الانتباه للآخر وحقوقه‏!‏
بقلم: د.فوزي فهمي
كان لأحد السلاطين سبعة أبناء‏.‏ استشعر أكبرهم شغفا للسفر‏.‏ لم يفصح عن الشعور الذي دفعه الي تحمل عبء المجهول بتنوع معاناته‏,‏ لكنه حسم أمره‏,‏ وطلب الي أبيه الإذن بالسفر‏.‏ وافق الأب دون تفحص مغزي احتجاب ابنه بالسفر‏

 

‏ أو معرفة وجهته‏,‏ ومدته‏.‏ تري هل لأن الأب قد علمته خبرته أن الإنسان قد يمضي الي جهات متعددة‏,‏ لكن يبقي احتمال عودته هو الأمل؟ منح الأب لابنه سفينة‏.‏ وطعاما‏.‏ ومالا‏.‏ أبحر الابن حتي وصل الي جزيرة‏,‏ فهبط متجولا في ربوعها‏,‏ فاكتشف ازدهار أشجار الفاكهة بكثافة واضحة‏,‏ فراح في أثناء سيره يقطف ثمارا من هذه الفاكهة ويأكلها‏,‏ لكنه لاحظ أنه عندما كان يلفظ بذور تلك الفاكهة من فمه‏,‏ وما إن تلمس الأرض‏,‏ إذ بتلك البذور من فورها تصبح نباتات جديدة تحمل ثمارا ناضجة لتلك الفاكهة‏,‏ متحررة من عبء الزمن المفروض لنموها ونضجها‏.‏
بالطبع دهش الشاب من استحالة معقولية ما يجري أمامه مخالفا لكل الثوابت‏,‏ فأسرع بالاستحواذ علي كميات من تلك الفاكهة أودعها سفينته‏,‏ إذ يبدو أن إغراء الرغبة في الاستحواذ علي الفاكهة العجيبة‏,‏ عطل لدي الشاب الانتباه الي الظاهرة‏,‏ والتفكير في تساؤلات عن الشروط العامة والخاصة التي يستوجب حضورها استمرار هذا النضج السريع الذي لا يخضع لجبر الثوابت‏.‏ تري هل تخطي الشاب تلك التساؤلات تحت ضغوط اللهفة والحرص علي اقتناء الفاكهة لما تمنحه له من عائد‏,‏ لم ينله من قبل‏,‏ ولن يناله سواه؟
أبحر الشاب حتي وصل الي جزيرة أخري‏.‏ وكان أسير انبهاره بالمعجزة التي عثر عليها‏,‏ لذلك فإنه عندما مثل أمام سلطان الجزيرة‏,‏ لم يفرط في وصفها‏,‏ بل أكد رغبته في عرض الفاكهة المعجزة أمام السلطان‏,‏ إذ رهانه هو المشهد وفعاليته‏.‏
أدرك السلطان أن ما يطرحه الشاب هو أقصي مساحة اللامعقول المبعد عن التفكير‏,‏ لكن السلطان التزم بالإجراءات التي تكشف ألاعيب هذا اللامعقول وتفضحه‏,‏ بأن سمح للشاب أن يتحمل عبء البينة‏,‏ فأباح له عرض تلك الفاكهة العجيبة دونما جنوح للمصادرة علي ما يدعيه‏,‏ رغم عدم قناعته‏,‏ لكنه اشترط علي الشاب إيداعه السجن عقابا له‏,‏ إذا ما جاء المشهد مغايرا‏,‏ بما يثبت عبثه‏,‏ وتوهمه المختلق‏.‏
أحضر الشاب الفاكهة‏,‏ وأخذ يأكلها‏,‏ ويرمي بذورها علي الأرض‏,‏ منتظرا أن تنبثق ناضجة ثمارها‏.‏ لكن تبدي المشهد المتاح رؤيته للجميع‏,‏ أن البذور بقيت علي الأرض منطفئة الوجود‏,‏ دون أن تتجسد ثمارا واقعية فورية كما أعلن الشاب‏,‏ الذي أصابه المشهد بالخذلان‏,‏ وقاده الي الضياع‏,‏ إذ وفقا لشرط الاتفاق‏,‏ أرسله السلطان الي السجن لغياب البينة عي ما ادعاه‏.‏ لا شك أن الشاب في محبسه راح يسائل نفسه عن السر الخفي‏,‏ الذي أوقعه في مستقبل مرعب ومضاد لما كان يتوقعه‏.‏ تري هل لأن منطق الفحص‏,‏ والتحقق من ظاهرة تلك الفاكهة‏,‏ واستيعاب شروط فورية استدامة إنتاجها‏,‏ قد تهافت أمام جاذبية إغواء استباحتها‏,‏ وأنانية الاستحواذ عليها لاستثمارها السريع‏,‏ تجاهلا لمعادلة أن استحقاق النجاح يتطلب العمل بتغطية معرفية تحمي من مآزق أية تقلبات مقبلة؟
