...

لكن المندوب طلب التوقيع باستلام الامانات ، وإذ رفض الوالد  الاستلام تقدمتُ  بأوراقي ووقعت .. لقد وقعت في تلك اللحظة  بأني  أوقع موافقا  على  مقتل  اخي غسان .. ولأول مرة  يتأثر بشار  وتغرورق عيناه  بالدمع  ويسكت  عن  مواصلة سرده .. بعد لأي ،  ألقى بشار  نظرة  على وجه أبيه  الأستاذ حيدرة  الذي  كان يخفيه تحت  كفه  ربما اتقاء  ان يضعف  فيبكي ،

ثم واصل  الحكاية وهو يبتلع  شهقته  وقد اصطنع التبسم  فيما مسح بيمناه دمعات  طفت إلى مأقيه ،

وقد استلذ لسانه الحكي  المسترسل ، واستعذب حسن استماع الجمهور  لأدائه المؤثر :


"... والدي من عادته  أنه لا  يكلمنا بلهجته الشامية  ولا يصرخ بها كما فعل  في وجه المندوب القطري  إلا حين يستولي  عليه الاستياء  الأهوج ، ويحتد به  الغضب الساطع  ويفقد سيطرته على أعصابه ؛ حينئذ يغدو شاميا  من فلاحي  ريفه الأشداء  الغلاظ!.."
وعلت الشفاه الجافة  بسمات حيية  رغم انف  المأتم . صمت برهة  ليتختلس النظر  إلى أبيه ثانية  المرتكن إلى صمت مطبق  والذي ظل  يغطي معظم  وجهه  بكفه  يختبره ، وأضاف  وقد ضمن  أن أباه  لا يريد  ان يقطع  صمته وأنه ينجر للحكي:

"... في البيت  رغم المناحة  التي أقامتها الأم الثكلى  في غسق الليل  واستقطبت الجيران ،

وشاركتها في النواح  الصبية المنكودة لمياء !.


لمياء  هي  كنتها المستقبلية  التي رفضها القدر ؛ أعني  عروس غسان  المترملة  قبل أن تلبس  الخاتم ،  والتي أقبلت  من أقصى المدينة  بأسرع من البرق  وقد نسيت  جلبابها  فجاءت في مئزر  الطبخ ولحاف أمها على رأسها  وقد تساقط على كاهلها ،

فتحنا  الحقيبة  المرقطة المشؤومة .. كانت رزمة الأمانات  مربوطة  في عناية  وإتقان  بشريط لاصق  أحمر ، يعلو الأمانات  مبلغ مالي  هو عبارة عن  عدد من أوراق الدولار الخضراء اللامعة  التي لم يتم  تداولها  بعد بالاستعمال  والابتذال ..


تحتها رسالة  تعزية  وسلوان  مزخرفة  في ورق حريري  الملمس  ملتمع الأحرف  مع إطار  مذهب  يحمل شهادة تمجد " البطل الشهيد" وتحتسبه  في جنة الخلد  في الصديقين،  من توقيع  أمير التنظيم  الجهادي ؛ أبي فرج  الإسهالي ،الرسالة  المزخرفة ، والإطار المذهب  يشهدان من  عباراتهما  المبطنة  بمقتل  غسان  انتحارا  بتفجير سيارة يقودها  ويصدم بها  مبنى حكوميا  تابعا لجهة أمنية  مركزية .. ثم مصحف  في صندوق أحمر من جوخ ، ثم شريط  فيديو  يتضمن بالصورة والصوت  رسالة  وداع  للشهيد البطل  على غرار  ما يفعله  المنتحرون  من أتباع بن لادن .. أما الأغراض  فتتعلق  بملابسه  من قمصان خليجية  وسراويل افغانية  وأخفاف  شنقيطية  مراكشية  مع جيب مزركش  فيه قطعة صابون  مستعملة  وأمشاط  ومرآة  يد صغيرة  وكحل  ومسك  وأعواد مسك .. هي أشياء كالحنوط..

 

 منعنا الوالد  منعا  صارما  من عرض الشريط  الذي يتحدث فيه  غسان ، وحاول إتلافه  لولا ان اختطفته من يديه .."

 وفجأة  ينبعث صوت  الأستاذ حيدرة ، ومن الجلي  أن  حكي ابنه  بشارة استفزه  هذه المرة ، وكان الظن  أن الأستاذ في حال  من الصوم  عن  الحديث  ومن الانهيار  والأسى والاكتئاب  مما لا يسمح له  حتى بتلفظ  كلمات يرد بها  على المعزين ، فما بالك بالحديث  المسترسل  عن خبر  الفتى الفقيد ..

قال يقاطع ابنه  بلهجة صاحية  لا تشوبها ذرة  من حزن ، وإن كان صوته  الحاد  مشحونا بالغضب  العميق ، وقد تحرر وجهه  الذي  كان يخفيه  بإحدى كفيه ، كأنما يتجنب فضيحة ما:

".. مهلا يا بشارة يا بني....

 

 

يتبع 

أبو العباس 

 

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 54 مشاهدة
نشرت فى 25 يناير 2014 بواسطة berhailbelabes

ساحة النقاش

أبو العباس برحايل

berhailbelabes
الموقع يقدم كل ما يتعلق بكتابات الأديب ابي العباس برحايل في ـ الرواية ـ الشعر ـ المقالة »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

28,967