...
ومرة أخرى أجبرت الرديفة الملك على البقاء في هيئة المستمع لهذه المرأة الذليلة التي أرادت أن تسترجع كبرياءها وتستعيد كرامتها التي ديست منذ قليل
وهي ترفع ثوبها الأحمر الاملس عن ساقيها السمراوين اللامعين الملتهبين ..
ـ هو يشبه عرش القيلة ولكنه لا يشبه كرسي رديفة القيلة ..
لقد جعلتموني أيها الملك بهذا العرش ؛ وبتاجه وصولجانه ملكة /قيلة.. إن عرش الملكة/القيلة لا يتبوأه إلا ملكة قيلة
وطوحت كلمة بهاء القيس بكل دهاء الملك الذي كان يعتقده في نفسه وسأل مستغربا وبدا في صورة المغدور الجاهل الذي هو آخر من يعلم :
ـ أولست الملكة مجقيس؟..
وتقدم العياف معدقيس ليجيب الملك في حالة تملق واضحة وفضول قبيح
لو كان مع ملك ذكر وليس أنثى لصفعه عليه ، لكن النساء بأنوثتهن الرقيقة يشفقن على الأتباع ويتجاوزن عن مثل هذه الصغائر وهذا الفضول, قال :
ـ كلا .. أيها الملك المعظم .. إنها بهاء القيس أخت القيلة المتعالية كالسهى مجد قيس صاحبة العرش في سابوم ورديفة لها في مأرب..
ـ تقول إنها بهل...بلقيس لا مجقيس؟..
أمرت رديفة القيلة العياف بأدب ووقار ألا يتحدث باسمها وبلسانها بعد الان
وردت على الملك بلهجته مختصرة للإسمين :
ـ أجل .. أنا الرديفة بلــــقيس لا القيلة مجـــــقيس ..
لقد كان التحضير للزيارة قد بني على أساس ثابت مكين وهو أن بيت حرب اورشليم سوف يستقبل ملكة سبإ ، فإذا هي لا تأتي وتكتفي بأن تبعث برديفتها .. إن الاتفاقيات معها سوف تكون هشة وأقل شرعية وقد تلغى مالم تصادق عليها القيلة ..
وعلى سبيل التثبت دعا الملك بهَدد او بالهدهد بالأحرى ليحضر فورا
حتى يدلي بشهادته في صحة ما تقول هذه المرأة باعتباره العبري الوحيد الذي وقف أمام قيلة سبأ في بلاطها وشاهدها عينا بعين على عرشها
ولم يدم الحال لحظات حتى برز هدد في هيئته المعتادة التي لا يريد التخلي عنها ؛ هيئة الهدهد بجناحيه الكبيرين وتاجه الريشي الناجم الصاعد نحو السماء ..
لقد كان بجوار العالم الساحر مارود وهو يصوب بمساعدة العمال مراياه السحرية المخادعة إلى اللجة المزعومة ، ويساعد في هدهدتها بحركات متواترة مدروسة ، فأكد في مراوغة تدعو للسخرية أن هذه المرأة هي نفسها الملكة سوى أنها تبدو أصغر قليلا ومحياها أشد نضارة وصباحة وبطنها أشد ضمورا .. فصاح فيه الملك المحتقن غيظا محنقا:
ـ وفر عليّ فضولك يا أعور.. لأذبحنك إن لم تجب ..هي الملكة بجلدتها أم ليست هي ؟..
قل ولا تثرثر تلك الثرثرة التي لا ساحل لها ، وافرِ في الأمر فريا ..
ـ كأنها هي.. مثل العرش ؛ كأنه هو.. لقد لفقنا للملكة السبئية عرشا شبيها بعرشها ، وأرسلت لنا هي بدورها شبيهتها واحتفظت بنفسها لنفسها....
ـ يا لك من ثعلب مراوغ يا أعور . تلبس القناع لتخفي عورك وتتكلم بألفاظ مقنعة..
