الفصل الثاني عشر
تماضر في المكتبة
وقفت تماضر فجأة قبالتك امام طاولة المحسب الطويل في المكتبة وألقت إليك بذلك الكتاب المشؤوم عن إبطال السحر ؛ والذي تهيأ لك في ذلك اليوم الذي طلبته هي منك بان غلافه كان يحمل صورة للعفر بخطمه الأحمر ونابيه المعقوفين كنابي مدرى ؛ وغشيك الذي غشيك..
فلما فطنت أنت لم تجد غير قطعة خمسين دينارا تركتها تماضر فوق المحسب وانصرفت مع حفيدتها التي دفنتها في حجاب يقطع صلتها بالبراءة والطفولة ..
وقالت المرأة الشموس العنود وقد وقفت أنت يا أيوب مشدوها إذ رفعت هي عن وجهها النقاب في سلوك فيه تحد وتكشّف ؛ ونظرت هي في عينيك بعمق تتفرسك بطريقة أربكتك ؛ ولعله الارتباك الذي بسببه لم تجرؤ على أن تتزوج منها يوم ان عرضها عليك والدها بلباقة رفيعة..
" هذا كتابك . لقد اكتريته أنا كما كان والدي المرحوم يفعل ذلك معك أيام زمان.." وكنت أنت تداري ارتباك المواجهة وانت تعلم ان ما قالته الان لا علاقة له بما سوف تواجهك به فيما بعد فقلت أنت :"...
فعلا وجدت الخمسين دينارا فوق المحسب يومئذ واندهشت لأني ظننت فيك بعض الظن حين انصرفت أنت بالكتاب من غير دفع سوى تلك الخمسين دينار الصفراء ؟"
وقالت" أتظن في ابتة سي برهوم صديقك الظنون؟.. كان كتابا مفيدا للغاية يا شيخي.. يا شيحي الخجول .. أرفع عينيك إلي ولا تسبلهما كالفتاة .. كنت مسحورة طيلة اربعين سنة ؛ ولقد شفيت الآن ؛ وأشعر بشبابي يعود إليّ بقوة .. وجئت ارد أليك كتابك الشافي في السحر ؛ ولأنصحك بجد : شذب من لحيتك وأعدها إلى سابق عهدها ولا داعي لإهمال نفسك .
هناك من يحتاج ‘إليك في هذه الحياة .. نعم ؛ثم إن طاووس ليست أول من يموت في هذه الحياة التي تحيط بنا .. أنا ذاتي مات عني زوجي وظننت يومها ان الحياة قد انتهت ؛ وها انا اليوم امامك كما ترى ؛ أسفرت أنا لك عن وجهي عمدا لترى هذا الوجه من غير نقاب ..
لترى تماضر وكيف انها لا تلحقها اعراض السن المتقدمة..!
امرأة في الستينيات وتتحدث عن الشباب وعن عودته وتدعوك في بسالة تقترب من الوقاحة ان تحملق في عينيها وان تشذب من لحيتك التي تركتها انت عرضة للإهمال منذ قضت طاوس ؟ إذ ها هي ترفع نقابها عن وجهها وتواجهك بوجه تختفي فيه التجاعيد المنتظرة في مثل هذا السن ؛ بل وتبدي لك عينين نجلاوين ضاحكتين تتفرسانك وتعبران فعلا عن معنى الحيوية المدهشة التي سكنت هذه المراة فجاة.. إن النصيحة بل التقريع عن إهمال اللحية ورفع ر النقاب عن الوجه والنظر المتطاول المتفرس في عينيك ليس مجالا ولا سدى ؛ وسألتها
أ
أنت بشيء من الريب ؛ وانت لا تؤمن بالسحر ؛ ولا بكل ما يرتبط به من شعوذة ومن ترهات باطلة ؛ وتريد التهرب من الحديث عن موت عقيلتك :" وكيف زال السحر الغريب؟"
ـ لقد زال ؛ زال الحقد الذي أكننته لك كل تلك المدة !.. أحتاج إليك يا حبيبي
ـ لا أفهم يا ابنة المرحوم سي برهوم..
