المبعث النبوي دراسة وتحليل

 

 

 

 

العلامة جعفر سبحاني

 

بدء الوَحي

إنّ التاريخ الإسلامي يبدأ في الحقيقة من يوم بعثة الرسول (صلّى اللّه عليه وآله) بالرسالة، والتي وقعت على أثره حوادث خاصة.

ويوم بُعث النبيُّ الأكرم (صلّى اللّه عليه وآله) لهداية الناس، ودوّى في سمعه الشريف نداء «إنك لرسول اللّه» الصادر عن ملاك الوحي أُلقيت على كاهله مسؤولية كبرى وثقيلة جدّاً، على نمط الوظيفة الهامة التي أُلقيت على كاهل من سبقه من الأنبياء والرسل صلوات اللّه عليهم أجمعين.

منذ ذلك اليوم اتضح هدف أمين قريش، أكثر فأكثر، وتجلت خطته أكثر فأكثر.

ونحن نرى من اللازم قبل شرح الحوادث الأُولى الواقعة عند البعثة أن نعطي بعض الإيضاحات حول مسألتين:

 

1 - وجوبُ بعث الأنبياء.

 

2 - دورُ الأنبياء في إصلاح المجتمع.

 

لقد أودع اللّه تعالى في كيان كُلّ كائن من الكائنات أدوات تكامله، وجهّزه - لسلوك هذا الطريق - بالوسائل المتنوعة، والأجهزة المختلفة اللازمة.

ولنأخذ مثلاً : نبتة صغيرة، فان ثمة عوامل كثيرة تتفاعل في ما بينها وتعمل لتحقيق التكامل فيها.

إن جذور كل نبتة تعمل اكبر قدر ممكن لامتصاص العناصر الغذائية، وتلبية احتياجات النبتة، وتوصل العروق والقنوات المختلفة، عصارة ما تأخذه من الأرض إلى جميع الأغصان والأوراق.

إننا لو درسنا جهاز (وردة) لرأيناه أكثر مدعاة للإعجاب وأشد إثارة للتعجب من تركيب بقية النباتات.

فللكأس وظيفة توفير الغطاء اللازم للأوراق الناعمة اللطيفة في الوردة.

وهكذا الحال بالنسبة إلى بقية الأجهزة في «الوردة» ممّا أُنيط إليها مسؤولية الحفاظ على كائن حيّ، وضمان رشده ونموّه، فإنها جميعاً تقوم بوظائفها المخلوقة لها بأحسن شكل، وأفضل صورة.

ولو أننا خطونا خطوات أكثر وتقدّمنا بعض الشيء لدراسة الأجهزة العجيبة في عالم الأحياء، لرأينا أنها جميعاً وبدون استثناء مُزوّدة بما يضمن بلوغها إلى مرحلة الكمال المطلوب لها.

وإذا أردنا أن نصبّ هذا الموضوع في قالب علميّ لوجب أن نقول: إنّ الهداية التكوينية، التي هي النعمة المتجلّية في عالم الطبيعة، تشمل كل موجودات هذا العالم من نبات، وحيوان وإنسان.

ويبيّن القرآن الكريم هذه الهداية التكوينية الشاملة بقوله:

(ربّنا الّذي أعطى كُلّ شيء خلقه ثُمّ هدى)(سورة طه: الآية 50).

فانّه يصرّح بأن كل شيء في هذا الكون من الذرة إلى المجرّة ينعم بهذا الفيض العامّ، وانّ اللّه تعالى بعد أن قدّر كل موجود وكائن، بيّن له طريق تكامله، ورُقيّه، وهيأ لكل كائن مِن تلك الكائنات ما يحتاج إليه في تربيته ونموّه، وهذه هي (الهداية التكوينية العامة) السائدة على كل أرجاء الخليقة دونما استثناء.

ولكن هل تكفي هذه الهداية الفطرية، التكوينية لكائن مثل الإنسان، اشرف الموجودات، وأفضل ما في هذه الخليقة؟!.

بكل تأكيد: لا.

لأن للإنسان حياة أُخرى غير الحياة المادية، تشكل أساس حياته الواقعية، ولو كان للإنسان حيادة مادية جافّة فقط مثلما لعالم النباتات، والحيوانات، لكفت العواملُ والعناصرُ المادية في تكامله، والحال أن للإنسان نوعين من الحياة، يكمن في تكاملهما معاً رمز سعادة الإنسان ورقيّه.

إن الإنسان الأول، ونعني به إنسان الكهوف والحياة البسيطة والفطرة السليمة التي لم يطرأ على جبلته أي اعوجاج لم يكن بحاجة إلى ما يحتاج إليه الإنسان الاجتماعيّ من التربية والهداية.

