....
ألقت بهاء القيس نظرات عجلى حائرة في كل ركن واتجاه ، تبحث في سرها عن ممر للعبور قصد الوصول إلى الملك المتشامخ هناك في الصدارة ، واضطرت في حيرتها أن تستشير همسا أحد الأفراد الذي كان ملازما لها يكاد يلتصق بها
وهو كبير العرافين
مرافقها الأول المعول عليه في إمدادها بالمعلومات الصائبة في الحين والأوان ،
ولكن العياف القياف معدقيس اكتفى بأن قال هامسا بدوره في اضطراب غير معهود عنه وقد خانته عيافته وقيافته وإن لم يخنه لسانه رغم انه فرح في دخيلة نفسه ؛ إذ علم أن بهاءالقيس رديفة القيلة وقعت في شرك المصيدة ، وهذا ما يسمح له ببدء تنفيذ المخطط الذي رسمه في دخيلة نفسه:
في هذه اللجة كيد وشر ..
احذري من كل ماء ثرّ..
يجري بشرر كالدر..
كأنه عينا هر..
لكن في المآل لك عندي أمان وسرّ.."
فردت عليه بهاء القيس في احتقار واشمئزاز واستخفاف وقد يئست من أن تستمد منه نصحا عمليا يخلصها من الموقف الحرج قائلة وهي
تشمر عن ساقيها كليهما إلى أعلى الركبتين ، بعد أن فكت سيور زوج حذائها البراق وأخذتهما بيد ، تستعد لتخوض اللجة التي ما انفكت تتحرك أمامها مدا وجزرا ، نحو الملك الماكر المتجدد الشباب في الضفة الأخرى مشمخرا تحت مقلاع والده:
ـ لا تحسن يا معدقيس غير صوغ الألفاظ في أسجاع قارعة لأذن ، ومن المعنى فارغة لا تزيد القلب شيئا من فهم او علم..
وهمت أن تضع قدمها اليمنى في اللجة المتموجة، وإذ ذاك اهتز الصرح الممرد بالقهقهات الصاخبة وبالتصفيق المدوي . كما يصنع المطوفون بأوثانهم تصدية ومكاء..
جمدت على صورة فريدة لحظات متطاولة بدت دهرا ، وقد ظنت أن ذلك كان تشجيعا لها في خوض اللجة ، وقد ألفت التصفيق في بلدها لكل حركة تصدر من الاقيال سواء كانت حركة صائبة ام خبط عشواء خائبة.. كان الوضع فريدا لا يتكرر . بدت ساقاها السمراوان الصقيلتان كالعاج المنور ، وهي ترفع بإحدى يديها في سذاجة وحياء بزوج حذائها وباليد الأخرى تمسك مشمرة بطرف ثوبها الأحمر المنسوج في صنعاء من القز الصافي
.. إن الشاعر الموهوب سيجد في هذا المشهد الفذ ينابيع من الجمال الأخاذ المدوخ ، وأنهارا من الدهشة الفائقة التي تلهمه عشرات القصائد الممجدة للجمال الملكي القاهر ، وعشرات المزامير الصادحة بأعذب الألحان وأبكر المعاني وأبدع الصور وأمتع الطرف ..
وإذا كان الملك شاعرا كما يشاع فإن المزامير ستنثال كالماء الرقراق من شفتيه في حق هاتين الساقين المجيدتين
الخالبين لألباب كل من رآهما وقد شمر عنهما الثوب الأحمر اللطيف المتثائب وانحسر ساعة للناس في تثاؤب الناعسين ثم انهدل منعما وانسدل متهاديا كطليعة السيل الغامر في نهر عميق المجرى بعيد المصب
قال الملك الداهية المتجدد الشباب باسما بسمة التشهي والظفر والحبور ، وقد رأى القيلة في ترددها الآبه واضطرابها المدهش ، وهي تتحفز وعلى أهبة خوض غمار اللجة المتماوجة على وقع القهقهات المتعالية والتصفيقات الصاخبة غير المفهومة القصد بالنسبة إليها:
ـ إنه صرح ممرد من قوارير..
يتبع
أبو العباس برحايل


ساحة النقاش