...

أشارت القاضية لضيفها بالجلوس قبالتها  في الطرف الأقصى  من الطاولة البيضوية ، اندهش  الضيف  الفارع طولا  المتالق  في بذلته السماوية  البراقة  وقميصه  الأبيض وربطة العنق  المشاكهة  للون البذلة  بمعرفة  القاضية  لاسمه  وصفته  وبنظراتها  المستطيلة  المتفرسة  المفترسة ،

ويبدو أنه  أخذ على غرة وغشيه السهو وإلا فإنه دوّن  بنفسه  تلك المعلومات في البهو  بمجرد دخوله ، ولم يتفطن إلى أن القاضية  الساحرة قد  ألقت  نظرة  على الاستمارة  التي خط فيها  معلومات  عن شخصه ..

وما إن  اعتدل في الجلسة  المرتبكة ، ولكي يخفي ارتباكه  غير المبرر؛ راح  يسحب  من جيبه  علبة  ذهبية  للسيجار  الكوبي الغليظ المهرب عبر الحدود المكسيكية

 ويستأذن  من القاضية الساحرة في التدخين مؤكدا   على الرغبة الملحة  في التدخين  فتصدر  هي حركة  بلا مبالاة  تعني أن ذلك  لا يزعجها البتة  وله أن يفعل . وعلى موافقتها  المتواطئة  يتراجع  ارتباكه  ويسحب  من العلبة الفاخرة  سيجارا  بحركة  مفتعلة  فيها نزق  وتهور  توحي  بالإيماء  الإباحي  وباشياء في النفس تثور  متهيجة  يكاد  ينطق بها اللسان .. إن وضع السيجار  الغليظ بين الشفتين  يوحي  لأي رجل  بنوع من الشعور  بالانتصاب  الأرعن  والقوة والسؤدد  والرغبة  في امتلاك  أمر ما غامض ..

لقد اكتشف  بنظرة واحدة  من وراء الأقنعة   الكثيفة  في القاضية الساحرة  امرأة  وأي امرأة..

اكتشف قاضية  طالما  وقف أمامها  قبل اليوم  ـ كان عليه  أن يعرض  عليها سيجارا ، لكن  وضعية الجلوس  بعيدا عنها  أو الارتباك السابق  غير المنتظر  الذي  فرضه  جو المكان  للوهلة الأولى  جعله  لا يتشجع ـ الصدفة  البحت  وحدها  هي التي ألقت به  في هذا الدهليز  المدهش..

لقد أزعجته  قطرات المطر  المفاجئة وهو  يغادر الحانة  المجاورة  فاستجاب من باب الفضول  لدعوة  من لافتة  في صورة  كف مبسوطة بأصابع  نافرة في كل اتجاة ، نقش عليها  في سطرين  بحروف صغيرة  ذهبية  لامعة وقع عليها  نظره  وهو يدرج  الشارع  مختفيا  تحت مطريته  الكبيرة         " استبصر مستقبلك  لدى الشوافة  المتألقة  الخبيرة بقراءة الكف ؛ سارة سالازار.."   كان ينتظر  أن يصادف  عجوزا  شمطاء  تخلط  أوراق  القمار ، فإذا هو  أمام  "قاضية"  في ثوب القضاء ؛ عهده بها  قديم  ، وساحرة  تلف حولها  كل أمر  غريب . هي امرأة في مقتبل العمر  وراء أقنعة  موظفي  المحاكم  الجدية ، وهي آسرة الجمال ..

إنها القاضية الفاتنة هيلاري سالازار  التي طالما رافع أمامها ..

ترى  ماذا يعني  التشبث  بهذا اللباس  الرسمي للقاضية  في هذا المكان الشيطاني  الذي يمارس فيه السحر  الأسود والأحمر  معا؟..

وبمجرد أن وضع  الرجل بدنه  على الكرسي الصلب  أمام القاضية ، عاد الشاب المكلف  بالاستقبال والتشريف  على عقبيه  يصعد  السلم  الملتوي  بخطوات  متوثبة  نحو بهو الاستقبال  ليشرح لكل زائر  جديد  ما تعنيه تلك اللوحات  المعروضة  مارغب في ذلك،

 وليأخذ عنه معطفه  ومطريته  أو يحجز كلبه إن كان مرتفقا بكلب..