ولكن عندما خطى الإنسانُ خطوات أبعد من ذلك، وبدأ الحياة الاجتماعية، وسادت على حياته فكرة التعاون والعمل الجماعي برزت في روحه ونفسيته سلسلة من الانحرافات نتيجة للاحتكاك الاجتماعي، وغيّرت الخصال القبيحة والأفكار الخاطئة صفاتِه الفطرية، وبالتالي اخرج المجتمع من حالة التوازن!.

إن هذه الانحرافات حملت خالق الكون على أن يرسل إلى البشرية رجالاً أفذاذاً صالحين يتولّون تربية البشر، وليقوموا بتنظيم برنامج المجتمع، والتخفيف من المفاسد الناشئة - بصورة مباشرة - عن النزعة الاجتماعية لدى الإنسان، وليضيئوا - بمشاعل الوحي المشّعة المنيرة - طريق السعادة والخير للإنسانية في جميع المجالات والأبعاد.

إذ لا نقاش في أنّ الحياة الاجتماعية والعيش بصورة جماعية مع كونه مفيداً، ينطوي على مفاسد لا تُنكر، ويجرّ إلى انحرافات كثيرة لا تقبل الترديد.

ولهذا بعث اللّه سبحانه رجالاً مصلحين، وهداة مرشدين يعملون - قدر الإمكان - على الحدّ من الانحرافات والمفاسد، ويضعون عجلة المجتمع - بتنظيم القوانين الواضحة والأنظمة الحكيمة - على الطريق الصحيح، ويضمنون دورانها وحركتها في المسار المستقيم.

وقد يُستفاد هذا الأمر - بوضوح - من قوله تعالى: (كان النّاس امّة واحِدةً فبعث اللّه النّبيِّين مُبشِّرين ومُنذرين وأنزل معهمُ الكِتاب بِالحقِّ لِيحكُم بين النّاس في ما اختلفُوا فيه)(سورة البقرة: الآية 213).

 

دَور الأنبياء في إصلاح المجتمع:

إن الذي يتصوره الناس عادة هو أنّ الأنبياء مجرد معلّمين إلهيين بُعِثوا لتعليم البشرية. فكما يتعلم الطفل خلال حركته التعليمية ابتداء من الابتدائية ومروراً بالمتوسطة وانتهاء بالجامعة دروساً معينة ومواضيع خاصة على أيدي الأساتذة والمعلمين، كذلك يتعلم الناس في مدرسة الأنبياء أمورا خاصة، ويكتسبون معارف معينة، وتتكامل أخلاقهم وصفاتهم وخصالهم الاجتماعية جنباً إلى جنب مع اكتسابهم المعرفة والعلم على أيدي الأنبياء والمرسلين.

ولكننا نتصور إن مهمة الأنبياء ووظيفتهم الأساسية هي (تربية) المجتمعات البشرية لا تعليمها، وان أساس شريعتهم لا ينطوي على كلام جديد، وانه ما لم تنحرف الفطرة البشرية عن مسارها الصحيح، وما لم تلفها غشاوات الجهل والغفلة لعرفت وأدركت خلاصة الدين الإلهي، وعصارتها، في غير إبهام، ولا خفاء.

على أن هذه الحقيقة قد أشار إليها قادة الإسلام العظماء.

فقد قال أمير المؤمنين (عليه السّلام) في نهج البلاغة عن هدف الأنبياء: «أخذ على الوحي ميثاقهم، وعلى تبليغ الرسالة أمانتهم... لِيستأدُوهم ميثاق فِطرتِه، ويُذكرُوهم منسيّ نِعمته، ويحتجّوا عليهم بالتبليغ، ويُثيروا لهم دفائن العُقول»( نهج البلاغة : قسم الخطب، الخطبة رقم 1).

 

مثالٌ واضح في المقام:

إذا قلنا: إن وظيفة الأنبياء في تربية الناس وإصلاح نفوسهم هي وظيفة البستاني في تربية شجيرة من الشجرات، أو قلنا: أن مثل الأنبياء في قيادة التوجّهات الفطرية البشرية وهدايتها، مثل المهندس الذي يستخرج المعادن الثمينة من بطون الأودية والجبال، لم نكن في هذا القول مبالغين.

وتوضيح ذلك إن النبتة، أو الشجيرة الصغيرة تحمل من بداية انعقاد حبتها الأُولى كل قابليات النمو، والرشد، فإذا توفر لها الجوُ المناسب للنمو، دبّت الحياة والحركة في كل أجزائها، واستطاعت بفعل جذورها القوية وأجهزتها المتنوعة وفي الهواء الطلق، والضوء اللازم، من أن تقطع أشواطاً كبيرة من التكامل، والنمو.

 

فمسؤولية البستاني في هذه الحالة تتركز في أمرين:

 

1 - توفير الظروف اللازمة لتقوية جذور تلك النبتة لكي تظهر القوى المودعة في تلك النبتة أو الشجيرة، وتخرج من حيّز القوة إلى مرحلة الفعلية، والتحقق.

