقى  عما قريب  تمثاله الخزفي  من المكان نفسه

ورأى  نفسه يجري مستترا  بثوب نسائي  شفاف  لا يكاد يستر  منه عورته إلا بالكاد ..

كان يطلب النجاة لنفسه ، وقد فصل  عنه  حتى حرسه اللصيق  الواقفين  على باب الحجرة  المليئة بالأطايب والمسرات ..

يقتحم مكرب  الحجرة فلا يجد في الداخل  غير بلقيس  عارية  مثل أمها حواء  قبل أن تأكل  من شجرة  الخلد

، كانت بدورها  تجري  طائفة  تحت  أطياف  الشموع  البابلية  الملونة  في غير اتجاه  تحاول أن  تستر عورتها  وصدرها بأي قطعة من قماش ، وقد منعها  الرعب  الليلي  أن تجد أيا منها  مع أن  الأثواب  والأغطية  كانت مركومة أمامها  لكن الرعب أفقدها  الإدراك ، وصليل  السيوف  أعشى بصرها

فلم تعد ترى شيئا مما يجري حولهاأي شيء ..كالكابوس 

فألقى إليها الشاب مشفقا على حالتها  متبرعا  في تسامح فريد  بثوبها الذي  رفعت بطرفه  عن ساقيها  وهي تستعد  لخوض اللجة  ولا يوليها  اهتماما  في نفسه،

 وقد سقطت في عينه ، ووقر في نفسه  أنه  مسح  هذه الصبية  الشرهة إلى التبضع  من غير قومها  مسحا من قلبه  وعقله  قائلا:

ـ هاك  ثوبك .لقد تردد أنك  رفعت بطرف منه أمام اللجة  الصغرى  في الصرح  الممرد ، وأخجلك ذلك .. وها أنت  ترفعينه الليلة  كله  وتطوحين به بعيدا عن جسدك  أمام اللجة الكبرى  في أحضان الملك  من غير حياء.. وها أنت لا تختلفين عن أي فتاة من أولئك القيان  الراقصات المرسلات إلى معسكرنا للمتعة  المؤقتة  والمضاجعة العابرة..

 

ومضى ، فهو يريد  شخص الملك  قبل أن يفلت  وها هو  يلحق به  عبر  الشرفة العالية  ذاتها المطلة  على الحديقة  من جهة  وعلى الساحة  والصرح  الممرد من جهة أخرى ، ويمسك  به عند الشجرة الملتفة  الأغصان  الشهيرة  ؛ شجرة المعرفة  وانكشاف السوأة ؛ او شجرة الخلد  التي لاذ بها  محاولا الاختفاء  والاختباء  في  أغصانها  الكثيفة الورق  تحت جنح الظلام  مستجيرا  بالأفعى  الملتفة  في جذعها ، مخرجة رأسها  مثل رأس حربة  من بين أوراق الأغصان  منتصبا كالعود  تتحسس.. كان التفاح  الأحمر الطازج تحت نور القمر   مغريا إغراء لا يقاوم..


وكانت الأفعى الحارسة تفح فحيحا منكرا كأجراس  عديدة  من نحاس ..

تقول  الأسفار المنقوشة  في   شقوف ألواح الطين المنسوبة إلى موسى  : إن حواء  تجاهلت فحيح  الأفعى وأقدمت  على قطف التفاحة ، وأنشبت فيها  قواطع أسنانها  بجوع ونهم  غير مسبوق  قبل ان تضع  الجانب الثاني  منها في  فم آدم ، لينشب فيها  هو بدوره  قواطعه  بالروح الحماسية ذاتها  في وهج من الإقبال والافتراس .. وعلى فحيح  الأفعى  المهدد  المريع  المنساب  بين الجسدين  العاريين ،

وقد  التفت شفتاهما  حول التفاحة  في شغف هستيري  انكشف المخلوقان  المعتديان ،

وقد اختفت  التفاحة  حين قضما حشاشتها ،

وتوارت الأفعى  في حياء بين الأغصان  المبتلة ،

وطفقا يخصفان  عليهما من ورق  شجرة التين المجاورة ..

لقد خرجا توا  من طور الحياة الملائكية  التي ظلا عليها دهرا  في جو  من العيش هو الحياة الحق الكاملة   لا يحتاجان  فيه  إلى شيء ، ودخلا عصرا  جديدا  من عصر الإنسانية  بخيره وشره ، والذي  يحتاجان فيه  إلى السعي  والكدح  للحصول على أي شيء..

يتبع
أبو العباس برحايل 

 

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 95 مشاهدة
نشرت فى 1 يناير 2014 بواسطة berhailbelabes

ساحة النقاش

أبو العباس برحايل

berhailbelabes
الموقع يقدم كل ما يتعلق بكتابات الأديب ابي العباس برحايل في ـ الرواية ـ الشعر ـ المقالة »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

28,968