authentication required

التـرجمة والترجمة الموازية
بقلم:د‏.‏ عبير محمد عبد الحافظ:مدرس بقسم اللغة الاسبانية ـ جامعة القاهرة


نشأت الترجمة منذ قديم كضرورة حتمية تطلبها الوجود الإنساني لكونها جسرا يربط بين الأفراد قبل‏,‏ أن يربط الأمم والشعوب‏.‏

 

 وتعددت بمرور السنين أغراض الترجمة وبالمثل أنواعها‏,‏ ما بين الترجمة التحريرية بفروعها‏,‏ والمنظورة والتتبعية والفورية‏.ويتطلب إعداد المترجم الجيد منظومة متكاملة من عناصر عديدة‏,‏ من بينها الأطلاع الموسوعي والمستمر علي الثقافات والأخبار والتاريخ‏,‏ والمعرفة الجيدة للغتين المترجم عنها والمترجم اليها‏,‏ فضلا عن التحلي بأسلوب لغوي مميز يعمل جاهدا علي صقله بشكل مستمر‏,‏ وقبل ذلك الممارسة المتواصلة‏,‏ حيث إن الترجمة في المقام الأول مهارة تكتسب من خلال تأثير تراكمي‏.‏
وعن النظر الي الترجمة الأدبية‏,‏ يطالعنا مشهد المترجم المتخصص في هذا الفرع ككائن مهمش‏,‏ بل وفي أحيان أخري منهزم‏.‏ ذلك أن هذا المترجم هو أكثر زملائه في المهنة تعرضا للضوء بغرض النقد‏,‏ بالرغم من أنه الأقل من ناحية العائد المادي‏.‏ فالمعروف أن المترجم الأدبي ينبري لنقل النصوص الأدبية الأجنبية التي يجيد لغتها الي لغته الأم‏,‏ مدفوعا ـ في أحيان كثيرة ـ برغبة بعيدة كل البعد عن المكسب المادي‏,‏ وقد يكون مدفوعا أحيانا بكونها من شواغله الأكاديمية التي تكسبه شيئا من الفائدة العلمية‏,‏ إلا أن كل ذلك لا يجعله يسلم من النقد اللاذع المتواصل‏,‏ لأسباب نوضحها فيما بعد‏.‏ ولن يكون مبعثا للدهشة أن نعرف أن عددا كبيرا من الأدباء الكبار من شتي البلدان قد مارسوا الترجمة قبل انخراطهم في مجال الإبداع الأدبي‏,‏ أو بالتوازي مع ممارستهم للأدب‏,‏ ونذكر منهم في عالمنا العربي صنع الله ابراهيم وبهاء طاهر‏,‏ علي سبيل الذكر وليس الحصر‏,‏ وعلي المستوي العالمي جابر بيل جاريثا ماركيز‏(‏ كولومبيا‏),‏ وخوليو كورتاثار‏(‏ الأرجنتين‏)‏ وغيرهما‏.‏
ويجد المترجم نفسه بين خيارين‏:‏
هل يترجم النص بشكل يغلب عليه التعريب؟‏(‏ في حالة المترجم العربي‏),‏ أم يعمل جاهدا علي إجراء عملية النقل الي لغته الأم مع مراعاة الحفاظ قدر الإمكان علي هوية النص الأجنبي بتفاصيله وخصوصيته‏,‏ مع الأخذ في الأعتبار ضرورة أن تكون مخرجات النص مفهومة بالنسبة للقاريء المستقبل في الوقت نفسه‏.‏ في هذا السياق إذا اتبع المترجم التقنية الأولي ستكون مخرجات النص المترجم شبيهة الي حد كبير بنصوص لغته الأم التي يترجم اليها‏,‏ فضلا عن أنها ستكتسب بعدا آخر يرجع إلي السمات الأسلوبية الذاتية الخاصة بالمترجم نفسه‏,‏ فيخرج النص المترجم في شكل ترجمة موازية للنص الأصلي‏,‏ قد تبعد وقد تقترب من سماته الأساسية‏,‏ وتظهر هنا احتمالية لأن تتغير ماهية النص وشكله الأدبي والتقنية التي حرص عليها مؤلف هذا النص الأجنبي في صياغته لعمله‏,‏ بينما إذا اختار المترجم الأدبي الطريق الآخر الأكثر وعورة‏,‏ وهو الشروع في محاولة دءوب لنقل النص الي اللغة المترجم اليها مراعيا‏,‏ ومتعمدا‏,‏ إدراج النص بتفاصيله وخصوصيته الأدبية والثقافية وقالبه اللغوي في اللغة المنقول إليها ـ وإن اصطدمت مع الموروث الثقافي لهذه اللغة ـ بل وفي بعض الأحيان محاولة ترجمة بعض جوانب اللغة الاستعارية وتطعيم النص بها كما هي‏,‏ مادامت قد استوعبتها أسلوبية وجماليات اللغة المنقول إليها‏,‏ وهنا قد لايسلم من النقد ذلك أن فريقا لايستهان به من الأكاديميين والمترجمين يميلون إلي تقديم النص المترجم إلي القاريء موازيا لنصوص لغته الأم‏,‏ إما إرضاء ودفعا له لقراءة العمل وتجنيبه أي مشقة‏,‏ أو اتقاء لوصف العمل من قبل الآخرين بأنه غير مفهوم للقاريء العربي أو غير متسق مع موروثاته الثقافية وأحيانا الدينية‏.‏ في نهاية الأمر سواء اتبع المترجم الآلية الأولي‏(‏ المائلة الي التعريب‏)‏ أو الثانية‏(‏ أسيرة النص الأصلي‏),‏ فسيكون هناك دائما القاريء والقاريء المثالي‏,‏ المنشود من الكاتب‏,‏ وفي حالتنا من المترجم أيضا‏,‏ ليتخذ هذا قراره بالتوجه ناحية النص القادر علي جذبه‏,‏ مع الأخذ في الاعتبار أن تعددية ترجمات نص واحد‏,‏ يقابلها من الجهة الأخري تعددية مماثلة في جانب التلقي يمثلها القاريء الذي ينشد الترجمة بكيانها المتوحد مع النص الأصلي‏,‏ والآخر الذي يقبل الترجمة الموازية‏,‏ والباحث المتخصص الذي سيضع النصين محل البحث‏,‏ ربما للوصول إلي تقنية جديدة في مجال الدراسات التي تعني بالترجمة بشكل عام والأدبية بشكل خاص‏.‏

 

azazystudy

مع أطيب الأمنيات بالتوفيق الدكتورة/سلوى عزازي

  • Currently 30/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
10 تصويتات / 79 مشاهدة
نشرت فى 27 يوليو 2010 بواسطة azazystudy

ساحة النقاش

الدكتورة/سلوى محمد أحمد عزازي

azazystudy
دكتوراة مناهج وطرق تدريس لغة عربية محاضر بالأكاديمية المهنية للمعلمين، وعضوالجمعية المصرية للمعلمين حملة الماجستير والدكتوراة »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

5,137,509