وعندئذ وقد تأكد الملك ووقر في نفسه أن الملكة هناك في سبإ تفكر وتمكر كما يفكر هو ويمكر ، اضطر أن يقرر بنفسه أن يحدد من تكون هذه المرأة المتربعة على العرش الذي قلدته الجِنة؛
الفنيون البابليون تقليدا محكما وفق الوصف الدقيق الذي قدمه السفير هدد عن عرش قيلة سبإ باعتباره مثل هذا العرش المجسد أمام الملإ،
فرغم أنه تقليد فذ للعرش الاصلي لقيلة سبأ ، لكنه في النهاية ليس هو في ذاته وكيانه ..
ووسط هذه الفوضى والتردد ، تدخل العياف ثانية رغم أنف الرديفة التي تجاوز سلطتها ،
وطلب من الملك خلوة للحظات ، فلديه اقتراح لتسوية الوضع المشكل ، ولم يسع الملك إلا أن يقبل ، واختلى به مع صاحب الألسنة جانبا رغم نظرات بهاء القيس الشزراء التي ظلت تتبع العياف المتجاوز لصلاحياته ولحدود وظيفته التي هي تزويد الرديفة بالمعلومات في الأوان المناسب ..
لقد حانت الفرصة للعياف معدقيس لكي يضع خطته موضع التنفيذ بالتآمر مع ملك أجنبي ... ويعود المختليان إلى المجلس بعد برهة ،
ليقول الملك مقررا ما توصل إليه مع العياف المتواطئ:
ـ أنت بلقيس.. وانت وحدك منذ الان ملكة سبأ ..
لقد دعوت الملكة ولم أدع رديفتها ولكل أن يتحمل نتيجة اختياراته .. على السبئيين في بلاد العرب السعيدة
أن يعتبروا ملكتهم من هذه اللحظة هي هذه البلقيس ولا ملكة لهم سواها
ثم اضاف مخاطبا العياف القياف
,, ما تقول أيها العياف معقيس؛ صاحب الرؤى الثاقبة الصائبة؟..
ـ عين الصواب ما قررته انت أيها الملك المهيب.
ولك يا أيتها الماجدة بهاء القيس أن تقبلي ، وتتركي بقية الشأن علي لتسويته مع أختك مجدقيس .. وسترين أن كل شيء لمصلحتك ولمصلحة مملكة سبإ ..
إن مجد قيس أختك غير الشقيقة لن تمس بسوء..
سارت بهاء القيس ، أو بلقيس بالأحرى كما يصر الملك العبري على مخاطبتها موجزا اسمها ، إلى مقر ضيافتها بجوار الهيكل بعد ان تركها تتشاور ساعة مع العياف في هذا الشأن الجديد الذي يعني تنزيل مجد قيس غيابيا من العرش ..
كان المقر الميمون الذي قادها إليه الملك في أبهة يدعى بضيافة منتجع مقلاع دافيد .. والعامة تسميه منتجع دافيد اختصارا وفق عادة العامة في تشويه التسميات ..
طلبت بلقيس من الملك أن يتشرف إلى الساحة العامة لتلقي الهدايا النفيسة التي جلبتها معها ، لكنه وهو على أشد ما يكون تلهفا للاختلاء بها ، وتلك أكبر هدية يتلقاها ، اكتفى بأن جرها إلى شرفة عالية لإلقاء نظرة على النفائس من خلال تلك الشرفة
، وإذ سقطت عيناه على الفتيات السمراوات الحسناوات وهن يقمن بأداء أهازيج جماعية ندية الأصوات والأجراس ، مع حركات راقصة توافق الإيقاع الذي يطلقه صف الفتيان الخصيان من الدفوف والمزامير ؛ سر سرورا بالغا وعرف مقدار السعادة التي تنتظره في اجتماعه بأولئك الحسان الشبهانيات المتفردات .. ولم يطل به المقام في الشرفة الملكية التي ستنوء يوما بتمثاله بدل بدنه عائدا بالضيفة إلى القاعة
التي هيئت في شكل مخدع الأزواج للاضطجاع ، وهو ما نفرت منه الضيفة في البداية ؛ ورأته من سوء الذوق وقلة الأدب معها ،
لكن العياف الماسك بأعنة المعلومات الاستشرافية كان يلقي في أذنها بهمس القوادين برناته الداعرة :
ـ ".. إن طلب منك الملك اللبن والدر..
في هذا السرير الفاره الثر
ألقميه من صدرك الثدي الحر..


ساحة النقاش