...
الغريب ان تلك الممارسات غير الأخلاقية صارت جزء من حياته ، ولم يعد قادرا على الاستغناء عنها حتى حين لم تعد الحاجة الجنسية ملحة لديه وقد اكتهل ؛ ومقابل هذه الحياة البهيمية مع زائراته المستسلمات لخرافاته لم يرق له في مكافأة الزوجة الهندية الراقدة في قبرها بسلام وورد غير أن يربي هيلاري ابنته الخلاسية وأن يعلمها خير تعليم بأن أدخلها الجامعة لتدرس القانون حتى تدافع عن المقهورين أمثال أجدادها من جهة أمها ؛ الهنود الحمر ، وحتى من أجدادها من جهة والدها اللاتيني الجذور أمام العجرفة والصلف الذي يبديه الأنجلو ساكسون واليهود ، وترافع عن كل المظلومين من الزنوج والأسيويين والعرب وغيرهم من المحقورين .. ومات عنها والدها أيضا قبل أن تشرع في ممارسة المهمة النبيلة التي علمها لتتبوأها ،
وحينئذ وبدل أن تتجه إلى المحاماة رأت أن ترتفع وأن تلتحق بسلك أشهر المحاكم بمدينة سانت ييغو قاضية ، وسرعان ما عرفت بقسوتها في الأحكام التي تصدرها على البيض من المتخاصمين خاصة الأنجلو ساكسون منهم وعلى أسيادهم اليهود ..
لقد وقف أمامها المحامي الذائع الصيت آلفونسو دي سانتا فيرا يدافع عن امرأة اسمها ماتيلدا جاكسون بختيار ، وقد أودع زوجها الإيراني الأصل ، الفاحش الثراء لدى المحكمة طلب طلاق ، ويتهمها بالخيانة الزوجية مرفقا الطلب بالأدلة الدامغة التي تدينها وأراد المحامي أن يستغل شهرة الممثلة في الرقص و تمثيل عدد من بطولات الأفلام ليستميل المحكمة ،
لكن القاضية كانت له بالمرصاد وأصدرت الحكم الذي يرضي الزوج الأسيوي المخدوع ، ولم يهضم المحامي الحكم لأنه أخذ من الممثلة الشهيرة لقاء أتعابه مبلغا خياليا ، وخسران القضية يعني مراجعة المبلغ فضلا عن هبوط أسهم شهرته محاميا .. أصيب بإغماء وسقط مع أوراقه بجثمانه الضخم أمام الجمهور المندهش ، في تلك الإغماءة التي دامت لحظات فقط ، وإن كان هو لا يدري مقدارها ، اشتط به وهنه الذهني ، وتراءت له القاضية في وضع آخر..
هاهي ترث معمل أبيها المشهور الذي يمارس فيه على بعض مرضاه العلاجات البدائية التي أخذها عن الهنود الحمر وطورها لتستجيب لعقلية البيض من رواده الميامين ، ولكنها اقتصرت في محاكاة والدها على السحر والتنجيم بدل التطبيب ، فهي الآن تمارس فن السحر والنتجيم باسم
"سارة سالازار .."
يوم عطلتها الأسبوعية في هذا القصر الذي ورثته عن أبيها في الضاحية الشمالية من مدينة سانت ييغو بولاية كاليفورنيا ، قريبا من إحدى الترسانات البحرية الأمريكية الشهيرة ، كما كان يمارس أبوها كذلك حسب الأصول التي استوحاها استيحاء مبهما من جداتها الهنديات الحمراوات اللواتي لا تعرف عنهن تقريبا إلا ما قرأته هي عن هؤلاء الجدات في كتب علماء الأنتروبولوجيا ومن الاطلاع على الأبحاث التي انجزها بعض دارسي الأنسال البشرية البدائية وباحثي الأعراق في القارة الجديدة ، ومما في مكتبة والدها من مؤلفات عن فن السحر والتنجيم والشعوذة عامة ، وعرفت بموهبتها السحرية في قراءة مستقبل روادها الذين يفدون عليها لاستشارتها ..
ومع الأيام اكتسبت سارة سالازار شهرة معتبرة ، ولذلك يقصدها المغامرون من كبار الشخصيات الباحثون عن الثروة وجمع المال أو ممن يطمحون في المناصب العليا أو يزمعون خوض الانتخابات ونحو ذلك ؛ زيادة عن الفضولويين والباحثين عن اللذة والمغامرين والسياح المتوافدين على المدينة بكثافة على مدار العام بفضل مناخها المعتدل ولا سيما من قبل الموسرين من المكسيك ؛ البلد المجاور الذي كانت المدينة تابعة له ذات يوم ،لكن ايضا من الفتيات اللواتي يزرن الترسانة البحرية العسكرية للبحث عن زوج وسط البحارين او لمحض الدعارة..
من هؤلاء جميعا ؛جاءها اليوم من الزوار الطالبين للاستشارة ؛ هذا المحامي الشهير ؛ والسياسي الخطير الذي هو في الأربعينيات من العمر ، جاء لتقرأ له طالعه ومستقبلة ؛ وقد ترشح لمنصب عمادة المدينة ..
في بهو القصر الفخم لم يرد أن يجلس للانتظار وقد أرادته القاضية هيلاري أو الساحرة سارة بهوا متميزا يقدم خدمة ثقافية سياحية متميزة ..
وظل يتمشى بإزاء حدران البهو وأسطواناته الرخامية التي عرضت فيها مجموعة من اللوحات الغريبة ،
فهو يتنقل من لوحة لأخرى يتأملها بإعجاب واندهاش .
كان البهو أشبه بصالة عرض متخصص ، وكانت المعروضات كلها لوحات تتخذ من الحياة البدائية للهنود الحمر محورا ؛
وأعجب خاصة بوجوه النساء الممتلئة حياة وحبورا وتقوى وحكمة وبشرا في آن واحد..


ساحة النقاش