تمثال  يقف كل صباح  على منسأة(عصا) مجوفة من شجرة الخروب  ليلقي في روع الرعية  الغافية  عن فتنة الكرسي بوجوده البدني  وليشير   ويوحي للفنيين  العفاريت  بإصبعه أن  واصلوا العمل  بدأب وجد  في الورشة العظمى  للمرافق  الملحقة  بالهيكل ؛ والتي  لم يتم بعد إنجازها  ؛ ورغم  أن الحيلة انطلت  منذ زمن طويل  على العمال  والفنيين  البارعين في إنجاز  أعمالهم  في براعة  عفاريت الجن في عالم الغيب  إلا أنه تأتى لهم في النهاية  أن يلاحظوا  ويروا  أن الملك  الذي ما فتئ  يطل عليهم كل صباح  من الشرفة العالية  بملابس مختلفة

 لم يكن غير تمثال  من خزف  تآكلت منساته أو عصاه   التي يرتكز عليها  بفعل كرور الأيام  وصروف الليالي ؛ وقد  خر التمثال الخزفي  من على الشرفة  إلى الأرض  محطما  شذر مذر  وبمجرد  أن  لامسته  نسمة ريح  قوية هبت  ذات صباح  على الصرح؛

وذهبت كل شذرة  وكل مذرة  من الخزف  في اتجاه يختلف  عن اتجاهات  صواحبها الأخريات ..

وأسرع العمال  إلى الأجزاء  يجمعونها  متعجبين ؛ وقد ظنوها  لحم الملك  وقد فُجّر تفجيرا !

وتأكد جن  الطير  وعفاريت الإنس  قبل  جن النار  وعفاريت  الجن  ـ فضلا عن النمال والصراصير  الذين  كانت أعباء  الأعمال الحقيرة  تنهض على كواهلهم  ما داموا لا يحترفون  غير حرفة العتل  أو الصقل ـ ووقر في عقول الجميع  وقد انكشف السر  المهول أن الملك مات منذ زمن طويل ؛ وأنه قد تم استغفالهم  والتلاعب بهم  دون أن يدركوا  ما كان يحيط بهم  من استغفال  مشين ؛ وتلاعب  مريب ؛ ومن إهانة مقصودة  ؛ ومن تسخير  منكر؛ فطالبوا بأجورهم  فور وقوع الملك من منسأته وفور  الصحو  من وقع الصدمة عليهم ؛ تحصيلا  لحقوقهم  وثأرا لكرامتهم المهدورة..

لكن مجلس الأوصياء على العرش كان في صمم من مطالبهم  ؛ وأنكر عليهم كل حق  مدعيا ان عقودهم كانت مع الملك الهالك ؛ طالبا منهم إعادة  شذرات التمثال  وتسليمها  بهدف إعادة  ترميم التمثال المهشم  ولكن العمال قد مردوا  الآن على العصيان  واعتادوا عليه


 فغمروا  أجزاء التمثال  صفعا  بأخفافهم  وركلا بأقدامهم  وسحقوها سحقا  بمعاولهم .


وظن مجلس الأوصياء   أن العمال  قد يكتفون في غضبتهم المزاجية  الجنونية  التي تجاوزت كل حد  في إهانة  رمم  تمثال الملك  بسحق ذلك التمثال ؛ ولكن العمال المظلومين  مالبثوا أن قاموا وهبّوا  رجلا واحدا  ويدا واحدة يحطمون  ما شيدوا من منشآت  تحت سلطة موهومة  وهي سلطة تمثال الملك  الذي مات منذ زمن بعيد ؛ وامتد غضبهم  الأهوج إلى الصرح الممرد  وإلى  بيت الضيافة مقلاع داوود  وغير ذلك من المنشآت الفاخرة  التي كانت محل  زهو  وتعال  في بيت حرب..  فلم يتركوا في تلك المنشآت  حجرا قائما على حجر

بعد أن نهبواما نهبوا

 وألهبوا النيران  في خشب السرو  والأرز اللبناني  المستخلص  من المباني ؛

ولكن فرقا  من طيور الصافنات  الجياد أو بالأحرى فرسان الخيل الأصيلة ؛كانت قد حاصرتهم  من كل جهة وسدت عليهم  كل طريق  للهرب

وراح الفرسان  بالسيف والرمح  يمزقونهم تمزيقا  

فلم ينج  من عفاريت الإنس  ومن النمل والصراصير  إلا من كان  محظوظ الأقدار ؛ حين فر بجلده  عبر الممرات  الخلفية للمدينة الملتهبة قبل أن تستكمل الجياد المسلحة  حصارها على الجموع المتمردة المخربة ..