 

2 - الحيلولة دون تعرض تلك الشجرة أو النبتة للانحرافات والآفات، وذلك عندما تتجه القوى الباطنية صوب الوجهة المخالفة لسعادتها، وتسلك طريقاً ينافي تكاملها.

 

ومن هنا فان مسؤولية البستاني ووظيفته ليست هي (الإنماء) بل هي (المراقبة) وتوفير الظروف اللازمة ليتهيّأ لتلك الشجرة والنبتة أن تبرز كمالها الباطني.

لقد خلق اللّه سبحانه البشر وأودع في كيانه طاقات متنوعة، وغرائز كثيرة، وعجن فطرته وجبلّته بالتوحيد، وحبّ معرفة اللّه، وحبّ الحق والخير، والعدل والإنصاف، كما وأودع فيه غريزة السعي والعمل.

وعندما تبدأ خمائر هذه الأمور وبذورها الصالحة المودوعة بالعمل والتفاعل في كيان الإنسان تتعرض في الجو الاجتماعي لِبعض الانحرافات بصورة قهرية، فغريزة العمل والسعي تتخذ شيئاً فشيئاً صفة الحرص والطمع، وغريزة حب السعادة والبقاء تتخذ صورة الأنانية، وحب الجاه والمنصب، ويتجلى نور التوحيد والإيمان في لباس الوثنية وعبادة الأصنام.

في هذه الحالة يعمل سفراء اللّه إلى البشرية: (الأنبياء والرسل) على توفير ظروف الرشد والنمو الصحيح لتلك الغرائز وتلك القوى والطاقات في ضوء الوحي، والبرامج الصحيحة المستلهمة من ذلك المنبع الإلهي الهادي، ويقومون بالتالي بتعديل انحرافات الغرائز، والوقوف دون تجاوزها حدودها المعقولة المطلوبة.

ولقد قال أمير المؤمنين (عليه السلام) في ما مرّ من كلامه: إن اللّه أخذ - في مبدأ الخلق - ميثاقاً يدعى «ميثاق الفطرة».

فما هو ترى المقصود من ميثاق الفطرة هذا ؟

إن المقصود من هذا الميثاق هو : أن اللّه تعالى بخلقه وإيداعه الغرائز المفيدة في الكيان الإنساني، وبمزج الفطرة البشرية بعشرات الأخلاق الطيبة والسجايا الصالحة يكون قد أخذ من الإنسان ميثاقاً فطرياً بأن يتبع خصال الخير، ويأخذ بالغرائز الطّيبة الصالحة.

فإذا كان منح جهاز البصر (العين) للإنسان هو نوع من اخذ الميثاق من الإنسان بان يتجنب المزالق، ولا يقع في البئر، فكذلك إيداع حسّ التدين، وغريزة الانجذاب إلى اللّه، وحبّ العدل، في كيانه هو الآخر نوع من اخذ الميثاق منه بأن يظل مؤمناً باللّه، موحّداً إياه، عادلاً، منصفاً، محباً للخير والحق.

وإن وظيفة الأنبياء هي أن يحملوا الناس على العمل بمقتضي ميثاق الفطرة، وبالتالي فانّ مهمّتهم الأساسية الحقيقية هي تمزيق أغشية الجهل وتبديد سحب الغفلة التي قد ترين على جوهرة الفطرة المطعمة بنور الإيمان، فتمنعها من الإشراق على وجود الإنسان، وتحرمُ الإنسان من هدايتها.

ومن هنا قالوا: إن أساس الشرائع الإلهية يتألف من الأمور الفطرية، التي فطر الإنسان عليها.

وكأنّ صرح الكيان الإنساني (جبلٌ) اختفت بين ثنايا صخوره وفي بطونه أحجار كريمة كثيرة ومعادن ذهبية ثمينة، فالوجود الإنساني هو الآخر قد أودعت فيه فضائل وعلوم، ومعارف وخصال، وأخلاق متنوعة.

فعندما يغورُ الأنبياء والمهندسون الروحيّون في أعماق نفوسنا وذواتنا وهم يعلمون جيداً أن نفوسنا معجونة بطائفة من الصفات والسجايا النبيلة والمشاعر والأحاسيس الطيبة، ويعملون على إعادة نفوسنا - بتعاليم الدين وبرامجه - إلى جادة الفطرة المستقيمة السليمة فإنهم في الحقيقة يذكّروننا بأحكام فطرتنا، ويُسمّعوننا نداء ضمائرنا، ويلفتونها إلى الصفات، والى الشخصية المودوعة فيها.

تلك هي رسالة الأنبياء، وذلك هو عملهم الأساسي، وهذا هو دورهم في إصلاح النوع الإنساني، أفراداً وجماعات.

 

أمين قريش في غار حراء:

يقع جبل «حِراء» في شمال «مكة» ويستغرق الصعود إلى غار حراء مدة نصف ساعة من الزمان.

ويتألف ظاهر هذا الجبل من قطع صخرية سوداء، لا يُرى فيها أيُّ أثر للحياة أبداً.

