في المساء  وجدت نفسك  وحدك في الفراش لأول مرة  تتململ  وقد غادرك النوم ؛ فيما تقبع الطاووس هناك في المستشفى  دون أن تعلم  المسكينة  وهي تبكي ابنها المزعوم  الذي فجر نفسه في مبنى أمني بسوريا .. إنها في انتظار المبضع  الجراحي  الذي سيشق  الرسغ  والكعب من قدمها ..  ستكون هي  ذاتها  بعد الخروج في حاجة لمن  يخدمها  ؛ وكانت طيلة أربعين سنة  هي من يخدمك  يا أيوب.

لوكانت طاووس أنجبت؛ هل كان سيخدمكما  خلفكما؟.. في الأمر شك.. لا تستبق الأحداث .. دع  الأمور  لأوانها ؛ لخالك الصغير  بنات  عازبات  بمرجة أيميس  هل  يمكن  أن يضع إحداهن  في خدمتك مؤقتا؟ .. في الليالي الثلاث السابقة  كنت تهجع  شبه جالس  على إحدى الأرائك  في بيت الأستاذ حيدرة  ومع ذلك كنت تغفو.. الآن  لا يريد النوم ان يزورك.. وقد تقرر  في شأن رفيقة  دربك في الحياة  ما تقرر..         طاووس قضى  والدها مسعد نايلي شهيدا  في معركة  الشوابير  بجبل القعدة سنة 1956 ولم يكن مجندا  مجاهدا  ضمن الكتائب الأربع التي  خاضت المعركة الضارية  الشهيرة التي تضارع معركة الجرف في أوراس النمامشة ؛ وألحقت بالعدو  الفرنسي الغاشم  خسائر فادحة في الأرواح؛ بل نفذ فيه  الإعدام بدم بارد ؛ مع ثلاثة من إخوته  ووالده وعدد من  العزل  من غير محاكمة في الأيام الموالية  للمعركة انتقاما  لتلك الخسائر  ؛ لا لسبب إلا لمجرد د  شبهة إيواء  كتائب جيش التحرير   وإطعامهم  في خيمتهم ذات العماد العالية المتميزة  عن بقية الخيام ؛ وكانت  طاووس يومئذ مجرد نطفة  مزروعة في رحم امها جوهرة.                            ولدت طاووس  في محتشد " المسدور "  بجوار مخيم  عسكري  أقيم  عند أقدام  جبل القعدة  المفتوح على سهل  سهبي  رعوي  ممتد  مغطى  بشجر الشيح  والقطفة  وغير ذلك  من النبات  البريالسهبي .. المحتشد  الذي سيقت  إلأيه أمها  جوهرة  مع بقية  النساء والعجائز والصبيان  إثر مجزرة  الإبادة  وما تلاها  من  حرق  القوة الغاشمة  للخيام ومصادرة  المواشي  التي كانت  هي المصدر  الوحيد  للرزق لدى  هذه الأسر البدوية  المتنقلة .. تتقوت منها  في كفاف وعوز..       والحق أن  المحتشد  كان يوفر  لكل عائلة  سقفا  من قصدير  بدا لأول وهلة  نعيما ؛ أفضل من الخيمة الوبرية  المرقعة  رغم  الحر المذيب صيفا  والقر  المجمد شتاء  وكان المحتشد يتوفر في ساحته العامة المرتبة  التي تشرف عليه  البيوت القصديرية   على بئر مشتركة  زودت بمحرك ديازيل  يقوم عسكر المخيم  بتدويره  لملء الصهاريج الخاصة بالثكنة  ثم تتزود  منه  كل أسرة  في كوخها القصديري  بحاجتها من الماء  كل يوم على الساعة  العاشرة ضحى ؛ كما يملأ الحوض الإسمنتي  الطويل للغسل ولشرب البهائم  وسباحة الأطفال فيه صيفا رغم تلوثه .. وكانت  النساء يعتبرن  تلك البئر  هي النعيم ذاته رغم أن الماء  كان مالحا ولا يستساغ  إلا على مضض..


   كانت جوهرة  أم طاووس  تعيش  إذن بين ظهراني  عائلتها  التي عادت إليها  بصندوقهاالمزوّق المزخرف  وأغراضها المتواضعة  بعد ان مات عنها؛ ضحية  من غير جرم ؛ زوجها الشهيد  مسعد نايلي ؛


 وكان والدها الراهم  ميسور الحال  بمعايير الجهة التي  كانت تعيش فقرا مدقعا في جملتها ؛ وإذ فلت قطيعه أيام المحنة  من المصادرة  بأعجوبة  ونجا هو ذاته  من الإعدام الجماعي ؛ ذلك انه لحسن حظه  لم يكن  قد رجع بعد  من رحلة الصيف إلى التل في أعقاب  معركة الشوابير  وما تلاها  من ذلك  التقتيل الجماعي  للأرواح البريئة  ومن حرق للغابات  والبيوت والخيام ؛ ومن نهب للممتلكات  ومن تدمير شامل لكل  مقومات الحياة . أي حياة بالمنطقة  من خلال تنفيذ   المستعمر الغاشم  لتلك السياسة  الجهنمية  الممنهجة: سياسة الأرض المحروقة  ؛ في محاولة يائسة  لإخماد اوار الثورة التحريرية  ولهيبها المقدس   ولم تتجاوز يومئذ  جوهر ام طاووس  التاسعة عشرة حين ترملت ؛ ومع ذلك  لم تعاود  الزواج ؛ ليس كرها فيه  ولا رفضا لمبدئه  فابن  عمها مسعد  لم يأخذ  من قلبها  غير ذلك المقدار  من المكانة البسيطة  التي يحتاجها الأزواج  الطيبون  الذين لا يتسمون  بسمات  جدارة إضافية  على سائر الأزواج  ؛  لقد كان  زوجا  صالحا  قائما بشؤون البيت حسب الأعراف وهذا كل شيء..  هي إذن لم تتزوج ثانية  بعد ان اخترقت ثلاث رصاصات  صدر زوجها ؛