وجوهر  المسألة  كما هو مدون فيبعض اللواح المسمارية  القديمة  أن ألسنة اللهب  التي تلاحق  خشب السرو  والأرز  في مدينة بيت حرب  بقيت مشتعلة  فوق الجلاميد المكومة  أربعين يوما بلياليها ؛ وأن  تلك النيران  كانت ترى من جبل الثلج  في آرام  وجبل لبنان  في فينيقيا ولا شك أن في هذا مبالغة لا غير  ؛ القصد منها بيان هول الحريق ألذي نشب في بيت حرب..

وفي غمرة  فتنة الكرسي قبل ذلك ؛لم يتسن لملك الملوك  أن يفك القيود  عن أسراه الذين زج بهم  في دهاليز الصرح  الممرد  على إثر تسورهم  عليه المحراب  ومات  دون أن تتاح  له فرصة تقرير مصيرهم

 نزولا عند ملتمس الملكة بلقيس ؛

وحين أنهوا محكوميتهم المقررة بتسع وتسعين  دورة شمسية  راجع  الملكة  الوصي الأول عن  العرش  الربي صمويل  في شأن  الفتية  الذين تسوروا المحراب  بعد أن خمدت  فتنة الكرسي  واستتب الأمر  للملكة الفرعونية  ولمجلس الوصاية  فأمرت بإبقائهم  في دهاليزهم  بعد أن فهمت  ان الأمر منوط بغريمتها  بلقيبس في مأرب ؛ وكأنها تنتقم منها لتطفيء  نيران غيرتها  منها بهذا التصرف القاسي  وكان مصيرهم المشؤوم في انتظارهم .. لقد  دك العمال  الثائرون الصرح  فوق رؤوسهم  ولم ينتبه احد  من أولئك الثائرين  إلى وجود  المساجين  في الدهاليز  وقد فر الحراس  بجلودهم وحين اضرمتالنار  في خشب  الصرح  أتت عليهم النيزان في الدهاليز ؛ وكان لا مناص  أن يتفحموا  ويتحولوا  إى ما يشبه الرماد  دون أن يكلف  أحد نفسه مشقة إخراج ما بقي من رفاتهم  حين خمدت النيران  وانطفأ جمر النار ولهيب الفتنة..

ولكن سيف قصاص  الأقدار كان قريبا ؛ ولم تنقض  سنوات عجاف  حتى غزا الفراعنة  بقايا  بيت حرب  التي  سلمت من الحريق  واحال  ما بقي فيها من منشآت  تشكو البلى  والهرم  إلى خراب  بعد ان بسط  العبودية  على كل قطعانها  من خلال ضرب الجزية  عليهم  وصادروا  الكنوز التي كانت مخزنة في قدس أقاس  الهيكل  وترك الفتى  رجيعام  بن شلمون  يحكم مدينة أشباح  لا تستهوي  أحدا  وقد شحت فيها الأرزاق  وأثقلت  الرعية بالضرائب والمكوس اليومية ..

فيما عاد النمال والصراصير  من الفلستيين  والكنعانيين  إلى  الظهور ظهورا كثيفا  بحكم طبيعة الأشياء  وسنن الكون التي تابى الاستئصال ..

وما اسرع  ما أمسوا يشكلون  أغلبية السكان مثلما امسى الزيتون يشكل أغلب الأشجار في البساتين المحيطة..

يتبع

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 131 مشاهدة
نشرت فى 24 فبراير 2023 بواسطة berhailbelabes

ساحة النقاش

أبو العباس برحايل

berhailbelabes
الموقع يقدم كل ما يتعلق بكتابات الأديب ابي العباس برحايل في ـ الرواية ـ الشعر ـ المقالة »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

28,968