...
هناك في القاعة الفريدة اختلت بلقيس بالملك ، وحين أرادت أن تستبقي صاحب الألسنة أعلمها بانه يعرف جميع ألسنة الإنسن والجن ، ولكنها ألحت على استبقاء الرجل ..
ورغم ذلك أشاعت عنها الألسن المهذارة في المدينة وفي مخيمات الوفد السبئي الضخم أنها باتت في أحضان الملك الشديد الولع بالأجنبيات فما بالك إذا تعلق الأمر بامرأة خارقة الجمال في مستوى بلقيس ملكة سبإ ذات ساقين من غبار النيازك الملتهبة ؛ ملك بلاد العرب السعيدة كما يزعم رجال البلاط الذين شاهدوها وهي تكشف عن ساقيها..
وأحدث النبأ الذي سرى كالنار في الهشيم ما يشبه الزلازل في مخيمات الوفد السبئي.
بل وانتشر في المدينة مزمور مدسوس يذكر صراحة قدمي الملكة الحافيتين وساقيها العاريتين ونسب مزمور الشعر كالعادة إلى الملك ولا أحد يدري مدى صحة تلك النسبة ؛ إذ أغلب المزامير الشائعة التي تنسب للملك هي مزامير شعبية مجهولة القائل يقول المزمور المنتشر:
"..يا من رأى برق ساقين من نيزك ولجين
هل هما سمراوان أم هما من أهداب العين؟
لا. دهشتي في انحسار ثوب القز في شهقة طين ..
في لحظة انفتاح البرعم عن لمسات نور الياسمين ..
أتدري يا غافل شهقة الأنثى الناعمة
في لحظة افتظاظ ثمرة التين؟..
يا لساقيك يا بلقيس المزهرين أمام بحيرة من إفك ومين..
أحقا كان ما زلزل صدري برق من جمال الفرقدين ؟
يا هارود.. من سحرتَأنت ؟.. ذات الساق أم ذات العين؟!.."
في الغد رافقها الملك بنفسه إلى الجناح الخاص بقدس الأقداس في الهيكل ، لتقف على التابوت الذي رتبت فيه بقايا الألواح المشقوقة الموروثة عن عهد موسى وأخيه هارون
وعلى مسمعها كرر الربي القائم على الجناح الأقدس قصة الخروج وانفلاق البحر وسنوات التيه الصعبة التي واجهت العبريين ..
وبدا للعيان أنها آمنت بفكرة شلمون التي أوحى له بها معد قيس عن نفسها حين نصبها ملكة
بل وآمنت به مقتنعة بدورها الجديد . وها هي لا تتكلم باعتبارها نائبة ملكة بل باعتبارها هي الملكة نفسها ،
وبناء على هذا الإيمان الجديد وبكل التحولات التي طرات على ذهنيتها وقلبها ؛ ألقت هناك في قاعة الكنيست المجاورة للقصر الممرد خطابا مؤثرا من تلقين العياف تقريبا ،
وقد أدخل فيه كثيرا من سجعاته .. صفق للخطاب المحبوك الربيون ذووالطاقيات الإبليسية اللاصقة بمفارق رؤوسهم مثل قمعان الفطر البري الأسود ،
ولوّح بالشكر كبار رجال الكيان الناشئ وتعالى التصفيق والصخب حين أعلنت بلقيس السبئية اعترافها الرسمي برب الجند والحرب وخضوعها لإرادة الشعب المختار بقيادة ملكه السماوي شلمون ،
وأثنت هي فيه ثناء كثيرا على الحب والسلام ،
وخرجت عن النص الذي لقنه لها العياف فذكرت أن استيراتيجيتها مع الملك شلمون سيرتكز على الحب وعلى السلام ـ والتهب الكنيستيون تصدية ومكاء لفكرة الحب هذه في العلاقات الدولية بين الممالك ،
فهم عهدوا الحب غراما وصلاة من الرجال يغوون به النساء ، وكلاما منمقا يحكبه الذكران أحبولات ناعمات لصيد الحسان الجميلات الغريرات كما ترسم ذلك بكثير من التفاصيل الخلابة تلك المزامير الشهيرة المنتشرة في المدينة ـ
وتمنت أن تسود العلاقات القائمة على حسن الجوار بين الامم ، ودعت الكيان والملك المتجدد الرشيد إلى الرفق ببقايا النمل والصراصير بوطئهم وطئا رفيقا ناعما ، وإعطائهم شيئا من حقهم في العيش والبقاء على قيد الحياة ..
دون أن تجرؤ على ذكر حقهم في العودة إلى ديارهم المسلوبة وممارسة حقوقهم كافة فوق أرضهم المنهوبة على قدم المساواة مع المستوطنين العبريين الغرباء عن البلد .
.يتبع
أبو العباس برحايل


ساحة النقاش