في الأيام الأولى من رمضان  كانت حمامة  إحدى بنات خالك السغير  العازبات  هي التي استمرت  تخدمك في أعقاب  وفاة طاووس  بعد أن تفرق  جمع المعزين ؛ قال لك خالك  محمد الشريف الصغير  بلهجة  ذات مغزى  لم تفهم معناها في تلك اللحظة:

ـ ها هي  حمامة  كبرى بناتي .. ستقوم بك  كما لو كانت المرحومة ؛ بل  وزيادة!.. هي التي تهيئ لك  الأكل وتوضب الفراش ؛  وحين حل رمضان  نهضت هي  تعد لك  الإفطار والسحور ؛ ولكن سلوكها  معك كان يتدهور  يوما بعد يوم في صمت مريب ؛ لقد زرع  أهلها في فكرها  ان وجودها  في هذا البيت  هو لغاية  يجب  ان تسعى  لتحقيقها بسرعة .. أجل هي  تريد ان تترسم ؛ وبسرعة  في هذه الخدمة  بصفتها  زوجة وربة بيت ؛ وأنت  ما تزال في حداد ؛ ولا تريد  ان تفتح  موضوع إعادة الزواج   التي لم يأت اوانه  في رأيك ؛ إن لم يكن لا جدوى منه  اصلا  لشيخ  مثلك  في العقد السابع ؛ فانت  لم تفكر فيه  ولا تريد التفكير فيه..

منذ البدء ؛ رفعت حمامة معك الكلفة وحاولت  ان تحتك  بك حتى بدنيا (تترك يدها في يدك حتى تسلم لك شيئا ؛ وتقرب فمها من فمك تغريك بقبلة )بطريقة  صبيانية فجة  وبدائية ومنفرة ؛ فقمعتها  بعنف  لا لأنها وقحة  او قبيحة  الملامح فحسب  بل لأنك  أساسا صارم السلوك  مع النساء  جملة..؛  لقد كانت حياة أمك  المعذبة  قبل موت أبيك  كما لو كانت أرملة  حين اتخذ  له زوجة ثانية ؛ هذه الحياة المشحونة بالبغض  والريب  بين الوالدين  المتعاكسين  أبد الدهر  قد كرّهت لك عالم النساء  جملة؛ولم تكن فهمت  قصد حمامة المبيت.. وشيئا  فشيئا  وقد داخلها اليأس ؛ راحت  تتخلى عن كثير  من الخدمات  التي  كانت تقدمها  لك  في الأيام الولى  بحنو وحماس ؛ ولكن من غير براعة طاووس  ولمساتها  الرقيقة المفعمة  بسر النوثة  وخبرة الحياة  معك ؛ وفهم رغباتك  حتى وهي في سن متقدمة ؛ وفهمت  انت  فيما بعد  انها لم تكن تقدم لك تلك الخدمة  رحمة بك  او بفضل عاطفة حنان  تسكنها  وتعزية لك  على فقد الزوجة؛ بل املا في ان  تعجبك خدماتها  وتاسرك  بعاطفتها  فتعجل في قراءة الفاتحة على الأقل  او تعطيها املا  في ذلك؛ ..لم يعد طبق الحريرة  الذي كانت  طاووس  تتقن في تهيئته  وتقدمه لك  في السنوات الخوالي  موجودا بمواصفاته  المتميزة اللذيذة ؛ بل  وحذفت حمامة  الحريرة في اليوم الرابع من رمضان  نهائيا من مائدتك ..

هل من صوم يحلو  في رمضان  في غياب طبق الحريرة  من المائدة؟

 وصارت تقدم لك  أطباقا هزيلة  وخيمة  لا تدري ما اسمها  ولا كنهها بطريقة استفزازية  متعمدة ؛ رغم  أنك تتجشم  الحرارة و العطش  والتعب والنكد  وتغلق المكتبة  وتذهب بعكازك  إلى السوق  لقضاء كل  المستلزمات.. فإذا ما تقدمه لك حمامة  لا يفتح شهيتك .. حاولت أنت   توجيهها  بالحسنى  في إعداد  طبق الحريرة ؛ فإذا هي  تعتبر توجيهاتك  مسا بكبريائها  وبكرامتها  وصرخت فيك:

لست زوجتك  حتى تشترط علي أن أطبخ  ما كانت تطبخه الطاوس بنت مسعد  نايلي .. ماذا تريد مني يا جد أبي؟!..

 أبوها  الذي هوخالك في الواقع  هو من يكبرك  ببضع سنوات  لو كانت منصفة.لكن الحقد  يعمي الأبصار  وصارت فجأة تراك  أكبر  من أبها لأنك رفضت  من خلال صمتك  وتجاهلك  لأشاراتها  أن تشاركك فيما بقي  من حياتك زوجة..