ويوجد في النقطة الشمالية من هذا الجبل غار يمكن للمرء أن يصل إليه ولكن عبر تلك الصخور، ويرتفع سقف هذا الغار قامة رجل، وبينما تضيء الشمس قسماً منه، تغرق نواح أُخرى منه في ظلمةٍ دائمةٍ.

ولكن هذا الغار يحمل في رحابه ذكريات كثيرة عن صاحب له طالما تردّد عليه، وقضى ساعات بل وأياماً وأشهراً في رحابه... ذكريات يتشوق الناس - وحتى هذا الساعة - إلى سماعها من ذلك الغار، ولذلك تجدهم يسارعون إلى لقائه كلّما زاروا تلك الديار، متحملين في هذا السبيل كل عناء، للوصول إلى رحابه، لكي يستفسروه عما جرى فيه عند وقوع حادثة : «الوحي» العظيمة وليسألون عما تحتفظ به ذاكرته من تاريخ رسول الإنسانية الأكبر ممّا جرت حوادثه في ذلك المكان التاريخي، العجيب.

ويتحدث ذلك الغار هو الآخر إليهم بلسان الحال ويقول: ها هنا المكان الذي كان يتعبد فيه عزيز قريش وفتاها الصادق الأمين.

وها هنا قضى ليالي وأياماً عديدة وطويلة قبل أن يبلغ مرتبة الرسالة، في عبادة اللّه، والتأمل في الكون، وفي آثار قدرة اللّه وعظمته.

أجل، لقد اختار محمّد صلّى اللّه عليه وآله ذلك المكان البعيد عن ضجيج الحياة، للعبادة والتحنث، فكان يمضي جميع الأيام من شهر رمضان فيه، وربما لجأ إليه في غير هذا الشهر أحياناً أُخرى، إلى درجة أنّ زوجته الوفيّة كانت إذا لم يرجع إلى منزلها، تعرفُ أنه قد ذهب إلى «غار حراء» وأنه هناك مشتغل بالعبادة والتحنث والاعتكاف. وكانت كلّما أرسلت إليه أحداً وجده في ذلك المكان مستغرقاً في التأمل والتفكير، أو مشتغلاً بالعبادة والتحنث.

لقد كان (صلّى اللّه عليه وآله) قبل أن يبلغ مقام النبوة، ويُبعث بالرسالة يفكر - أكثر شيء - في أمرين:

 

1 - كان يفكر في ملكوت السماوات والأرض، ويرى في ملامح كل واحد من الكائنات التي يشاهدها نور الخالق العظيم، وقدرته، وعظمته وعلمه، وقد كانت تفتح عليه من هذا السبيل نوافذ من الغيب تحمل إلى قلبه وعقله النور الإلهي المقدس.

 

2 - كان يفكر في المسؤولية الثقيلة التي ستوضع على كاهله.

إن إصلاح المجتمع في ذلك اليوم على ما كان عليه من فساد عريق وانحطاط عريض، لم يكن في نظره وتقديره بالأمر المحال الممتنع. ولكن تطبيق مثل هذا البرنامج الإصلاحي لم يكن في نفس الوقت أمراً خالياً من العناء والمشاكل، من هنا كان يفكر طويلاً في الفساد في حياة المجتمع المكّي وما يراه من ترف قريش، وكيفيّة رفع كل ذلك وإصلاحه.

لقد كان (صلّى اللّه عليه وآله) حزيناً لما يرى من قومه من فساد العقيدة المتمثل في الخضوع للأوثان الميتة، والعبادة للأصنام الخاوية الباطلة، ولطالما شوهدت آثار ذلك الحزن على محيّاه، وملامح وجهه الشريف، ولكن لما لم يكن مأذوناً بالإفصاح بالحقائق، لذلك كان يتجنب ردع الناس عن تلك المفاسد، ومنعهم عن تلك الانحرافات.

 

بدء الوحي:

لقد أمر اللّه ملكاً من ملائكته بأن ينزل على أمين قريش وهو في غار حراء ويتلو على مسمعه بضع آيات كبداية لكتاب الهداية والسعادة، معلناً بذلك تتويجه بالنبوة، ونصبه لمقام الرسالة.

كان ذلك الملَك «جبرائيل»، وكان ذلك اليوم هو يوم المبعث النبوي الشريف الذي سنتحدث عن تاريخه في المستقبل.

ولا ريب أن ملاقاة الملك ومواجهته أمرٌ كان يحتاج إلى تهيّؤ خاصّ، وما لم يكن محمّد (صلّى اللّه عليه وآله) يمتلك روحاً عظيمة، ونفسية قوية لم يكن قادراً قط على تحمّل ثقل النبوة، وملاقاة ذلك الملك العظيم.

أجل لقد كان «أمين قريش» يمتلك تلك الروح الكبرى، وتلك النفس العظيمة وقد اكتسبها عن طريق العبادات الطويلة، والتأمّل العميق الدائم، إلى جانب العناية الإلهية.

