....

قالت له  " والمحامي الناجح".. وهو المحامي الفاشل  الذي لم يربح  أي قضية أمامها  في تخفيف الأحكام  على موكليه  قط.. وتوطن في ضميره  أنها من الصلابة  بمكان ، وأنها لن تخضع  لعبارة من  الغزل الرقيق ، وهاهي تمارس السحر  باسم آخر ، وها هي  تبتسم  له  بما يشبه  الإعجاز المدمر ، لقد  جذبه  سحر ابتسامتها  وفتنتها المغرية  الظامئة ، وكأنها تدعوه   إلى شيء أعظم  مما عبرت عنه شفتاها ونطق به لسانها ..

لقد عبَرت  الابتسامة  منطقة القداسة  في قلبه  كالبرق الوامض للكون  إلى خلجان  الدناءة والدناسة  في أعماق حشاياه  المخبوءة  مثل جذور البطاطا الحلوة  في ثنايا سراويلاته  الداخلية

ورمق من جديد  الباب الموارب  للحجرة السرية ، وقد فعل عطر  البخور السحري  فعلته  في أعصابه النهمة

 وتساءل  في سره  وقد راودته أفكار  داعرة  خطيرة ..

هل ينجح  الرجل الفحل  أمام الساحرة  في أسرها وامتلاكها  حيث أخفق  المحامي  أمام القاضية ؟..

وهل تلك الغرفة السرية  وراء الرفوف  غرفة نوم ، ولأجل ذلك  أطلقت  تغويه هذه البخور  النافذ المثير  للرغبة المتعنتة  الوقحة ؟.. ولأنه رجل فعل وقول معا  في تعامله  المعتاد مع الحسان  أراد أن يختبر  ردة فعلها  متجاهلا  أنها القاضية  هيلاري  متواطئا مع الحالة  السحرية  الراهنة التي تنتحلها  فقال متغزلا غزلا فظا:

ـ آنسة  سارة سالازار .. لديك شفتان  ظامئتان  ممتلئتان  ترتجفان اشتهاء ، تسلبان المرء عقله  وتنسيانه سبب مجيئه  إليك  وجلوسه  قبالتك ..

فردت عليه  ببرود  وحياد ، وقد توارت  البسمة الموقظة  للحواس الخمس  مؤقتا بل  وكأنما تجاهلت  حتى مغزى  البشرى  التي  نفثتها  شفتاها  منذ قليل:

ـ هذا من ذوقك الرفيع سيد آلفونسو ولا أمنعك  أن تعبر  عن إعجابك  بأي  شيء تشاء  بما في ذلك الإعجاب  ببسمات شفتي  الظامئتين  كما تقول ، لكن  ما حاجتك  الواقعية  والصلبة  ؟.. أنت بالتاكيد  لم تأت  من أجل  شفتي الملطختين  بالطلاء الأحمر .. شفتاي  بالتاكيد أمر عارض  بالنسبة  إليك فيما أتصور .. بل  أنت جئت من أجل ما سيقوله  لك طالعك  المحفور في كفك .. أنت ترى أنني في مجلس رسمي  لقراءة الطوالع  وهو مجلس إلى  انعقاد  المحكمة أقرب ، لذلك  تراني  في هذه  الهئية الموقرة .. ألم تأت يا سيد آلفونسو  لتعرف حظك  في الانتخابات  القادمة؟.. وقد بشرتك  بعد  بما لم تنطق به شفتاك  وإن عبرت عنه الاستمارة؟..

ـ بلى يا سيدتي ، لكن  وأنا أراك بجلالك المعهود  وبنبلك  المشهود له  في المحكمة ، تبسمين لي هاهنا  ابتسامة  دعوة  في غير حياء

عنّ لي  طارئ  في بالي ، وانفتح لي  عالم كامل  من الأحلام  الوردية  لم أفكر فيه  قبل الدخول عليك .. الابتسامة الغاوية .. هل؟..

