...
     في البدء، حين اقترح هدد  غزو بلاد العرب  السعيدة  لم يكن للربي  صمويل  والملك شلمون  من نية  في دعوة القيلة  السبئية  سوى  نية إضفاء  الشرعية الدولية  على المملكة الناشئة  من خلال  زيارة  ملكة أجنبية  تحكم مملكة  راسخة في الدنيا  إلى الكيان الناشئ بهيكله الديني العظيم ، مع أن الأشغال  فيه  لم تكتمل تماما ، ويبدوأنها لن تكتمل  أبدا  بسبب كثرة التعديلات  التي أدخلت  على المعبد السابق  الذي هو  أصل الهيكل  والإضافات  المستحدثة ،

والقصد  من تلك التعديلات  لم يكن  محو آثار  العبادات الوثنية  وما تستوجبه  من طقوس  وتماثيل  وأشكال ومذابح  بل القصد الخفي  البعيد هو أن تطمس  نهائيا معالم  شخصية  الأهالي  وآثارهم  ،

بمحو هوية  أصحاب  ذلك المعبد  السابق  الذي كان يعبد  فيه آلهة  كثيرة  بحرية  وتسامح  وتكامل  دون تفريق أو تمييز أو استعلاء : منها للكنعانيين  والفلستيين  مثل الآلهة  بعل  وأدونيس  وعشتروت ،

وقد  كانت القرابين  تقدم  لها في مذبح  واحد .

ولكن  الرجلين  طورا فكرتهما  عن زيارة  ملكة سبإ لتكون تاريخية  لا يتم فيها الاعتراف  بالمملكة العبرية  الناشئة  فحسب ، بل ويتعداه  إلى إجبار  مملكة  سبإ  العتيدة التي  لا تحكمها سوى امرأة  على الخضوع لسلطان  رب الجنود ، ولم  لا تغيير  عبادة إله الأشعة  قيس  بعبادة  رب الجند  يهوه ..

وكانت الفرصة  سانحة بفضل  وجود العياف  الماسك  برأس  المعلومات السرية  عن المملكة  وصاحب الخطط والمطامح الشخصية  في الوفد..


كلف شلمون  جنه وعفاريته  وغيرهم من الفنيين  الفنيقيين  والبابليين  بتجهيز  الصرح الممرد  الذي سوف يستقبل  فيه قيلة  سبإ تجهيزا   مدهشا ما رأته  عين إنسي   وهي تستجلي  عجائب الأرض ،


ولا سمعت  به أذن  جني  وهي  تسترق  السمع  من فم  السماء ..

وطلب من هارود  ومارود  الخبيرين  العالميين  اللذين  لا يضاهيهما  أحد  في الحيل الهندسية  التي  تفسر شعبيا  على أنها حيل سحرية  أن يستحدثا  في داخل الصرح الممرد مكرا  مبينا  من فنون السحر ، وحيلا  خادعة  تكسر  كبرياء  ملكة سبأ  وتشعرها بجهالتها  الجهلاء ، وقلة زاد  مملكتها  من فنون الحضارة  والعمران

 وأن تحس الملكة  بهوانها  وقلة  حيلة قومها  وتفاهة  شأن مملكتها  وضآلة  كل ما تحت  يدها

 وبأن يغمرها شعور  عال وعات  بأن ملك  العبريين  رغم  حداثة  مملكتهم  يعلوها  في العمران بمراحل  ويسمو عليها بأشواط ،

وأنه لابد  أن تتكشف  الملكة  أمامه عن عقلية  بدائية  وتنفضح  بأن تسلك  في حضرته  وفي حضرة  رجال الكيان  العبري  الناشيء  مسلك البدائيين  المشين ، وتسقط  حياء ؛

حياء  افتضاح وخزي وحب والرغبة في الاختفاء والتلاشي لا حياء فضل وخلق كريم وكرامة ،

وتخر الملكة أخيرا   ذلا ، وتنهزم أمامه  منكسرة البال  قبل أن تصل  إلى كرسيه  وتبادر  مستسلمة  في انبهار ؛

معتذرة  من غير شروط  ؛

فيتحقق بذلك  الاعتراف المأمول من غير  مفاوضة  بمملكة العبريين  في بيت السلام  المغتصبة وما حولها  من القرى المسروقة  من شعب النمل  والصراصير؛ أهلها الأصليين ..  ذلك أن أساس  الملك  الذي  تأسست عليه هذه المملكة  الفريدة  الناشز  ليس هو العدل  كما يردد البلهاء  الحالمون  وكما يزعم  الكسالى المتخلفون  وكما يتمنى  الضعفاء الجامدون  في كل زمان  من غير فهم  أو إدراك لأصول  الحقائق وجواهرها ؛  اساس  الملك هو التشييد  والعمران  والقوة والرخاء  عن تخطيط  وتصميم  وعلم ونظر ؛ فحيثما  توافر المشيد  وانبعث حثيثا حثيثا ؛ واتصل العمران وتعالى ، وعم  الرخاء وتطاول  المدد وأسند ذلك كله  بجيش متفوق  على سائر الجيوش المحيطة  ؛ جيش يحمي  الثغور ، ويبطش بالطامعين ،

ويوسع  من حدود المملكة كلما  صادف ثغرة مكشوفة ..