انقطعت أخبار الشاب‏,‏ وأقلق ذلك إخوته‏,‏ فذهب أكبرهم الي الأب‏,‏ طالبا أن يمنحه سفينة‏,‏ وطعاما‏,‏ ومالا ليبحث عن أخيه‏,‏ فمنحه الأب ماطلب‏.‏ أبحر الشاب‏,‏ فوصل الي نفس الجزيرة التي تنبت الفاكهة العجيبة‏,‏ وبدوره أكل منها‏,‏ وألقي بذورها‏,‏ فوجدها عند ملامستها الأرض تنمو ثمارا ناضجة‏.‏ بالطبع دهش‏.‏ وكما فعل أخوه‏,‏ وانطلاقا من الفكر المغلق الذي لا يرتكز علي أية مهارة‏,‏ سوي الاستحواذ الفوري علي الشيء المميز بهدف استثماره‏,‏ دون محاولة المعرفة والاستيعاب ـ سواء بالسؤال أو بالاختبار والتجربة ـ عما إذا كانت ثمة شروط ظرفية يحكم حضورها استدامة تلك الظاهرة‏,‏ ويمتنع في غيابها استمرارها‏,‏ إذ بالشاب لم ينتبه الي ذلك ـ تماما كما فعل أخوه ـ وراح يجمع سلالا من تلك الفاكهة‏,‏ حملها علي سفينته مبحرا‏.‏ تري هل رغبة الاستحواذ شتت انتباهه عن طرح التساؤلات الصحيحة والمناسبة؟ عندما وصل الشاب الي الجزيرة التي لا يعلم أن شقيقه مسجون بها‏,‏ راهن أيضا علي لقاء السلطان الذي كان شرطه للقائه‏,‏ أن السجن سيكون مصيره إذا عجز عن إبراز البينة علي ما يدعيه‏.‏ وفي مشهد الإثبات‏,‏ إذ بالفاكهة لا تنمو‏,‏ فأجهضت حلمه‏,‏ وأصبح نزيل سجنه‏.‏ وواحدا بعد الآخر أبحر الإخوة كلهم ـ باستثناء الأصغر ـ بحثا عن الآخرين‏,‏ عبر رحلات متعددة‏,‏ لكنها متماثلة‏,‏ متطابقة في الوقائع والسلوك والاستجابات كافة‏,‏ ابتداء من التعرف علي الفاكهة العجيبة‏,‏ وانتهاء بالسجن‏.‏ ذهب الابن الأصغر الي أبيه السلطان‏,‏ فحصل منه علي سفينة‏,‏ حملها بالحبوب‏,‏ والأرز‏,‏ والماشية ثم أبحر بها حتي وصل الي جزيرة مملوءة بالطيور‏,‏ لكنه انتبه الي أنها تتضور جوعا لنقص الغذاء‏,‏ وبفورية مطلقة‏,‏ باشر تلبية احتياجها الملح‏,‏ بأن أنزل الحبوب من سفينته‏,‏ وقدمها الي الطيور الجائعة‏.‏ أمام دلالة فعله‏,‏ أعطي سلطان الطيور للشاب قطعة بخور‏,‏ طالبا إليه الاحتفاظ بها حتي الوقت الذي يكون في حاجة الي مساعدتها‏,‏ وحينها عليه أن يحرق البخور‏,‏ ولحظتها سوف تشم الطيور رائحة البخور وتأتي لعونه‏.‏ واصل الشاب رحلته حتي بلغ جزيرة أخري اكتشف أنها مملوءة بالذباب‏,‏ لكنه انتبه الي انسحاق الذباب أمام جوعه‏,‏ وغدا الجوع‏,‏ والعجز‏,‏ وعدم وجود ما يؤكل‏,‏ مشهدا ليس بالمستطاع تصوره‏,‏ عندئذ أسرع الشاب بذبح ماشيته‏,‏ ورمي بها الي الذباب‏.‏ واعترافا بما فعل‏,‏ تقدم سلطان الذباب الي الشاب‏,‏ وأعطاه قطعة من البخور‏,‏ موصيا إياه بحرقها عندما يكون في حاجة الي المساعدة‏,‏ لحظتها سوف يشم الذباب رائحته‏,‏ ويحضر للمساعدة‏.‏ تابع الشاب إبحاره‏,‏ فوصل الي جزيرة ثالثة‏,‏ يسكنها الجن‏,‏ وانتبه الي معاناة الجن من الجوع‏,‏ وأنه ليس هناك من طعام بالجزيرة‏.‏ استنفر مشهد الجوع الشاب واستنهضه الي إنزال الأرز من سفينته طعامالهم‏.‏ وتقديرا لمبادرته‏,‏ تقدم سلطان الجن الي الشاب وأعطاه قطعة من البخور‏,‏ وطلب إليه حرقها عندما يكون في حاجة الي المساعدة‏.‏