ـ بل تفهم؛ لكنك تتعمد ان تتجاهل
ـ صدقيني لا أفهم ما تعنين..
ـ كأنك لا تعلم بأني أحببتك وتعلقت بك ؛ ولكنك أعرضت عني ؛
واخترت أنت يا أيوب صديقتي اللدود المرحومة طاووس.. ألم يأت الآوان أن تصحح خطأك بعد كل هذه السنين ؛ وقد ذهبت طاووس المسكينة إلى خالقها ؟.. الأقدار ذاتها تسلطت عليك لتصحح خطأك الأول!..
الأقدار تريدك لحبيبتك "تماضر" يا أيوب الصابوري..
فهمت يا أيوب الموقف ؛ ولكنك لسبب غير واضح حاولت التهرب من المواجهة . انت أرمل لم تفقد رفيقة عمرك إلا منذ نحو شهرين ؛ والمراة التي هي امامك الان أرملة مثلك ؛فقدت زوجها في العشرية السوداء ؛ وجدت جثته ملقاة على حافة الطريق الوطني بين سيدي عيسى وسور الغزلان. كان تاجر جملة؛ أطلق لحية مشعثة وانتمى للمعسكر الذي رفع السلاح من أجل إقامة الدولة الإسلامية في الجزائر ؛ والتصحيح الذي تعنيه تماضر واضح تماما هي تخطبك لنفسها بنفسها وبلسانر فصيح وجراة نادرة من امراة.. وقلت انت تراوغ:" كيف يابنة صديقي المرحوم؟"
وأقبل زبون ملتح يلوث على رأسه عمامة ضخمة مع شاب يغايره تماما في قصة الشعر وفي اللباس؛ يسأل عن أحد العناوين المشهورة من أشرطة الداعية النابلسي الشهير في القنوات الفضائية الدعوية المشرقية كما يسمونها ؛ وما إن خرج الرجل ورفيقه ؛حتى أقبلت عليك تماضر بحماس وتثريب وأدنت منك رأسها ر ممددة لرأسها نحوك متكئه على لوح المحسب حتى إنك أرغمت أن تشم انفاسها الحارة من وراء المحسب؛
وان تتراجع أنت إلى الوراء قليلا تورعا ؛
تقول هي وقد تطاير رذاذ ريقها يصيب وجهك الذاوي:
" عهدتك أذكى من هذا.. ام تريد أن أخطبك انا؟.. شيخي أيوب .. عليك واجب في رقبتك هو ان تحقق امنة صديقك الذي مات وفي حلقه غصة حين رفضتني بلا سبب.
اعرضت أنت عن تماضر ابنة سي برهوم الوحيدة التي هي بؤبؤ عينه حين سددت أنت عليها الباب وجعلتها لا تتزوج الرجل الذي حلمت هي به وارتضته لنفسها واذعنت هي للزواج برجل آخر؛ هو رجل سخي وفاضل ؛ لكن لا يهواه قلبها الذي سكنه رجل آخر .. ذلك الرجل الآخر هو أنت يا أيوب .. هو أنت!..
لا سبيل لك اليوم يا شيخي أيوب سوى أن تتزوجني أرجوك.لا سبيل لك.. تزوجني!..
÷ لكن؟!..
