..

 أعطاها فاتورة الأتعاب  باسما ، فدفعت من غير أن تقول كلمة  ، وإن ارتسمت  الدهشة  على وجهها  الذي  بدت  تجاعيده للعيان ، ثم  ما لبث أن قدم  لها  أغراضها  التي  كانت  معلقة  على المشجب  بكثير  من الاحتفال  والتبجيل ، وبكثير من حركات  المهرجين  في آن واحد  ، بأن فتح لها مطريتها  وهي لم تنهض بعد من الأريكة ،

ولم  تضع قدمها  بعد  على عتبة الباب  لتجد نفسها  خارج القصر ..

لقد كان  الجو ممطرا ، وكان الرعد يقصف  بعيدا  ومن غير زمجرة . وكان فتى الاستقبال  في بذلته الحمراء  المعلمة  ببعض صور  حيوانات  المنطقة  وخاصة حيوان  اللامة  بأعناقها  الشبيهة باعناق  النوق في الصحراء العربية ،

وقد رصع  جبينه  بشريط  من الجواهر اللماعة ، وحزم بذلك  الشريط المبهرج  تاجا  من ريش طائر  الكوندور  العملاق  على  هيئة  زعماء  الهنود الحمر..

سأل المحامي الكبير  والسياسي الطموح  إن كان يستطيع  مقابلة القاضية التي  تحترف  في فراغها  سرا حرفة  السحر ، فهي قاضية وجه النهار  ساحرة  في أيام الآحاد  وأطراف  الليل  والآصال ..

ابتسم الفتى  للرجل المتشامخ  وقال : طبعا  يا سيدي.. وهو يأخذ منه  في حيوية  مطريته وقبعته  ليرتبهما  في ذلك  المشجب نفسه  الذي  أخذ منه  أغراض  المرأة العجوز  قريبا من الباب  المفضي  إلى الدهليز ، ثم يقدم له  استمارة كبيرة  من دفتين  ؛ عليه أن يملأها  بأناة وصبر ، فملأ الرجل الاستمارة  بكل اهتمام  واحتفال واحترام .


أخذ الفتى  في حبور  تلك الاستمارة  ليلتف بها مع السلم  الملتوي  كالبرق .. المعلومات  يجب   أن تكون  أمام  الساحرة  قبل أن  يمتثل الزبون قبالتها  شاكرا الرجل الوافد  على أريحيته  وطواعيته  في  الملء الممحص  دون تذمر  أو محاولة تملص؛ إذ أغلب  الزوار  يرفضون في عصبية  ونفور  ملء  تلك الاستمارة ، وبعضهم يتراجع تماما  عن الزيارة  ويرى فيها تناقضا  صارخا ، فهو ما جاء  إلا ليستشير  الساحرة  لتطلعه  عن خفايا  مستقبله  وخبايا  الحادثات  القادمات  من حياته

فما بالها  إذن تسأله  عن خصوصياته  وعن اسراره  وتستفتيه  في شؤونه  الدقيقة الحميمية ،

فأين  سحرها  المزعوم ،

إن كانت  لا تشيم ذلك  بقواها الغيبية  التي تدعيها ؟..

يضعها الفتى بين يدي المعلمة ، ثم يصعد  السلم كالبرق  متسلقا درابيزه الخشبية الملساء  ليقوده في حبور

 ولكن في رزانة  وفخامة  وأناة  متيحا لمعلمته  الوقت  من جهة حتى تقرأ الاستمارة  نازلا به  في بطء  متلكئ ،

ومن جهة ثانية  خوف أن يصاب الضيف بالدوار ، فهو يتدرج به السلم الملتوي  اللولبي  ذي  الدرجات  الثلاثة والثلاثين  المثلثة الشكل  ترميزا وتذكيرا  بالثالوث المقدس ، المفروشة ببساط  من مخمل قرمزي  كدم المسيح  المهدور  لمحو  خطيئة البشر  الكبرى ، نحو  معمل  السحر المقام  في قعر الدهليز  العجيب  أسفل القصر  المشيد فوق طراز  فريد..

يتوسط القاعة  العجيبة  نصف البيضوية  المهيأة  على شكل كهف  طاولة ضخمة  بيضوية  أيضا  تصلح  لتناول  الطعام  من قبل أمة كاملة ، ولكن  بدل أن يرى  الزائر الأثاث  الحامل للمواعين  والصحون والأواني  كما هو  المألوف المنتظر  في مثل هذه  الأحوال يرى


( ...... عذرا ؛ تحذف هذه الصفحة  لما في هذا المقام من وصف خارق لمشهد خارق  لا ينبغي أن يقرأ إلا في دفة الكتاب المطبوع... المؤلف) رفوفا مفتوحة  وقد اصطفت عليها أشياء  غريبة مدهشة 

