جارى التحميل
استخدم زر ESC أو رجوع للعودة
...
أراد المحامي أن يسحب يده العجينية اللزجة السائلة من يد الساحرة الكاوية الصاهرة للمعادن ، فإذا يده لا تطاوعه وكأنها ليست يده هو ، فلم يستطع وحاول مرة ومرة أن يصرخ فلم يقدر أيضا .. وبعد لحظات طويلة من الجهد ومن تجييش القوى من أجل أن يتحرك أو ينطق سالت روحه العيية في فضاء القاعة مع دخان البخور المتكاثف ، وتماهى بدنه كله كالعجينة السائلة المتطاولة على الطاولة التي تمددت الآن من جديد وأرمت كالمطاط الذائب واستطالت بعد أن تقلصت وأكرت وعادت الطاولة إلى أصلها الأول لكنه هو لم يعد لأصله
.. لقد ظلت يده العجينية السائلة المتطاولة في يد الساحرة دون أن يتمكن من فعل شيء ..
ومن غير أن يتأكد أحد من مصدر الصوت الراجف سمعت القاعة كلمة كأنما تصدر من المحامي آلفونسو رغما عنه:
ـ أفعلُ.. أفعل يا سيدتي كل شيء من أجل الحصول على عمادة المدينة ، ولكن ما مصير ماتيلدا زوجتي إن طلقتها من غير ذنب؟..
حينئذ فحسب ، استرجعت الساحرة هيئة القاضية بالثوب الأسود والوشاحين الأحمرين والشعر الأشيب المترجرج في تجاعيد كثيفة نحو الصدغ والجبين ، وقالت وقد تنهدت من أعماقها علامة نجاح مفعول السحر في الزائر، فيما الكرة السحرية تجري دائرة منهكة الجهد متباطئة بطئا شديدا ، وهي على وشك الرسو والتوقف التام بين يدها:
ـ أنت الان عمدة المدينة ، وهذا هو الهام في المسألة لكن بشرط إضافي
استجمع المحامي حاله بعد أن تصلب بدنه الذي كان سائلا منذ حين ، كان العرق يتصبب غزيرا من جبينه كملاكم الوزن الثقيل المنهك الذي خاض الجولة ما قبل الاخيرة وينتظر إن كان يستطيع الصمود في الجولة الأخيرة أم سيسقط بالضربة القاضية .. فرك عينيه بكلتا اليدين السائلتين كالعجين
وراح يبحث في جيبه عن المنديل لمسح العرق المتصبب ..
أذهله الخجل المشين الذي أحاط به من السائل الدافق في سراويلاته الداخلية من غير وطء ورفث ..
هل كان في غيبوبة تنويم ممغنط خضع لها ؟.. ما زال السيجار على وضعه بين إصبعيه .. تفقد الخاتم متحسسا مكانه في الإصبع الرخو ، لم يكن هناك .. هل غاب عن وعيه إذن وتم العبث به ؟.. وكيف ضاع منه الخاتم وهاهو بعدُ بعيد في مجلسه عن الساحرة ..
ما زالت العبارة " أفعل.. أفعل يا سيدتي...." تطن في أذنيه ويتذوقها بطعم الهريسة التونسية الحارة الحارقة بلسانه وشفتيه ..
هل يكون حقا خضع لتنويم مغناطيسي من غير انتباه وبلا إرادة؟.
وأعادت عليه القاضية الجملة المنكودة بالنبرات نفسها كما لو كانت صدى ،
وهي تتلاشى من كرسيها الذي بدا مثل عرش إمبراطوري شاغر:
ـ أنت الان عمدة المدينة .. وهذا هو الأمر الهام في المسألة .. لكن بشرط إضافي..
وفي هذه الآونة تراءى للرجل المسحور أن الفتى الحامل لوعاء البخور الملون يعود للظهور فاتحا الغرفة السرية على مصراعين كبيرين كما تفتح ستائر المسرح وكجناحي طائر فتح في حركة الممثلين ذراعيه للسيد المحامي من غير أن يتلفظ بحرف واحد ولكن هيئته كله كانت تقول:
"تفضل..."
فيما اختفت القاضية الساحرة فعلا من عرشها وبدا الكرسي شاغرا مرعبا .. هل تكون هناك في الغرفة السرية الحمراء في انتظاره إذن؟.. وما الجدوى الآن وقد أفرغ؟..
برزت الغرفة السحرية للمحامي المسحور تتلألأ بأنوار حمراء ساطعة تبهر البصر ..
ولم يجد مناصا من الإذعان والاستجابة لدعوة الفتى رغم أنه لم يعد سوى ذلك الفحل الأجوف أو المفرغ من الأنساغ الحيوية ،
تحرك زحفا على أربع بفعل الانجذاب اللاحسي نحو الغرفة الحمراء الرهيبة التي تنتظره فيها الساحرة بشروطها الغريبة
ترى ما ذلك الشرط الإضافي الذي طرحته ؟.. سيسألها عنه مع علمه المسبق بأنه لا يملك غير ان يرضخ لأي شرط ولأي مطلب .. أيا كانت العواقب.. أجمل ما في هذه المغامرة أو المقامرة مع امرأة في مثل هذا الجمال القاهر المفترس والعنفوان الناطق والتسلط الباهر القاهر هو ان يصل المرء إن كان مقداما باسلا إلى نهاية المغامرة /المقامرة ..
واستجمع قواه المشتتة من أجل الهدف الملح في كيانه كله وهو أن يواقع القاضية المتمردة ويذيقها عسيلته ويذوق هو بدوره عسيلتها بأي ثمن..
يتبع
أبو العباس برحايل..
ساحة النقاش