أجل ، قوة  البناء والعمران  والضرب الوجع  على القفا  لمن ينوي  مجرد نية  أن يجنح  إلى الاحتجاج على الظلم ، وقد انبثق  كل ذلك  عن سابق تصور  وتصميم  وعلم  واستشراف ..

ذلك  هو أساس  كل دولة جدير بالاسم..

 

طلب  الملك المتجدد الشباب  من الرسول هدد المهادن له  أن يقدم  وصفا  دقيقا  للخبراء  عن عرش ملكة سبإ  حتى يتم  تقليده  في بنائه

وأعلن  عن مناقصة  لتشييد العرش السبئي  بجوار  كرسيه  في الصرح الممرد ، وتقدم  مقاولون  دوليون  من ممالك  أخرى  موجودون  في عين المكان ،

يقدمون  عروضهم  في  إنجاز  العرض في وقت قصير  قياسي  بحيث يكون جاهزا قبل أن تصل قافلة  المملكة  إلى تخوم  المدينة ، فقال  المقاول  الفنيقي  مبالغا  مبالغة  سخر منها  الربي صمويل ، وكأنه ليس  من البشر  بل هو عفريت من الجن:
ـ أنا آتيك به  قبل أن تقوم من مقامك..
وأضاف يؤكد  أنه فضلا  عن السرعة  في الإنجاز  سوف  ينفذ  التصميم  بتمكن ودقة  وأمانة  ومن غير غش  أو تحايل  في مواد البناء ، وقد  انتفخ  بقول الربي  الساخر  بأنه يتكلم  بثقة زائدة ، وكأنه  عفريت من الجن لا يختلف  عنه في شيء:
ـ  وإني عليه لقوي أمين..
واغتاظ  المقاول
البابلي  من هذه المنافسة  غير الشريفة  فقال وهو من  هو في  العلم  والخبرة  بالمنشآت الهندسية  والتصاميم والتنفيذ  السريع ، بل  واستيقظت فيه روح القومية  البابلية  الوافرة الرخاء  بمعجزة البرج  المتألق  بحدائقه  المعلقة المدهشة ، وكان لا بد أن يقدم عرضا  يتفوق فيه  العلم التطبيقي  البابلي  على العلم التطبيقي الفنيقي:
ـ أنا آتيك به قبل ان يرتد إليك طرفك..
 وصعق  المقاول الفنيقي  بهذا العرض  المتناهي السرعة  في التنفيذ  منسحبا خائبا،  ورست الصفقة  من جديد  على مارود ، المقاول البابلي  شريك المهندس  الفذ  هارود ، الذي يتولى  الآن الإشراف  على إنجاز  بعض جوانب الصرح الممرد ، وخصوصا اللجة  والمرايا العاكسة  التي تجعل  انعكاس  الضوء  كما لو كان تموجا  مائيا ساحرا . لكن إنجاز العرش  السبئي لم يتحقق  لا في لحظات كما زعم المقاول الفنيقي  ولا في زمن  رمشة عين  كما ادعى المهندس العالمي  مارود ، بل استغرق  بناؤه زمن رحلة  الملكة  من  سابوم  في سبإ  إلى بيت  حرب  بسبب أن مواد  الإنجاز  كان يجب أن تستورد  من بابل .. وكان الانتهاء  من الإنجاز  قبل وصول الملكة بالنيابة  معجزة  في السرعة

وقد  ارتاح  لذلك  الملك شلمون  وكافأ عليه مارود  ورفيقه هارود  بالإقامة  في  جناح لصيق  بالحريم  يتهادى فيه  قطيع من الحسان  الحور العين  رافلات  في قز صنعاء الأخضر  وجوخ صيدون الرجواني  البديع..

يتبع 
ابو العباس برحايل

 

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 57 مشاهدة
نشرت فى 15 ديسمبر 2013 بواسطة berhailbelabes

ساحة النقاش

أبو العباس برحايل

berhailbelabes
الموقع يقدم كل ما يتعلق بكتابات الأديب ابي العباس برحايل في ـ الرواية ـ الشعر ـ المقالة »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

28,968