لقد تزينت هذه الرفوف بعشرات من  الكائنات الحية المرصوصة  المتداخلة أحيانا  من ثعابين ضخمة و وضقلدع المحيطات العملاقة  وعناكب بأقدام الجمال  الدقيقة المتعرجة  وقواقع  ووطاوط  وغربان وبوم  ورؤوس غزلان وأيائل  ولامات  وطيةر كاسرة  وداجنة وخطاطيف  وبيوض نعام عملاقة  وبيوض دينصورات  وبيوض اوز  وشحارير 

فيما حنط بعضها  الآخر من الكائنات المائية  أو البرمائية او  البرية  غير المعروفة  ووضع  في دوارق واوعية زجاجية  مختلفة الحجوم  والشكال  في أمصال حافظة  إو هلام من سوائل ملونة  لا يدرى مقدار قيمتها في حفظ تلك الكائنات  المجهو لة  المصادر  العجيبة  الأشكال والالوان 

تفصل بين تلك الرفوف أحيانا  تماثيل  كاملة او نصفية لأجساد بشرية  ضامرة  مرعبة  عارية  بعضها للزنوج  بأنوفهم المفرطحة  وشفاههم الغليظة

وبعض  للمسنين من الهنود الحمر  بخدودهم  المجعدة  الموشومة  او الملونة بألوان مختلفة  وشعورهم  المرسلة  وحلاهم  الغريبة

 وقد برزت لبعضهم  في عريهم التام  أعضاؤهم التناسلية  المرتخية او الضامرة  الذكرية منها  والأنثوية على السواء  بشكل مهين  مخز  وخجل  سرعان ما تحيد عنها  باصرة المستطلع  منكفئة  وتستدير  استنكارا او استكبارا  أو اشمئزازا  وتقززا  وقرفا

 وبعض  مجسمات  للقديسين  والشهداء وللعذرى  وابنها  ولكن في حال مشوهة

كانت إضاءة الكهف على جانب كبير  من الأبداع إنها  عبارة عن حزم  ضوئية تنبع من شقوق  وأخاديد  وكانها أشعة شمس تنبعث  في شقوق كهف طبيعي  إنما كانت أشعة شاحبة  تضفي على المكان  المهابة  الباعثة  على الخشوع والرهبة 

على  حافة الطاولة العملاقة  القصوى  التي  كان يحف بها عدد من الكراسي الخشبية  الصلبة الداكنة  تجلس في كبرياء  وشمم امراة  في جلباب القضاء  الأسود  المفوف بوشاحه الصدري  العريض  وأشرطته الحمراء  على كرسي  الرئاسة  المنفوخ  المغلف بقطيفة حمراء  عنابية  والتي تعلو  هامته المسطحة  سائر الكراسي المصفوفة  الأخرى

 وتضع  القاضية الساخرة على رأسها شعرا مستعارا  أشيب متموجا  ليضقي عليها جهامة  قضاة يوم القيامة  وكبرياءهم  المتعنتة  المرعبة

ولكن كل ذلك   المظهر المهيب لم يخف ميسم  الأنثى المتمردة

 تحت غلال الأقنعة  المصطنعة

 بنظراتها العسلية  الضارية  

ولم يستطع ان يواري  بسمتها الهندية  التي ورثتها عن امها  الهندية  وشفتيها  الممتلئتين

 فتبدو  في بسمتها  كما  لو كانت  ترفع صلوات  لمعبودها الوثني  

وقد كانت لا تني  تعبث بين يديها  بالكرة  السحرية  الزجاجية  المشاكهة  لكرة الأرض ولكنها  تختلف عنها  في الوانها  وكتاباتها  شبه الهيروغريفية  وخطوطها المتقاطعة  ورموزها  السرية  بألوانها  الضارية  الكثيفة 

 

 

...ألقت  القاضية  نظرة  عجلى  على الاستمارة  بصفحاتها الأربع  التي  وضعها فتى الاستقبال  بين يديها ، ثم ألقت بها  في درج  أمامها ..

رحبت  هيلاري  سالازار  القاضية  أو  سارة سالازار  الساحرة  بالضيف  من غير أن تكف  عن العبث  بالكرة ، ومن غير  أن تكف  عن النظر  في عينيه الزرقاوين  المفعمين  بالطموح  والدهشة  نظرا متطاولا  مباشرا  لا يمكن التكهن  بمجراه  ومغزاه  سوى الخوف  من رجل ينتمي  لهيئة القضاء  .

وهاهي  تبتذل  الثوب الرسمي  للقاضية ، وتستقبل فيه ضيوفها  لتقرأ لهم  الكف المبسوط  وتستطلع  لهم من خلاله  الغيب المحجوب:

ـ مرحبا  بالسيد آلفونسو  دي  سنتا فيرا ، المرشح  لعمادة المدينة . خذ راحتك..

يتبع..

ابو العباس برحايل

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 91 مشاهدة
نشرت فى 20 أكتوبر 2013 بواسطة berhailbelabes

ساحة النقاش

أبو العباس برحايل

berhailbelabes
الموقع يقدم كل ما يتعلق بكتابات الأديب ابي العباس برحايل في ـ الرواية ـ الشعر ـ المقالة »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

28,968