جارى التحميل
استخدم زر ESC أو رجوع للعودة
وتشاء الأقدار ومصائر الناس التي نقشت في اللوح المحفوظ يوم خلقهم الله كما يقول صديقك المرحوم سي برهوم ؛ ان يرتكب معلم الفرنسية عبد الرحمن عابد بسيارته الصغيرة حادث مرور مروعا ومفجعا في منحدرات الشفة قريبا من المدية عاصمة التيطري وهو يتجه إلى العاصمة ؛
يفقد على إثره زوجته الطيبة ويترمل ويصاب الولدان برضوض يتعافيان منها بعد فترة من المكوث في مصطفى باشا ؛ وحيث إن مصائب قوم عند قوم فوائد تجد جوهرة أم طاووس باب بيت سي عبد الرحمن مشرعا منذ اليوم الأول من المأساة ؛ يستقبلها مع ابنتها بالأحضان وبانقضاء فترة الحداد يقودها إلى قسم الحالة المدنية ليعقد عليها رغم أن سكان المدينة يعقدون من غير حضور العروس؛ ولكنه لا يقيم حفل العرس بالطريقة المعهودة مكتفيا بإقامة حفل من غير دف ولا مزمار ولا زغاريد ماعدا ذبح شاة الشرط وتقديمها عشاء لشهود القران ..
لقد كان مصابه في أم ولديه وقرينته التي يحبها حبا جما فادحا ؛ ولكن لا مناص من ربة بيت تكمل نصف دينه ؛ وترعى شؤون الولدين اليتيمين المصابين .. وكانت جوهرة على استعداد للتضحية بوظيفتها والرضى بالمكوث في البيت من غير أسف كبير ؛ من اجل المهمة الجديدة خصوصا وقد تعلق الأمر برجل كريم مستعد لتلبية كل حاجاتها وحاجات ابنتها.. رجل يستحق كل خير؛ وقد تعلق قلبها المفعم بالأشواق
وأحبته حبا غامضا يائسا قبل أن تحل الكارثة فلما وقعت الواقعة انتعشت تلك العاطفة وانفجرت .. إنه الحلم يتحقق بكل بساطة.. في بيت عبد الرحمن عابد تكبر طاووس مع ابنه وابنته من الزوجة المرحومة وعاشت معهما تحت سقف واحد وكأنهما أخوان شقيقان لها متلقية معهما تربية متوازنة من زوج أمها العطوف الكريم الذي لم يشعرها يوما بأنها ربيبة ؛ وبلغت في تعليمها نهاية التعليم الثانوي وإن لم تنل شهادة البكالوريا بسبب تراخيها بعض الشيء من جهة وبسبب وجيه من جهة ثانية هو تطلعها في هذا الطور من المراهقة العليا إلى التفكير في فتى الأحلام واستغراقها في تصوره ؛ بعد طفولة اليتم البائسة في بيت جدها الراهم ذي الطابع الغليظ بمركز المحتشد المسدور ؛ طفولة معذبة على هامش الحياة .. نعم في بيبت عابد أمضت أحسن أيامها ؛ وفيه عوضتها الحياة كل ما فقدته في المحتشد من عاطفة أبوية واهتمام ؛ وإن كان كل يتيم يبقى شرها للمزيد من الاهتمام نتيجة الحرمان في السنوات الأولى من العمر ؛ حرمان شبيه بالظمإ الأزلي..
عند الظهيرة من أحد أيام 1972 أخذت أنت يا أيوب والدتك الخامجة مع خالتين أخريين اختارتهما أمك في وفد الخطبة ؛ ومع الخال محمد الشريف السغير الذين استقدمتهم أنت من ايميس واتجهت بهم إلى نهج العقيد حواس حيث بيت سي عبد الرحمن عابد ؛ في سيارتين إحداهما كانت سيارة صديقك الأستاذ سي برهوم الذي تولى النطق باسمك امام السيد عابد ؛ مما وفر عليك وعلى خالك السغير مؤنة الكثير من خطابات المجاملات التي تلقى في هذه المناسبة.. لقد تجاوز سي برهوم معنى الصداقة إلى معنى الأخوة الكاملة وعاملك كما لو كنت أخاه الأصغر مبديا إيثارا قل نظيره.. متساميا بأخلاقه العالية ؛ إنه هو من اقترح عليك طاووس تلميذته وصديقة ابنته تماضر حين تجاهلت أنت إيماءاته ولم ترد على عرضه الضمني عليك لابنته العزيزة على قلبه .. تماضر. والأهم أن الوالدة كانت راضية غاية الرضا بالعروس فهي تشبهها في أنفها وفي عينيها وميسمها العام ولا ينقصها سوى بعض خطوط الوشوم الخضراء في الوجه الأسمر لتكون نسخة مقلدة منها..
أصرت الأم أن يكون العرس في أيميس ؛ ولا سبيل لك إلا إرضاءها.. لكنك اضطررت أن تأخذ عروسك وتعود بها إلى المدينة بعد ثلاثة أيام من حفل العرس ؛ إذ لا يمكن ان تغلق مكتبتك أكثر من ذلك..ورفضت الأم أن ترافقك لتعيش معك في المدينة بدعوى لزوم إعمار بيت الأجداد وعدم إخلاء بيت آل الصابوري في أيميس ؛ فما يقول الناس إن أغلقت انت هذا البيت الذي هو في عرفها عماد بيوتات أيميس؟.
.. واقترحت انت عليها أن تجلب أحد أبناء أخيها المتزوجين حديثا ليعمر بيت المرجة دون جدوى ..
لقد رفضت أمك بحدة قاسية ؛ إذ البيت لا يعمره غير أهله ؛ وتارك بيت أجداده كالتارك لبعض عرضه وشرفه !..
وفرضت عليك وتيرة حياة بزيارة المرجة مرة او مرتين في الأسبوع برا بالوالدة.. ولا تكاد تنتزعها من القرية والنزول بها إلى المدينة إلا في حالات نادرة .كانت من الشمم والكبرياء أنها لا تستطيع ان تحيا مع امراة اخرى تحت سقف واحد ؛ وتكون تلك المرأة ذات القدم الأولى في ذلك البيت ؛ ولو كانت زوجة ابنها.. مع ان طاووس التي تشبهها في أنفها وفي بشرتها السمراء كانت طيعة وتستشيرها في كل شيء ؛ طلبا للعافية اولا ؛ إذ أن طاووس من ذلك النوع من الأشخاص المسالمين الذين يتحملون الأذي دون ان ينتفضوا أبدا..
وتطييبا لخاطر الحماة العجوز التي لا تفارقها الحدة الطبيعية وشراسة البداوة التي جبلت عليها في حياتها القروية ؛
وإرضاء لذلك المنزع من السيادة والحرية في شخصيتها ..
توفيت الأم بعد نحو عشر سنوات من زواجك بطاووس بحسرة صامتة حين لم تتمكن من رؤية أحفاد يأتون من ابنها الوحيد أيوب ؛ وقد أسرت إليك يوما تلومك " لماذا لم تتزوج بأخرى ما دامت طاووس عاقرا؟"
فأفحمتهاأنت : " إنني لا أريد أن أكرر تجربة والدي الشيخ محمد الطاهر حين جمعك إلى أم زهور ضرة.."
ساحة النقاش