بمنحة أرملة الشهيد الرمزية  وشبه المرتب المتواضع  وسكنى  البوابة في المدرسة عاد  للأرملة الشابة  رواؤها  وعافيتها  وابتسم الحظ  لها ابتسامات  ليست عريضة  فحسب بل خارقة  للمألوف وتقدم لها من الرجال من أجل الزواج  من لم تحلم  بهم في كوخ  محتشد المسدور  قط..  وطرق بابها  الخطاب الأكفاء  بل وما فوق مستواها ؛ وتمنت وقد شرهت  مطامحها إلى الأعلى ؛ لو  خطبها  عبد  الرحمن عابد  أحد معلمي اللغة الفرنسية  المكلف  بتسيير  إدارة المدرسة ؛ والذي  كان يداعب ابنتها طاووس  ويهتم  بتعليمها في القسم ويعطيها  احسن العلامات ؛ وكان يغازلها  هي الأرملة  البوابة ذاتها ؛ ويلقي عليها قصائد  من الشعر الشعبي الملحون حين يخلو بها .. فتتهرب منه في خفر  وحياء ومكر  دون أن تجعله ييأس منها  ودون أن تتيح له  فرصة الخلوة  المريبة ؛ لا خشية  على شرفها فقط  بل لكي  تعطي  صورة  فذة  عن عفتها  التي  حافظت عليها  في أحرج الفترات إبان الثورة  ؛  لقد كانت تميل إليه ميلا شديدا  لتفتحه  وخفة دمه  وتقديره لها ؛ رغم  علمها أنه متزوج  وأب لابن  وبنت ؛ وتحترمه  لأنه  كان إضافة إلى كلمات الإطراء  المبهجة  الزارعة للثقة في النفس  وقصائد الشعر  المهيجة للمشاعر  يتحفها  بما يكمن  أن يسمى  إمدادا  من حين للآخر..


فواكه او خضرا أو  لحما  في شكل هدايا  تتسلمها جوهرة  من يد زوجته الطيبة  ذاتها  دون  أن يشعرها هذا الإمداد  بأنه شكل من إشكال  المن أو الصدقة  المثيرة للشفقة..

 إن زوجته الجميلة  البيضاء البشرة  الدمثة الخلق  بدورها معلمة ؛ ولكنها  تعمل في مدرسة  أخرى يتكلف زوجها  الودود  في كل وقت  بتوصيلها  ثم الرجوع  بها  رغم قرب  المسافة  في سيارتهما السيتروان  الزرقاء الصغيرة ذات  القوة البخاريةالتي لا  تزيد عن حصانين  اثنين..  

                                                  كان سي عبد الرحمن عابد  ذا أريحية في النفس  غالبة فريدة  ؛

 

وأريحيته العفوية ؛ تتجاوز  المال  ولطف الحديث  إلى رغبته في تعليم من حوله  شؤون الحياةالعامة ؛ ولطالما  أسدى  لها  توجيهات ونصائح  في ممارستها  لعملها باعتبارها  بوابة.. لقد كان بشكل ما معلمها كذلك  ؛

رغم تلك المطارحات  الشعرية  الغزلة العذبة التي يتحفها  بها حين ؛ و يوردها  بطريقة فيها  ود وظرف .. إنه  رحب  اليد سمح محب كريم. يحب زوجته  ويطبع قبلاته  المعبرة  عن رقة القلب  على خدها  أحيانا أمام الملإ  دون حرج ..

ويفيض حبه  إلى غيرها  لكن  نظرات الحب  المشبعة  بكلمات الإطراء شيء ؛ وما تريده  جوهرة  الأنثى والأرملة  من حب يفضي إلى الزواج  والستر  كما تقتضيه الأصول  شيء  آخر..

ولذلك  لم تعول  الأرملة عليه  رغم أمانيها  القلبية  المجنحة  المكنونة في صدرها ؛ وكان وكدها  وهمها  ان  تقع عليها  عين  رجل في مثل  أريحية  هذا  الرجل المثالي  يريدها للزواج  لا للعبث  او المتعة  او التسلية  وتزجية الوقت ..