ولقد روى أصحاب السير والتاريخ انه رأى رؤىً عديدة قبل البعثة كانت تكشف عن واقع بيّن واضحٍ وضوح النهار(صحيح البخاري: ج 1 كتاب العلم ص 22، بحار الأنوار: ج 18 ص 194).

ولقد كانت ألذّ الساعات وأحبها عنده بعد كل فترة، تلك الساعات التي يخلو فيها بنفسه، ويتعبّد فيها بعيداً عن الناس.

ولقد قضى على هذا الحال مدة طويلة حتى أتاه - في يوم معين - ملك عظيم بلوح نصبَهُ أمامه وقال له: «إقرأ»، وحيث أنه (صلّى اللّه عليه وآله) كان أُمياً لم يدرس أجاب الملَك بقوله: «ما أنا بقارئ».

فاحتضنه ذلك الملك، وعصره عصرة شديدة، ثم طلب منه أن يقرأ فأجابه بالجواب الأول.

فعصره الملك ثانية عصرة شديدة وتكرّر هذا العمل مرات ثلاث أحس بعدها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) في نفسه أنه قادر على قراءة ما في ذلك اللوح، فقرأ ساعتها تلك الآيات التي تشكل - في الحقيقة - ديباجة كتاب السعادة البشرية، وأساس رقيها.

لقد قرأ (صلّى اللّه عليه وآله) قوله تعالى: (إقرأ باسمِ ربِّك الّذي خلق. خلق الإنسان مِن علقٍ. إقرأ وربُّك الأكرمُ. الّذي علَّم بِالقلم. علّم الإنسان ما لم يعلم)(سورة العلق: الآيات 1 - 5).

وبعد أن انتهى جبرائيل من أداء مُهمته التي كُلِّف بها من جانب اللّه تعالى، وبلّغ إلى النبي تلكم الآيات الخمس، انحدر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) من جبل حراء، وتوجه تحو منزل خديجة(السيرة النبوية : ج 1 ص 236 و237).

ولقد أوضحت الآيات المذكورة برنامج النبيّ (صلّى اللّه عليه وآله) إجمالاً، وبيّنت وبشكل واضح إن أساس الدين يقوم على القراءة والكتابة، والعلم والمعرفة، واستخدام القلم.

ظاهرة القضايا الغيبيّة في منظار الماديّين:

لقد تسبّب التقدمُ العظيم والمتزايد الذي تحقق في ميدان العلوم الطبيعية في سلب الكثير من العلماء القدرة على فهم وإدراك القضايا المعنوية والخارجة عن إطار العلوم الطبيعية وبالتالي أدى إلى تحديد وتضييق آفاق الفكر عندهم.

فإذا بهم أصبحوا يتصورون أن الوجود يتلخص في هذا الكون المادي، وانه ليس في الوجود من شيء سوى المادة وان كل ما لا يمكن تفسيره وتبريره بالقوانين والقواعد المادية فهو أمر باطل، ومن نسج الخيال !!

إن هذا الفريق - لتسرعه في إصدار الحكم في الأمور المتعلقة - بالغيب وقضايا ما وراء الطبيعة، وحصر أدوات المعرفة بالحس والتجربة - أنكروا عالم الوحي، بحجة أنّ الحسِّ والتجربة لا يقودانهم إلى ذلك العالم، ولا يخبرانهم عن مثل تلك الموجودات، فلكونها بالتالي لا تخضع لمبضع التشريح، ومجهر الاختبار أنكروها بالمرة، وكانت النتيجة أن أدوات المعرفة المعروفة (الحسّ والتجربة) حيث إنها لا تهدي إلى عالم ما وراء المادة فأذن لا وجود خارجي لذلك العالم ولحقائقه أبداً !

إنّ هذا النمط من التفكير نمط جدُّ ضيق ومحدود، مضافاً إلى انه يتسم بالغرور والغطرسة، فهو من باب «استنتاج عدم الوجود من عدم الوجدان» في خطوة متعجلة فجّة !!

فما دامت هذه الحقائق التي يعتقد بها الإلهيّون المؤمنون باللّه لا يمكن التوصل إليها عن طريق الأدوات الفعلية المتعارفة بينهم للإدراك والمعرفة فهي إذن لا أساس لها من الواقع !!

إن الذي لا شك فيه هو: إن الماديين لم يدركوا مقالة العلماء الإلهيين حتى في مسألة إثبات الصانع الخالق فكيف بالعوالم الأخرى لما فوق الطبيعة، ولو أنّ الفريقين تحاوروا في جوّ علمي مناسبٍ، بعيداً عن الأغراض والعصبيّات، لكان من المتوقع ان تزول الفواصل بين الماديين والإلهيين في أقرب وقت، وأين يرتفع هذا الاختلاف الذي قسّم العلماء إلى فريقين على طرفي نقيض.