 وليسلمه مطبوعة  الاستمارة  للملء  وإعانته عليها  إذا اقتضى الحال .. فيما تجلى  حينئذ  شاب آخر  في هيئة الشاب الأول  وبالتاج ذي الريش الهندي نفسه ، وقد نتأ  من بين الرفوف يحمل  بين يديه  إناء مزخرفا  يتصاعد منه  دخان ملون  يطوف به  أركان القاعة  في سرعة البرق  يبخرها  فيما تصاعدت  روائح كزة  غريبة  وقد ترك البويب  السري  الذي فلت منه  بين الرفوف  مواربا قليلا ، كان هناك  باب مموه إذن  غير ملحوظ  لأول وهلة ، وإذ انتبه  الضيف  لباب تلك الحجرة السرية  الموجودة  خلف الرفوف  رمقها من غير اهتمام ، ولم يتبين  فيها شيئا. لقد كانت حجرة سرية  غارقة  في الظلام  انكشفت له على حين غرة ..

أعاد الفتى  وعاء البخور  إلى الغرفة  السرية التي جاء منها  ثم أسرع  يقرب للضيف  منفضة الرماد  بإشارة من القاضية الساحرة ،

ثم انحاز  يقف على رأس الساحرة سيدته  مثل وثن جامد ، كما لو كان حارسها  الشخصي  الملاصق الذي يقوم بحمايتها  مما قد يصدر  من الزوار من مواقف غير منتظرة  حين تدلي  لهم بطوالعهم  التي قد لا تعجبهم   ..

إذ ذاك  صاحت الساحرة  صاحبة الجلالة  بالشاب  الصاعد  في ترنح  السكارى جراء  دخان البخور  الذي غمره  والذي كاد يختفي من المشهد ، فتوقف  بعضلات  كتفيه  البارزتين  تحت السترة  مثل تمثال  متجمد  على صيحتها  في مكانه  دون أن يلتفت  خلفه  وقالت بنبرة آمرة:

ـ بونابارت .. عليك أن توصي  في جناح المطبخ  بتجهيز خنوص  مشوي  على شرف  زائرنا  المتميز.. المبجل  دي سانت فيرا .. المحامي الناجح  والمرشح  لعمادة المدينة..

ثم أكملت بوقار   واثق  وبنبر فيه استطالة  رخيمة  مرفق بابتسامة  عريضة غامضة  مثل ابتسامة  قدسية  في دير جبلي  معزول ، لكنها بالنسبة للزائر  المتثعلب  كانت بسمة  مغرية  بل فاجرة  أبانت عن  طقم  من الأسنان  اللماعة  المنضدة  المؤثرة  المؤطرة بشفتين  ممتلئتين  مثل نصف تفاحة ،

ما  أكثر  ما رأى هذا الطقم  وهاتين  الشفتين  الراعشتين  بظمإ الرغبة  من زمان في المحكمة

وهو يقف أمامها  مرافعا ـ أنهما لا تصلحان  إلا لسحقهما  تحت الأنفاس  الحارة  وارتشافهما  ارتشاف  استنزاف

كما تستنزف السلافة المسكرة  ومصهما  حتى إسلام الروح وانطفاء الشهوة .. قالت تكمل:

ـ وسوف  يكون  هو  عمدة المدينة  الموعود  "إنْ.."

"  عمدة المدينة"

أقلع  السيد  آلفونسو  عن حركاته النزقة  بعد أن مرر  لسانه على شفتيه  يلحسهما  كأنما  يتلذذ  طعم القبلة  النازفة المتخيلة

 وهش  للبشرى  التي زفتها الساحرة  ، فهي  بهذه العبارة الواثقة  أفهمته غرض زيارته  لها

وهي الساحرة تتنبأ  له مسبقا  بالنجاح  المؤكد  في الانتخابات ، لولا  شرطية   "إن"  الغامضة هذه..

ترى ما الشرط  الذي  عليك أن تلبيه  لها  يا الفونسو؟..

يتبع

ابو العباس برحايل

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 60 مشاهدة
نشرت فى 22 أكتوبر 2013 بواسطة berhailbelabes

ساحة النقاش

أبو العباس برحايل

berhailbelabes
الموقع يقدم كل ما يتعلق بكتابات الأديب ابي العباس برحايل في ـ الرواية ـ الشعر ـ المقالة »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

28,967