رصاصات أطلقها عليه عسكري يجري  الدم الفرنسي   في عروقه الغاضبة  بصورة قدرية  عمياء .. وطارت  شاشية مسعد الصوفية  الغليظة  مع طيران  مجموعة  دجاجات  كنّ عند قدميه  مع إحدى العنزات  الهاربة  من صاخة  لعلعة  الرصاص  وجلبة العساكر الشرسة  وهو يخر جثة هامدة  قرب الخيمة .. انتحبت جوهرة بملء  حنجرتها  وفكت ضفيرتي  شعرها وأسالت  الدم  من وجهها وقد  أنشبت  أظفارها  في خديها  بجنون  وظنت  ان حياتها  انعدمت  بانعدام  مسعد؛ ولكن الأيام  وكرورها  تكفلت بالأمر  فهي تنتج بلسم الشفاء بنفسها. وهي كفيلة  باختزان صورة  القتل الغاشم في كوة نائية  من القلب الكسير  بعيدا عن بؤرة الشعور  المحدقة  في اهتمامات الحياة اليومية  الجارية بمطالبها  العنيدة المتجددة.     لم تتزوج ثانية  لآنه ببساطة لم يتقدم لها  من الرجال غير الحشف البالي  المحتقرين الذين لا يرقون حتى  إلى مستوى مسعد  زوجها الفقيد.

وهو الحد الأدنى  لقبول  زوج جديد ؛ بل وأعرضت جوهرة  حتى عن  الدراجي بن الشيخ دحمان  ؛ أحد  المتصرفين الوجهاء  الواضعين عمامة بيضاء ضخمة  على رأسه  مشدودة  بخيط مفتول  من الوبر  الأصهب ؛ وأحد  المتعاملين  مع قبطان  العسكر  في المحتشد  ؛ والذي يتولى  النطق  باسم الأهالي  والترجمة امام القبطان ؛ والذي  أراد  ان يتخذها زوجة  ثانية .. لا يمكن  ان تتزوج جوهرة بمن يتعاون مع قتلة  والد ابنتها طاووس  


                          أعرضت جوهرة  عنهم لا عن زهد  في  زوج يسد  حاجتها كانثى  يشبع رغباتها الجنسية   ؛ ويقوم  على الباب ذكرا يصون الشرف ..

بل  هي أعرضت عن أشباه الرجال  ؛ إما مستسلمين  لأعداء و  خونة ؛ وإما أشباه رجال  خاملين  او معتوهين ؛ منتظرة  للرجال الأكفاء   الذين ترضيهم  وترتضيهم  ويعوضونها  عن بعلها  الفقيد.. ولم يأت الفارس  المامول  حتى على جناحي البراق  الحائم ؛ ودام  الترمل القاسي  يطمع  الأراذل  في شرفها  ويدمي قلبها  حتى جاء الاستقلال.. وحينئذ دارت  في رأسها أحلام أخرى  غنية خلابة ؛ أحلام الحرية  تسبح  وتسيح  بصاحبها  في كل سماء  ومحيط..                                                                      تبسم لها الحظ  ابتسامة عريضة ؛ وتسنى لها  أن تتوظف  بوابة  في مدرسة شهيرة  بالمدينة  رغم  أنف  الراهم  والدها  الموال  الذي  عاد  إلى خيمته  وإلى  حياة  الترحال  الدائب  بين التل  والصحارى ؛

بمجرد  أن وضعت الحرب  أوزارها  مغادرا  لكوخ محتشد  المسدور ؛ وكان  قد خيرها  مساوما بتلك العقلية  التي كانت عليها الحياة  الدنيا الغافية  قبل ثورة التحرير ..

بين أن  تتزوج  حتى يأخذ مهرها  مقابل  ما قدم لها من نفقة عليها وعلى ابنتها   أيام الإقامة في  المحتشد .

أو أن تصب  في جيبه ما تتقاضاه من منحة  هي وابنتها  طاووس باعتبارها  أرملة شهيد..

فلم تنصع  لا لهذا المطلب ولا لذلك  الأمر  وقد  هبت  على الدنيا نسمة  رقيقة منعشة  من التحرر الاجتماعي  بعد أن تحررت  البلاد  من أغلال الاستعمار الفرنسي  ..

وتشبثت  جوهرة  بالمدينة  وباستقلالها عن والدها الذي ضرب في البوادي  يتتبع منابت العشب  والماء  لمواشيه  العجفاء  التي  طال حبسها في حدود  معينة  لا تتجاوزها  في البادية المتصحرة  المحيطة  بمركز الاحتشاد الإجباري  أبان الثورة..

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 72 مشاهدة
نشرت فى 8 مارس 2023 بواسطة berhailbelabes

ساحة النقاش

أبو العباس برحايل

berhailbelabes
الموقع يقدم كل ما يتعلق بكتابات الأديب ابي العباس برحايل في ـ الرواية ـ الشعر ـ المقالة »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

28,968