لقد أقام المؤمنون الموحِّدون عشرات الأدلة والبراهين القاطعة على وجود اللّه تعالى، واثبتوا بأنّ هذه العلوم الطبيعية هي نفسها تقودنا إلى الخالق العالم القادر، وان هذا النظام العجيب السائد في ظواهر الكائنات الطبيعيّة وبواطنها لدليل قاطع، وبرهانٌ ساطع على وجود مبدع هذا النظام، وأن جميع أجزاء هذا الكون الماديّ، من ذراته إلى مجراته، يسير وفق قوانين دقيقة متقنة، ولا تستطيع الطبيعة الصماء العمياء أبدا أن تكون مبتكرة لهذا النظام البديع، ومبدعة لهذا الترتيب الدقيق.

وهذا هو بنفسه برهان «نظام الوجود» أو (برهان النظم) الذي ألّف العلماء الإلهيون الموحدون حوله عشرات الكتب والدراسات.

وحيث إن (برهان النظم) هذا ممّا يفهمه جميع الناس على مختلف مراتبهم ومداركهم، لذلك ركزت عليها الكتب الاعتقادية دون سواها، وسلك كلُ واحد من العلماء طريقاً معيناً وخاصاً لتقريره، وبيانه، كما ودرست الأدلة والبراهين الأُخرى التي لا تتسم بمثل هذه الشمولية، في الكتب، والمؤلفات الفلسفية والكلاميّة بصورة مفصلة ومبسوطة.

إنّ للعلماء الإلهيين بيانات وأدلة في مجال (الروح المجردة)، وعوالم ما وراء الطبيعة (الميتافيزيقيا) نشير إلى بعضها هنا:

 

الروح المجردة:

إن الاعتقاد بالروح من القضايا الشائكة الطبيعة التي استقطبت اهتمام العلماء وشغلت بالهم بشدة.

فهناك فريقٌ - ممّن اعتاد أن يُخضِع كل شيء لمبضع التشريح - ينكر وجود (الروح)، ويكتفي بالاعتقاد بالنفس ذات الطابع المادي، والعاملة ضمن نطاق القوانين الطبيعية فقط.

ووجود «الروح» والنفس غير المادية (أي المجردة المستقلة عن المادة) من القضايا التي عُولجت ودُورست من قِبل المؤمنين باللّه، والمعتقدين بالعالم الروحاني، بصورة دقيقة، وعميقة.

فهم أقاموا شواهِد عديدةً على وجود هذا الكائن (غير الماديّ) وهي أدلة وبراهين لو تمّ التعرّف عليها والنقاش حولها في جوّ علمي هادئ مع الأخذ بنظر الاعتبار ما يقوم عليه منطق الإلهيين - في هذا المجال - من قواعد وأُسس، لأدّى ذلك إلى التصديق الكامل بها.

على أن ما يقوله الإلهيّون في مجالات أُخرى مشابهة مثل (الملائكة) و(الوحي) و(الإلهام) يقوم هو الآخر على الأساس الذي شيدوه ومهدوه وبرهنوا عليه قبل ذلك بالأدلة المحكمة، المتقنة.

 

ظاهرة الوحي عِند الماديّين:

يُعتبر الاعتقاد بالوحي أساساً لجميع الرسالات، والأديان السماوية، وتقوم هذه الظاهرة (ظاهرة الوحي) على أن الذي يوحى إليه يمتلك روحاً قوية تقدر على تلقي المعارف الإلهية من دون واسطة، أو بواسطة ملك من الملائكة.

ويلخصُ العلماء المختصُّون تعريفهم للوحي على النحو التالي : «الوحيُ تعليمُه تعالى من اصطفاهُ مِن عِباده كُل ما أراد اطلاعه عليه من ألوان الهداية والعِلم ولكِن بطريقة خفيّةٍ غير مُعتادة للبشر».

ولكن الماديين - كما قلنا - لم يستطيعوا هضم هذه الحقيقة، وإدراك هذه الظاهرة على حالها، وصورتها الغيبية بسبب ما ذكرناه من منهجهم ونظرتهم إلى الأُمور والكائنات فذهبوا في تفسير ظاهرة الوحي - التي هي كما أسلفنا من قضايا الغيب ومن عوالم ما فوق الطبيعة - مذاهب مختلفة ترجع برمتها إلى الرؤية المادية للوجود.

واليك أبرز هذه التفاسير الماديّة لظاهرة الوحي الغيبية:

 

أبرز النظريات المادية لظاهرة الوحي:

 

1 - قالوا: الوحي هو القدرة الفكرية، والنفسية والعقلية التي تحصل للإنسان بسبب التمرينات والرياضات الروحية التي على أثرها تنفتح عليه أبوابُ من الغيب، فيخبر عن أمور طالما تتفق مع الواقع على نحو ما يحصل للمرتاضين الهنود(رياضة اليوجا).

