....
وبتصريح الملك المتعالي ، أعطى العالمان الساحران المهندسان هارود ومارود ومعهما السفير هدد الإشارة لجيش العملة للتوقف عن إرسال أشعة ضوء الشمس التي كانت تنبعث من مرايا في زوايا خفية من الصرح ، فتسقط تلك الأشعة الراجفة على سطح أرضية القاعة التي رصفت بألواح عملاقة من الزجاج الضارب إلى الزرقة ،
إنها ألواح مستوردة من بابل بتدبير من هارود ومارود ، فتنعكس تلك الأشعة على سطح القاعة في شكل مويجات ناعسة لطيفة ويتوهم الرائي وقد خدع بصره بأنه يقف تلقاء لجة من ماء يتموج ناعما يغريه على بسط قدمه إليه للتبرد والترطيب والاستجمام .. ترجم صاحب الأسنة في مملكة سبإ المرافق لبهاء القيس ما لفظ به الملك الداهية وقد ادركت أرضية القاعة الصلبة الان بمجرد ان تلقت أذناها الجملة الملكية الشارحة ، فهي أرضية براقة لكن من غير تلك التموجات التي كانت تتراقص أمام ناظرها منذ حين ،
لكنها لا تعلم ان العالمين البابليين من وراء ستار هما اللذان أوقفا إرسال الضوء الذي يحدث تلك التموجات الوهمية وانهما وراء ذلك السحر الذي وقعت فيه عيناها وشوش عليها مداركها ..
تركت طرف الثوب الأحمر الناعم ينزلق من جديد من على ركبتيها الضاحكتين ويتساقط على الساقين البازغتين من جديد ، وتغطي وجهها بجمع كفيها مثل أي فتاة حيية ،
وقد غرقت في بحر لجي من الخجل والافتضاح بسبب جهالتها وقلة حيلتها ..
ثم ما لبثت ان نفضت رأسها كما ينتفض الكائن من ماء تغشاه فجاة وعلاه وبلله واستحم به ،
فهو يتخلص منه بتلك الانتفاضة..
واستردت جاشها ، فانحنت بقامتها وأسرعت إلى زوج حذائها تلبسهما بخفة وتربط السيور بنفسها رافضة يد المساعدة التي حاول العياف معدقيس أن يقدمها لها هامسة
"...إليك عني يا أحمق .. لقد انفضحت وأغرقنا بلدنا سبأ في لجة موهومة من سراب بقيعة ، وانتهى الأمر .."
لم تكن تتوقع قط انها ستكون في حاجة لوصيفة في مثل هذا المقلب الذي
لم يكن في الحسبان لتعينها على ربط سيور حذائها المطرزين بخيوط مذهبة من التوشيح اليماني البديع..
ولما سكت عن الصرح الصخب المدوي ،
وتكاسل التصفيق الراعد وكبت الضحك المستهتر ؛ اشار الملك السعيد الظافر من طرف صولجانه إليها مبتسما مشفقا: "أن هلمي.."
تقدمت رديفة القيلة نحو الملك الواسع الحيلة والدهاء ،
تقرع بدسر حذائها البلاط البراق ،
فتردد جنبات الصرح إيقاع الخطوات في أصداء مهيبة كأن أوتار آلة موسيقى تهتز من يد تتقن فن التنغيم الجليل
فيما ظل رفاقها مسمرين عند حافة اللجة لا يتجاوزونها
إلا ما كان من العياف الفضولي على يمينها ومن صاحب الألسنة على شمالها ،
ولكنها وهي تقطع أرضية اللجة المتخيلة لم تستطع ان ترفع في وجه مستقبلها هامتها في الحال ، وإذ ذاك رأت محياها المحمر خجلا منعكسا مع سطح الأرضية في القوارير الممردة تحت قدميها،
ورأت الذل والضعة وقلة الحيلة تحدو بها
رغم صخب إيقاع خطوها ،
وإذ وقفت هي قريبا من قدمي الملك الذي ظل متربعا على كرسيه ، إمعانا في التكبر وإظهارا لعظمة مملكته ومكانته ، فيما الوصيفتان المقتنيتان من رقيق مصر العليا المتأنقتان رغم سواد بشرتهما ما برحتا من خلف الكرسي الملكي يهدهدانه بنسمات منبعثة من
مروحتين عظيمتين منسوجتين من سعف النخيل
المستورد من واحة يثرب..
قال بصوت ينم عن نية اختبار ، وهو يشير إلى العرش الذي كان بجانبه والذي كان رغم فخامته اقل علوا من الكرسي المكولس بخشب أرز لبنان الذي يتربع عليه :
ـ أهكذا عرشك؟..
فألقت على العرش نظرة فاحصة ، ثم ارتمت فيه من غير استئذان ولبست التاج الملحق به ،
وأخذت الصولجان وأشارت به نحو الأسدين الذين ينتهي بهما مسندا العرش ،
وأومأت إلى صاحب الألسنة ليتقدم حتى يترجم لها سؤال الملك
وقالت بحال من الازدراء والدهشة المندمجين حين فهمتوها قد ألبسها الجلوس في دوح العرش جرأة وكساها ثقة بالنفس :
ـ كأنه هو..
ثم أضافت متراجعة بعد أن أخذت نفسا لتسترد جأشها أكثر وتتخلص أخيرا من الارتباك الذي لازمها مذ أن وضعت قدمها في هذا الصرح المستمد من فن البناء البابلي المنمق :
ـ لكنه بالتاكيد ليس هو..
ورفع إليها الملك عينين منتفختين يملؤهما سؤالا واستغرابا دون أن ينبس ببنت شفة لما تعنيه من أنه ".. ليس هو" فقد طلب في المناقصة العلنية الشهيرة ان يكون مماثلا تماما للعرش الذي في سابوم حتى يشعر الملكة السبإية بانها وهي في هذا الصرح تتبوأ عرشها الفعلي الذي ألفته هناك في مملكتها فقالت بثقة:
ـ مادة العرش في سابوم من الصندل وهو أكرم وأثمن ، وهذا من أرز .. ثم إن فيه عيوبا أساسية..
يتبع
أبو العباس برحايل


ساحة النقاش