شرعت الساحرة  مجددا تدير  كرة السحر  أمامها  وأقلعت لحظات  عن النظر في عيني الزائر  وكفت عن البسم

 وقالت تقاطعه ولم  تلبث  خلال ذلك أن   عادت تسلط عليه  وهج عينين  ناريتين  وتقلص شفتيها  في ابتسامة  تشبه تكشيرة  لبوءة  في مداعبتها لفروة  ليثها

 وقد أقبل عليها الليث  في ذل وسكينة  يطوف بها  طوف  الراغب الوامق ، ويتشممها  تشمم  المنتظر  القانص  المتحين للحظة الوثبة المباغتة  المسطورة  كالقضاء والقدر :

ـ طيب.. طيب.. أعلم ما تفكر فيه  يا رجلي  ويا ليثي ، لكن لا تحرق المراحل.. ننظر أولا في الجديات  التي جئتني بسببها  أعني شأن الانتخابات .. أضمن لك أن تنال  ماعنّ لك  الآن  من  رغبات بدائية  لا راد لها  أثارتها فيك  شفتاي الحمراوان. لكن  قبل ذلك أضمن لك  الفوز  بكرسي  العمادة .. لكن بشرط..

امتلأ الآن  دماغ الزائر  بدخان  البخور الملون  تماما  وامتلأ قلبه  بغبار الطلع  والطمع  المتزلج  مع أحلام اليقظة ،

وقد انجذب  نحوها  كليا  وها هو يلج بعينيه  السائلتين  كالرصاص  الذائب  الصامت في  عينيها  الناريتين  المذيبتين  لكل معدن ..

وتفاجأ  باختفاء الكرة  بعد ما دارت  دورات ثلاث أو أربع ، كما اختفى  الشاب  الذي  كان يقف  على  رأس المرأة  كما لو  تفتت مع البخور  أو تبخر  وتلاشى  تلاشي ماء السراب ..

وانجذب  المحامي  نحو كيانها  كله ، ولم يعد يرى سواها ..

الأدهى  والأحلى معا  أن الطاولة البيضية  تقلصت  وأكرت  وتراءى  له  وقد سال بدنه  نحوها  أنه  يجلس وجها لوجه  أمام المرأة  الأنثى  والعارضة لمفاتنها  فيما تلاشت  تماما  المسافة الفاصلة  التي  كانت  قائمة بينهما  منذ لحظات . رغم أنه لم يتحرك قيد أنملة من مكانه.. فرك عينيه  وتساءل في نفسه  مندهشا  إن كان  مفعول السحر  من عينيها الناريتين أبهره  كما تبهر  أضواء  السيارات  أبصار السائقين  الوافدين  من الاتجاه المعاكس .. أم  البخور الملون السحري  أعماه؟. أم إن الخمرة  المترعة  التي صبها في جوفه  منذ حين في الحانة  المجاورة  هي السبب في هذه العشوائية  البصرية  التي  وجد فيها نفسه ؟.. أم هي  قوة جاذبية  مغناطيسية  مبهمة  تنبعث من هذه الكرة  السحرية  التي اختفت الآن  من أمام المرأة الساحرة ؟..

هذا ما يجعله  لا يستطيع  أن يميز ما يتراءى  له بين  يديه بدقة  وما يتوهم حينا بعد حين  من أنه لا يرى  شيئا البتة..

هذا الانجذاب الطافح ، هذا الغموض  العذب، هذا التخدر الباعث  على التوحد  الكلي في الكون ، هذا  اللهاث  اللذيذ ؛ لهاث  كلب سائل  اللعاب الشبق ، كلب مجهد في لهاثه ، هذا  الجو  الممتلئ  بالأماني  العسلية  لم يعشه يوما في حياته..

إن اللذة التي تغمره  الآن هي ذاتها اللذة  التي تغمر  الفحل الذكر  وهو يصل  الذروة اثناء  عقد علاقة  مع انثى  تنتظر بشبق فحلها . ولكن دون أن يقع  مع ذلك  فعل الجماع المفضي لدفق الانتشاء..

يتبع

أبو العباس برحايل

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 53 مشاهدة
نشرت فى 24 أكتوبر 2013 بواسطة berhailbelabes

ساحة النقاش

أبو العباس برحايل

berhailbelabes
الموقع يقدم كل ما يتعلق بكتابات الأديب ابي العباس برحايل في ـ الرواية ـ الشعر ـ المقالة »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

28,968