فالأنبياء بسبب اعتزالهم للمجتمع - على غرار ما يفعل المرتاضون – وإقبالهم على الرياضة الروحية يحصل لهم المقدرة على الإخبار بالغائبات، والكائنات الخفية على غيرهم.

والجواب على هذه النظرية هو : أن دراسة حالات المرتاضين تكشف لنا عن أنهم طالما يخطأون في إخباراتهم أخطاء فاضحة، بينما لم يُعهد من نبيٍّ أنه أخطأ في إخباراته، وإنباءاته. هذا أولاً.

 

وثانياً: إن ما يفعله المرتاضون لا ينطوي على أية أهداف إصلاحية علياً للمجتمع البشري، بل غاية همّهم هو: عرض الأفعال العجيبة على الناس وربما تسلية المتفرجين، بينما يهدف الأنبياء إلى إصلاح المجتمعات البشرية وقيادتها إلى ذرى الكمال والتقدم.

 

وثالثا: إن المرتاضين لا يثقون بما يخبرون به، كما لم يُعرف إلى الآن أن أحداً منهم طلع على المجتمع البشريّ ببرنامج كامل وشامل للحياة البشرية الفردية والاجتماعية، بينما نجد الأنبياء يخبرون الناس بما أمروا به وهم على إيمان كامل، ويقين ثابت منه، هذا إلى جانب أنهم يحملون إلى البشرية برامج اجتماعية وحيوية جامعة الأطراف، كاملة الأبعاد، رفيعة الأهداف، عميقة الغايات، ترجع إليها كلُ فضيلة وكل خير تعرفه المجتمعات إلى الآن.

 

ورابعا: إنّ أعمال المرتاضين وما تحصلُ لهم من قوى وينفتح عليهم من آفاق، محدودة، بينما لا تقف طاقاتُ الأنبياء وآفاق علومهم، وأبعاد أعمالهم عند حدّ.

فلا يمكن أبداً تفسير وتعليل ظاهرة (الوحي) وما يحصل للرسل والأنبياء على أثره من أمور تتخطى حدود العالم المادي المحدود، بالرياضة الروحية التي يمارسها المرتاضون وما يحصل لهم على أثرها من أمور.

 

2 - قالوا: إنّ (الوحي) نوعٌ من النبوغ، أو أنه ناشئ من النبوغ، وأن الأنبياء هم نوابغ اجتماعيون لا أكثر.

وقد شرحوا نظريتهم هذه قائلين: بأن نظام الخليقة قد ربى في أحضانه نوابغ صالحين، اهتدوا بفعل نبوغهم الفكري الرفيع إلى أفكار وقيم رفيعة ودعوا مجتمعاتهم إلى الأخذ بها، والسير على هديها، لتحقيق الخير والعدالة، فكان لهم بذلك اكبر نصيب في إرشاد البشرية إلى سعادتها، فكل ما طرحوه من أفكار، وكل ما عرضوه على تلك المجتمعات باسم الدين أو القانون ليست - في الحقيقة - سوى نتيجة ما تمتعوا به مِن نبوغ، وفكر خارق، ولا علاقة له بعالم آخر غير هذا العالم المادي المألوف.

وقالوا : وان ممّا يساعد على تقوية هذا النبوغ أُمور أبرزها:

 

الحبُّ، التعرضُ للظلم الطويل، الطفولة وما يكتنفها من ضعف وعجز، الوحدة، السكوت، التربية الأولى، والعيش في صورة الأقلية وما يرافقها من ظروف اجتماعية غير مؤاتية.

فان جميع هذه الأمور أو بعضها تدفع بالشخص إلى الانطوائية، والتفكير والتأمل، للاهتداء إلى مخرج من المشاكل والصعوبات، ومخلص من الظروف الصعبة، والأحوال الشاقة.

ويُجاب على هذه النظرية بأن أصحاب هذه النظرية حكموا على هذه القضية على أساس موقف اتخذوه سلفاً فهُم حصروا الأشياء في المادة والأمور المادية ثم فسّروا ما يرتبط بعالم الغيب بذلك، فجاء تفسيرهم لهذه الظاهرة الغيبية تفسيراً ماديّاً، غفلة منهم عن إن مثل هذا التفسير والتعليل لا يليق بظاهرة (الوحي) التي تجسد أعلى قضيّة في سلّم الحقائق العلمية والفلسفية، ويرجع إليها أعظم القوانين والبرامج للسعادة البشرية.

نحن لا ننكر أن لما ذكروه من العوامل تأثيراً في تقوية عملية «التفكير» لدى الإنسان إلى درجة إيجاد ما يسمى بظاهرة النبوغ لديه، إلا أنه لا يمكن أن يوجد مثل هذا الأمر نبيّاً خضعت جميع النوابغ البشرية لعظمة تعاليمه التي أتى بها طوال أربعة عشر قرناً.