أردت أنت أن تقول إن قطار العمر قد فات ؛ ولا داعي للأوهام ؛ وسبق لك ان أقفلت هذا الباب المضجر مع ابنة خالك حمامة ؛ لكنها هي قالت بلهجة لا تخلو من ود وحنان متراجعة عن تلك العاصفة من الحماس الأهوج الرهيب:
ـ أعرف .. لا بد أن تمر فترة كافية من الحداد .. إننيأفهم مشاعرك وأنا ذاتي عشت ما يقرب من عشرين سنة حدادا ؛ ولولا موت طاووس ما أنهيت حدادي طاووس ليست عدوتي ولا غريمتي ؛ بل هي من قبل ومن بعد صديقتي وأختي ؛ وإن أضمرت لها في القلب رغم أنفي مشاعر بغض لا أستطيع أن أنكرها ؛ ورغم انها خطفتك مني غير أني حقدت عليك أنت أساسا ؛ ولم أحقد عليها هي كما حقدت عليك .. أنت بحاجة إلى امرأة تخدمك وانا في حاجة لرجل يؤنسني فيما بقي لي من عمر .. لقد تزوج كل بناتي وبقيت وحيدة في البيت كالغراب بل مثل بومة
سكتت أنت برهة ؛ وحين لم تلق هي منك كلمة واحدة وكانك أصبت بالصمم أو العته ؛ صاحت تماضر فيك بحماسها الأول:
ـ تزوجني يأ أيوب الصابوري .. تزوجني ثكلتك امك!.. وإذ سكت أنت عنها كالصنم ؛ لكن دون أن تشعرها بالرفض ؛ ولم ترد ان تكرر معها الموقف الفج الغليظ مع حمامة بنت خالك ؛ قالت وهي تهم بالخروج بلهجة عاقلة واضحة:
ـ لن تفيدك مطاعم الرحمة التابعة للحلال الأحمر .. أيام ويأتي العيد.. بيتك يغنيك لو حزمت امرك.. أنظر إلي ؛ إنني أتسكع في طواف مقزز على بيوت بناتي اتناول حريرة الفطور بين أفراد أعرفهم حتى ولو تبرم مني أصهاري.. ولا يحلو العيش في بيتي وحيدة مع اني مستورة الحال بحمد الله .. فكر بجد في الموضوع .. تذكر جيد انني لست طامعة لا في مالك ولا راغبة إلافيك انت في شخصك.. أحسب أنك أحسنت وقد أخلدت إلى الصمت ؛ الصمت هو الذي يهديك إلى التفكير السليم .. لا أريد ان تجيبني الآن .. فكر بروية..
وانصرفت وقد أسدلت من جديد على وجهها النقاب تغطيه دون ان تدري انت ما يختمر في رأسها .. وحين وصلت إلى الباب التفتت إليك ورأيت ان تبتسم لها نصف ابتسامة رضا وتشجيعا .. حقا لقد أعرضت أنت عنها في الشباب بسبب جراءتها التي تبلغ الوفاحة أحيانا ولكن الزمان دار دورته وهاهي امامك من جديد وبالجرأة ذاتها ولكن مع نضج ونظر وحال تستوجب الحماية وإخلاص الذمة مع الصديق القديم المرحوم سي برهوم..
بعد ساعة جلجل آذان المغرب والإفطار وصدح.. عليك يا أيوب ان تفطر فيمطعم الهلال الحمر كما جرت العادة منذ غادرت حمامة بنت خالك السغير ؛ وكما قالت تماضر ؛ وهو ما يعني أن كل معارفك يعلمون وصعيتك الحرجة ؛ وهو ما يرتاع له ضميرك وتنكسر له كبرياؤك .. ستكون ضمن الدفعة الثانية ؛ لذا فعلى مهلك وا1هب إلى الجامع اولا كما ألفت ؛ وأدّ الصلاة جماعة ؛ وسوف ترتشف قطرات ماء سعيدة في كويب ورقي يتداوله الشاربون يصبونها من لدائن ؛
وتتناول أنت حبات تمر مع شيء من الياؤؤرت أو جرعات لبن مما يجلبه بعض المحسنين وتشارك أنت فيه المصلين ..
ذلك كاف لقمع العطش وتسكين الجوع حتى يحين الدور الثاني في مطعم الرحمة والإحسان..


ساحة النقاش