أبحر الشاب‏,‏ فبلغ جزيرة الفاكهة التي سبق أن عثر عليها اخوته‏,‏ وعندما تعرف الشاب علي خصوصية هذه الفاكهة‏,‏ وعجز عن إدراك سرها‏,‏ جمع بعضها‏,‏ وحملها الي شريك للمعاينة والتساؤل والمعرفة‏,‏ لذا عاد أدراجه الي جزيرة الجن‏.‏فأخبره سلطان الجن أن بذور هذه الفاكهة لا تتحقق سرعة استمرار نموها إلا في تربة خاصة‏,‏ ونصحه إذا أراد أن يعرض هذه المعجزة علي غرباء‏,‏ عليه أن يأخذ من تربة هذه الجزيرة‏,‏ ويلقي عليها بذورها‏,‏ لذلك ملأ الشاب سفينته من تراب الجزيرة‏,‏ وتابع رحلته حتي وصل الي الجزيرة التي لم يكن يعلم أن اخوته سجناء بها‏.‏ قابل سلطانها‏,‏ وحكي له عما يحمله من فاكهة عجيبة‏,‏ فأبلغه السلطان أن هناك ستة رجال في السجن‏,‏ لأنهم فشلوا في إثبات صحة ادعائهم عن هذه الفاكهة‏,‏ وحذره أن مصيره سيكون كمصيرهم إن فشل مثلهم‏,‏ وأعلمه أنه في الغد سوف يشهد بينة ما يدعيه‏.‏ في الليل نشر الشاب في كل مكان التربة الخاصة التي أحضرها معه‏.‏ وفي الصباح‏,‏ وأمام السلطان وحكمائه‏,‏ أكل الشاب الفاكهة‏,‏ وألقي بذورها علي الأرض‏,‏ فإذا بها ـ من فورها ـ تنمو وتنضج ثمارها‏.‏ دهش السلطان‏,‏ والحاشية‏,‏ وشعب الجزيرة‏,‏ وأكلوا جميعا منها‏,‏ وألقوا بالبذور علي الأرض‏,‏ فازدهرت الجزيرة كلها بالفاكهة السحرية‏.‏ أراد الشاب أن يستثمر نجاحه‏,‏ فطلب الي السلطان الزواج بابنته التي سمع عن جمالها‏,‏ لا شك أن السلطان كان يدرك أن أمر الفاكهة يعد كشفا يثير‏,‏ لكنه لا يشير الي اتساع قدرات عامة واعية لدي الشاب‏,‏ دلالة عن الإدراك العام في كيفية إدارة الحياة‏,‏ لذا فرض عليه ثلاث مهام‏,‏ طالبه بحلها‏,‏ فإن نجح تزوج الأميرة‏,‏ وإن فشل سيموت‏.‏ تبدت المهمة الأولي في تسلم الشاب كيسا كبيرا به خليط من كل أنواع الحبوب‏,‏ وطالبه السلطان بفصل كل نوع منها علي حدة‏.‏ اعتزل الشاب في غرفته‏,‏ وحرق البخور الذي حمله من جزيرة الطيور‏,‏ التي حضرت فملأت الفضاء‏,‏ وهبط سلطانهم الي الشاب الذي أخبره بمطلب السلطان‏,‏ ومن فوره أمر طيوره بالتقاط الحبوب وفرزها بمناقيرها‏.‏ بعد معاينة السلطان لنجاح المهمة الأولي‏,‏ كلف الشاب بمهمته الثانية‏,‏ بأن يقطع بضربة واحدة من سيفه جذع إحدي أقوي الأشجار وأضخمها في الجزيرة‏.‏ توجه الشاب الي غرفته‏,‏ وحرق البخور الذي يحمله من جزيرة الجان‏,‏ ظهر سلطان الجان‏,‏ وسمع من الشاب‏,‏ وفي لمح البصر أحضر نملا أبيض بأعداد ضخمة‏,‏ راح ينخر في جذع الشجرة‏,‏ تاركا القشرة فقط‏.‏ وفي حضور السلطان وحاشيته‏,‏ سدد الشاب ضربة قوية بسيفه الي الشجرة فانشقت نصفين‏,‏ عندئذ أخبر السلطان الشاب بمهمته الثالثة‏,‏ بأنه في صباح الغد‏,‏ سوف تمر كل عذاري الجزيرة أمامه‏,‏ بمن فيهن الأميرة‏,‏ وعليه أن يتعرف إليها‏,‏ فإذا ما نجح سوف يتزوجها‏,‏ وإن فشل سوف يقتل في الحال‏.‏ دخل الشاب الي غرفته‏,‏ وحرق البخور الذي حمله معه من جزيرة الذباب‏,‏ فهبط سلطان الذباب الي الشاب‏,‏ واستمع إليه‏,‏ ثم شرح له مسارات توجيه‏,‏ وتعيين مصادر بث المعلومات وضخها‏,‏ وذلك بأنه سيكون أمامه عندما تمر عزاري المدينة‏,‏ وعليه أن يراقبه‏,‏ إذ لحظة أن تقترب الأميرة‏,‏ سوف يطلق صوتا طنانا‏,‏ وعند اقترابها من الشاب سوف يحط علي كتفها‏,‏ عندئذ عليه أن يأخذها دون إرجاء‏.‏