رجل  يقدر عمل المرأة  ويتحمل  المسؤولية  ويبدي مناقب  تخول  له  ان يكون  والدا صالحا  لابنتها طاووس  تلك الفراشة  البهية  التي

التحقت طاووس بالمدرسة ؛ وصارت تأتي  بنتائج باهرة بفضل المعلم  عبد الرحمن  الولهان  بسمرة  بشرة امها  وحيويتها  وسذاجتها البدوية  الصريحة المحببة  إلى النفس  وكذلك  بفضل بقية معلميها  الذين  يعطفون عليها  باعتبارها  بنتا يتيمة  الأب  وباعتبار ما تقدمه  أمها  البوابة  من بسمات مغرية  بشفتين  من لمى لذيذ  من غير تقبيل ؛

وطاقم أسنان  من لؤلؤ جذاب  وطرائف  من لسان  فذ  رقيق فصيح ؛

ومن خدمة للمدرسة  بيد بارعة  متقنة ..

بل وتتعدى  يدها الجزلة  السمحة الخدمة  الرسمية إلى القيام  بخدمة اجتماعية  حميمية ذات طابع إنساني  رفيع,و كانت تتطوع  يوم السوق  الأسبوعي  بإعاد  غداء احتفالي


من الأطباق  التقليدية الشهية ؛سواء  الشخشوخة او الرفيس  او الحريرة  والمطلوع أو الكسكسي  او غير ذلك  


لفوج من المعلمين الذين  بقومون بشراء اللوازم  والضرورات  من لحم كبش طازج  ودقيق وخضر  وسمن وزيت وتوابل ونحو ذلك ؛ وتقوم هي  بكل جهد  الإعداد والطهي  في بيتها  المتواضع  بمدخل المدرسة  والتقديم  في ساحة المدرسة  تحت ضلال الأشجار  المخضرة  إن كان الطقس  صحوا  أو في إحدى قاعات  الدروس  إن كان الجو غاضبا ؛ في جو عائلي  بهيح ؛ يهش له الجميع  وينتظره بفارغ الصبر  خاصة المعلمون  المعينون  من سائر  عمالتي  التيطري وتيارت؛أي  من خارج المدينة ؛ والذين  هم غالبا مايكونون  غير متزوجين  ويقيمون في  مساكن جماعية  للعزاب  بالأحياء الشعبية  أو في حماماتها الرخيصة.. ويشتاقون  للأجواء الأسرية  الدافئة  وأطعمتها اللذيذة المتميزة ..  وكانت جوهرة  بمثابة تلك  الفراشة  الذهبية  الطوافة  التي يريد ها الجميع  دون أن تقع  في يد  احد من الطامعين  أو من ضعيفي  المروءة  والأخلاق ؛ بعفتها  التي تربت  عليها  تربية ملائكية  بل وصانتها  بكبر  وصبر  إبان  الثورة  في محتشد  المسدور .. لقد  كان عسكر المخيم  من المجندين  المحليين يعاكسون  جوهرة .. ويسألونها  عن أشياء مثل اسمها  ومن هو حبيبها .. فتتجاهلهم البتة  ولا تجيب  بشيء بخلاف  صواحبها  اللواتي  يدخلن مع العسكر في أحاديث ومعاكسات  لذيذة كام  بعضهم  شبانا  بحتفظون بنزق الشباب  ممن جندوا إجباريا ؛ كانوا ينادونها  مستفزين  حين تقدم  إلى العين  للاستسقاء  دون ان تعيرهم  اهتماما  يسمونها "عذراء  المخيم الغامضة"  مع  أن الأصح  أن يقال  عنها  أرملة المخيم  الحزينة..


ناهيك  عن تحرشات من بعض  سقط الرجال الذين لا مروءة لهم

والذين  يظنون  في نفوسهم المريضة  أن كل ارملة  قابلة للسقوط  في مخالبهم ؛ وقد خبروا  ذلك  مع بعض الأرامل مع الأسف..

 

 

 

 

 

 

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 47 مشاهدة
نشرت فى 9 مارس 2023 بواسطة berhailbelabes

ساحة النقاش

أبو العباس برحايل

berhailbelabes
الموقع يقدم كل ما يتعلق بكتابات الأديب ابي العباس برحايل في ـ الرواية ـ الشعر ـ المقالة »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

28,968