ثم تضيف هي بجرأة  غير معهودة  من صبية  لا يزيد  عمرها عن  سبع وثلاثين  سنة أمام شيخ وقور  في العقد السابع :ليس بك من شيء غير أنك تتشبث بأطباق  التي  أكلت قلبك  وأعمت  بصرك .. طاووس بنت مسعد النايلي  بحذافيرها..  أتبعها  هناك في قبرها  إن شئت ؛ وستجد  عندها  كل الأطباق التي تحسن  طبخها .. اوصلني  لبيت ألي .. بركات ؛ أضجرتني  بدروسك..

وأقفلت جمامة   باب إحدى الحجر  على نفسها   مقاطعة لك  البتة  كما لو كانت  زوجتك.. وانقطعت عن الطبخ  جملة بدعوى  أنك لا تريد  أن تتناول ما تطبخ  يداها ؛ وعانيت أنت  لحظات  الحرج  عند حلول  الإفطار ولا مائدة  هناك.. وجددت هي الطلب  ان توصلها  لبيت  والدها ؛ وامتنعت نهائيا عن تقديم اي خدمة ..

في يوم الجمعة  الثامن  من رمضان  شحنتها  باكرا  في عربتك  بحقيبة ملابسها  وشؤونها  دون ان تنبس  او تتفوه بكلمة ؛ لقد قررتهما  الافتراق في صمت  الحقد  والبغضاء كما لو كنتما زوجين  قررا الطلاق البائن..وألقيت  بها في عرض الطريق  قريبا من بيت والدها  الذي هو خالك السغير  في أيميس  دون أن تجرؤ  على الاقتراب من بيت الخال  الذي لابد أن يحزن  هو وعجوزه  على خيبة املهما  في تزويج  إحدى بناتهما   الأميات   ولو بشيخ  بلغ من الكبرعتيا  عسى أن يضمن  بيتا  ومعاشا على الأقل  بعد لقاء  ربه الوشيك ..

وقررت أنت ان تعود  أدراجك  غير آسف  إلى المدينة  دون ان تلتقي  أحدا من المرجة ؛ لكن تجري  الرياح بما لا تشتهي السفن..

 لقد رأيت أنت جارك اللدود الغندور  يذرع الشارع  وقد استظل بمظل مكسيكي  عريض يحجب كاهله الملتصق برأسه  ولقد رآك مليا .

واضطررت أن تتوقف قليلا أمام بيتك في المرجة  دون ان تجرؤ  على الدخول ..

بذهاب طاووس لم يعد لشيء طعم او غاية ..

كانت اشجار الحديقة  تشكو عطشا  وخيما  إذ لم تسق  منذ زمن بعيد ؛ وقد انكمشت اوراقها  وذبلت  موشكة على السقوط  فيما بدت حبات الزيتون الخضراء  ضامرة  مغبرة ..

كان الموقف  يستدعي الدخول  وسقي الأشجار الشاكية ؛ لكنك  لدافع  داخلي  قوي  هو دافع  الرغبة في الاختفاء والتلاشي  انصرفت  انصراف اللامبالي

؛ وكانت النظرة  العامة  على بيت آبائك  الذي بدت العناكب  الان قد شمعته  بخيوطها  وضربت على كل شيء فيه ؛ قد جعلك يا أيوب تيأس  من الحياة  

كم  هي  الحياة إذن  شاقة صعبة  على متقدمي السن  امثالك يا ايوب  حين يواجهونها بصفة فردية  من غير قرين ولا  رفيق!..

وفكرت انت  طويلا في أشجار الحديقة  العطشى المتألمة .. لم تقم بسقيها منذ ان دخلت  طاووس المستشفى .. أي أزيد من ثلاثة أشهر .. مع هذا الفصل من الحر  الشديد  ستموت  الأشجار  لا محالة  إن لم تسق اليوم ..

حقا  أنت صائم  متعب والعطش يجالدك  مع هذه الصبيحة  الصيفية .. ثم إنك لا ترغب في رؤية أحد  من أهل مرجة  أيميس  لا تريد ان ترى  وجه الغندور  والعفر  الذي  امتلأ الان  صدره تشفيا   وقد خلفته  وراءك مقبلا  بمظلته المكسيكية.

 انطلقت أنت  بالعربة  تاركا شكوى الأشجار  وراءك ؛ وبعد ان قطعت  ما يقرب من نصف المسافة  في أخذ ورد   من تقليب الأمور  فيما بينك وبين نفسك ؛ تراجعت أنت  وقررت أنت   ان تعود لسقي  الأشجار  وليكن  ما يكون..


إن الحياة رغم  الضنك  ورغم كل شيء  لا بد ان تستمر  بوجه ما

 وإعادة  الحياة لتلك الأشجار  الذابلة  بسقيها  وجه من تلك الوجوه ..

أبك أجداث الأموات  إن شئت انت بدموعك ؛ لكن أسق  أبدان الأحياء  وأطعمهم  بما يحييهم..

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 80 مشاهدة
نشرت فى 14 مارس 2023 بواسطة berhailbelabes

ساحة النقاش

أبو العباس برحايل

berhailbelabes
الموقع يقدم كل ما يتعلق بكتابات الأديب ابي العباس برحايل في ـ الرواية ـ الشعر ـ المقالة »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

28,968