وأمام موكب العذاري‏,‏ تحقق للشاب بالفعل انتصاره‏,‏ حين أخذ بذراع الأميرة‏,‏ وتزوجها‏,‏ وأطلق سراح اخوته الستة‏.‏ لكن تظل المقارنة بينه وبينهم هي أصل هذه الحكاية الإفريقية الخرافية‏,‏ التي بعنوان الاختيارات الثلاثة‏,‏ إحدي الحكايا التي اختارها عالم الفلكلور الأمريكي روجر إبراهامز في كتابه الصادر‏1983.‏ إن الحكاية تتضمن بدائل استعارية متعددة‏,‏ إذ الفاكهة المتوالدة سريعا بديل استعاري لضرورة تسريع توالد الخير العام كي يسود المجتمع‏,‏ وتعد الأميرة بديلا استعاريا عن الحياة الجديرة بالعيش‏,‏ حيث يسعي الشاب الأصغر لاستحقاقها‏,‏ فتجلي مهر هذا الاستحقاق في حتمية إنجاز المهام الثلاث‏,‏ بوصفها بديلا استعاريا لقيم هي‏:‏ العمل‏,‏ والقوة‏,‏ والمعرفة التي لا ينجزها إلا كائن منفتح خارج حدوده علي شبكة علاقات‏,‏ لا يعفي نفسه من مسئولياته تجاهها‏.‏ صحيح أن هذه العلاقات قد حررته من مآزقه‏,‏ لكن الصحيح أيضا أنه أحسن الاختيار في كل مهمة لمن يصلح لها‏.‏ إن الإخوة الستة الذين سجنوا‏,‏ إنما يمثلون بديلا استعاريا للثقافة المهيمنة‏,‏ التي تسعي للاستحواذ ويحكمها تفكير أناني منغلق‏,‏ يجرف حدود القيم‏.‏ أما الأخ الأصغر فيناقض تلك الثقافة المهيمنة‏,‏ بوصفه بديلا استعاريا لقيمة الانتباه للاخر ورعايته‏,‏ وهو ما تجلي مجسدا في تلك الصورة المشرقة بحس العدالة في استجاباته التي فرضت إيجابياتها علي سلبيات حياة نوعيات الكائنات المغايرة التي قابلها‏.‏
صحيح أن هذه الحكاية تعزز الحس الإنساني للعدالة‏,‏ باستنهاض الانتباه للآخر وحقوقه‏,‏ وصحيح أيضا أنها ـ بالتوازي مع ذلك ـ تؤكد ضرورة أنه لابد للعدالة أن تحميها رقابة صارمة‏,‏ تصون الخير العام‏,‏ وتحقق الإنصاف والاستحقاق علي المستويين الفردي والاجتماعي‏,‏ لكن تري أليس صحيحا أن الحكاية صياغة لطموح إنساني متجدد‏,‏ قناعته أن العدالة هي القيمة المركزية لتوازن المجتمع واستقراره‏

 

المزيد من مقالات د.فوزي فهمي <!-- AddThis Button BEGIN <a class="addthis_button" href="http://www.addthis.com/bookmark.php?v=250&pub=xa-4af2888604cdb915"> <img src="images/sharethis999.gif" width="125" height="16" alt="Bookmark and Share" style="border: 0" /></a> <script type="text/javascript" src="http://s7.addthis.com/js/250/addthis_widget.js#pub=xa-4af2888604cdb915"></script> AddThis Button END -->
azazystudy

مع أطيب الأمنيات بالتوفيق الدكتورة/سلوى عزازي

  • Currently 45/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
15 تصويتات / 105 مشاهدة
نشرت فى 21 سبتمبر 2010 بواسطة azazystudy

ساحة النقاش

الدكتورة/سلوى محمد أحمد عزازي

azazystudy
دكتوراة مناهج وطرق تدريس لغة عربية محاضر بالأكاديمية المهنية للمعلمين، وعضوالجمعية المصرية للمعلمين حملة الماجستير والدكتوراة »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

5,083,496