.....
كان يوم وصول بهاء القيس لبيت حرب يوما مشهودا رغم أنه صادف يوم السبت الذي هو يوم الراحة الأسبوعية لرب الجند والحرب ،
وكان الظن السائد بل اليقين الثابت لدى ملك العبريين والربيين وسائر الطير والمستوطنين والعملة والفنيين من جن الفنيقيين والبابليين ،وحتى بقايا النمل والصراصير الخانعين أن الزائرة المنتظرة هي قيلة مملكة سبأ بشحمها ولحمها..
حفت الطير العقبان الممتطية للصافنات الجياد المجللة المسروجة ، يتقدمهم الجند المشاة بتروسهم وخوذاتهم ورماحهم صفوفا متراصة في الطريق العريض الذي ستسلكه القيلة مع موكبها الجليل الذي انفصل الان عن مجموعة القافلة التجارية العظيمة
وتراصت على جانبي الطريق الذي يشق ربى ووهادا على أميال من باب بيت حرب ليس تعظيما للقيلة الزائرة واحتفاء بالضيفة فحسب بل استعراضا للقوة الغاشمة الضاربة وبثا للرعب والرهبة فيها وفي موكبها الحافل بالفتيان الفرسان من جهة خفية ..
اما القافلة التجارية فعليها أن تدفع الرسوم لهذه السلطة الجديدة في هذا البلد الذي كان قبل اليوم تحت حكم العمالقة مزدهرا سعيدا ، وكانت التجارة فيه رائجة ، اما اليوم فلا يعرض هؤلاء المستوطنون الجدد في المبادلات غير الشحوم النتنة لذا على القافلة ان تمضي نحو قرى الشمال ..
بمدخل المدينة لدى الأقواس السداسية الأضلاع المحاكية للخاتم الملكي التي أقيمت حديثا ترجلت القيلة
وتقدم فوج من بنات المدينة المستوطنات المجندات المشمرات يحتفين بها ، وتقدم لها كبراهن زيت قدس الأقداس الملكي ترشه بين يديها وقدميها قريبا من حذائها الذهبي لتطأه وطء احتفال واستهلال دخول، وقدمت لها تذوقا للملح العبري الملتقط من ظفاف البحر القاتل للحياة مدسوسا في كسرة خبز شعبي من دقيق الدخن المستورد مغموسة في المن الحار المجلوب من جبل سينين..
سار الموكب على هذا النحو من الاحتفاء والاحتفال حتى بلغ الصرح الممرد ، فوطئت الرديفة البساط الشرفي اللازوردي المحفوف بصفوف من الحرس بدروعهم الجلدية الغليظة وتروسهم وخوذاتهم الحديدية البراقة ورماحهم الشبهانية الداكنة ، ذلك البساط الممدد الذي بلغ بها في آخر المسار ضفة اللجة السحرية .. أجل اللجة ، وأين؟..داخل الصرح؟.. يا للعظمة ويا للفخامة .. لجة براقة عجيبة داخل قبة الصرح العملاقة .. إنها بحيرة أو بركة كانت تتعاورها مويجات متللئة في حركة مد وجزر أخاذة وقد حفت باللجة المدهشة مقاعد حديثة ، لاتزال رائحة أرز لبنان تنبعث منها .. يجلس عليها في صلف باد للعيان الربيون والأحبار بطاقياتهم البالغة القذارة البالغة الصغر اللاصقة على مفارق رؤوسهم كأعشاش الطيور الصغيرة مقلوبة تخفي في جماجم رؤوسهم عنصرية واستعلاء تجاه الغوييم الأميين عموما وإزاء النمال /الصراصير في هذه الرقعة خصوصا .. عنصرية لا يسعها الكون كله ، وسوالفهم الطويلة المنبعثة في التواء الأفاعي من أصداغ آذانهم .. وإلى جانبهم شخصيات الكيان شبه المدنية والعسكرية ، وبين يدي كل أحد من هؤلاء وأولئك من الصف الأول الشمعدان الدافيدي ركبت فيه دهون الشموع المستخلص من الشحم المحرم تحسبا للأيقاد حين تلقي غرابيب الليل بأجنحتها السود العملاقة .. وفي الطرف الأقصى من اللجة البراقة قبالتها مباشرة أو في ضفة البحيرة المقابلة لها بالأحرى يتربع الملك العبري المتجدد الشباب ـ كما يرغب ان تدعوه رعيته ـ على كرسيه المسحور المبهور في تعاظم مفتعل وتشامخ مصطنع ،
ويضع على رأسه تاجا ذهبيا في شكل بيضوي مستورد في هيئته ومادته من بلاد آشور ،
يضيق التاج على جبهته المنكمشة بشريط أزرق يشد جلدة سمراء لامعة ، ثم يتسع بعد ذلك منتفخا مستطيلا لينتهي في شكل قبة ، فيما تسترسل شعرات متموجة غير كثيفة من منابت خديه ولحييه إلى صدره
وقد بولغ في دهنها وصبغها بما يخفي المشيب وتسريحها فتبدو رغم كثاثتها التي تشبه كثاثة لحى ملوك مملكة أكسوم براقة من بعيد .
وبجواره على اليمين شيد العرش الذي روعي في إقامته ان يكون مشابها لعرش القيلة مجد قيس الذي رآه السفير هدد واندهش له واعجب به في مدينة سابوم ..
وهناك في عرض الجدار فوق رأس الملك علق على وتد من ذهب ذلك المقلاع التاريخي الشهير المزعوم الذي أسس به دافيد هذه المملكة الغريبة.


ساحة النقاش