نبياً لم تزل ما جاء به من معارف عقلية وفلسفية، وقوانين ترتبط بعالم الطبيعة وبالنظام الاجتماعي وآداب السلوك تحافظ على قوتها، وعمقها وأصالتها ولمعانها

كل المحافظة رغم كل ما أحرزه البشر في ضوء نشاطه الفكري والعقلي من تقدم، في المعارف والعلوم.

هذا مضافاً إلى أن نسبة هؤلاء الأنبياء جميع ما عرضوه على المجتمعات البشرية إلى العالم الآخر وإصرارهم على أنها من جانب اللّه تعالى وليست من نسيج أفكارهم يناقض نظرية هذه الطائفة، التي تفسر النبوة بالنبوغ.

لنقرأ معاً الآية التي يقول اللّه تعالى فيها حاكياً عن رسول الإسلام محمّد (صلّى اللّه عليه وآله): (إن أتّبعُ إلا ما يوُحى إليّ)(سورة الأنعام: الآية 50).

أو يقول سبحانه:

(إن هو إلا وحي يُوحى)(سورة النجم: 4).

 

3 - يقولون: إن الوحي هو ظهور الشخصية الكامنة في النبي وإيحاؤها لما ينفعه وينفع قومه المعاصرين له، إليه.

وربما قالوا: إنَّ معلومات «محمّد» وأفكاره وآماله ولّدت لديه إلهاماً فاض من عقله الباطن أو نفسه الخفيّة على محيلته السامية، وانعكس اعتقاده على بصره فرأى الملك ماثلاً له وهو يتلو على سمعه ما حدّث به بعد ذلك.

وتوضيح هذه النظرية هو: إن لكل إنسان شخصيتين:

 

1 - الشخصية الظاهرة العادية وهي التي تخضع للحواس الخمس وتعمل بها.

2 - الشخصية الباطنية وهي التي تعمل عندما تتعطل الحواس، ويتعطل الشعورُ الظاهري:

وهذه الشخصية هي التي تحرك جميع أعضاء الجسم الإنساني التي لا تخضع لإرادته كالكبد والقلب، والمعدة وغيرها، كما انها هي مصدر الكثير من الإلهامات الطيبة في الظروف الحرجة.

ثم قالوا: وهذه الشخصية الباطنية قد أصبحت مدركة بالحس، فان المنوَّم مغناطيسياً يظهر بمظهر من العقل الراجح، والفكر الثاقب والنظر البعيد، ويقوم بما لا يقوم به في حالته العادية.

وقد انتهى هؤلاء الماديّون من خلال تحقيقاتهم وتجاربهم إلى: أن شخصية الإنسان الباطنية أرقى من شخصيته العادية، وإن ما يتوصّل إليه الإنسان من أفكار عالية رفيعة جداً، وما قد يتمتع به من روح قوية هو من مظاهر هذه الشخصية وفعاليتها.

فقالوا: وان هذه الشخصية هي التي تنفث في روح الأنبياء ما يعتبرونه وحياً من اللّه، وقد تظهر لهم متجسّدة فيحسبونها من ملائكة اللّه هبطت عليهم من السماء !!

فالوحي عند هؤلاء الباحثين في الروح على الأسلوب التجريبي لا يكون بنزول ملك من السماء على الرسول فيبلغه كلاماً عن اللّه بل يكون في تجلي روح الإنسان عليه بواسطة شخصيته الباطنة فتعلمه ما لم يكن يعلم، وتهديه إلى خير الطرق لهداية نفسه وترقية أمته(دائرة معارف القرن العشرين لفريد وجدي: ج 10 مادّة وحي).

ولكن هذه النظرية هي الأُخرى تنبع من الغُرور العلميّ الذي أصاب هذا النمط من العلماء الّذين يحاولون تفسير كل ظواهر هذا العالم بالتفسير المادي، وهو لا شك ينشأ من عِلمهم المحدود القاصر عن إدراك حقائق الوجود.

إننا لا نشك في وجود ما يسمى بالشخصية الباطنيّة لدى الإنسان فهو ممّا سبق إلى كشفه والتنويه به الفلاسفة الإسلاميّون من قبل ولكن كيف وعلى أيّ أساس حقَّ لهؤلاء أن يفسروا ظاهرة (الوحي الإلهي) والنبوة بهذا الأمر؟

هذا أولاً

 

وثانياً: إنّ تجلي الشخصيّة قلّما يحدث في الأشخاص الأصحّاء، بل هو يحدث في الأغلب عند المتعبين القلقين، والسكارى، والمصابين بالهزيمة والنكسة، لأن نافذة (اللاوعي) عند غيرهم من الأصحاء تنسد بسبب اشتغالهم الشديد بقضايا الحياة اليومية وهمومها، ولا يبقى للشخصية الباطنية مجال للنشاط والفعالية، كما هو العكس عند المتعبين والسكارى والمرضى الذين يقل اهتمامهم بالحياة اليومية فيترك (الوعيُ) مكانه للاوعي، وتترك الشخصية الظاهرية المعطّلة مكانها للشخصية الباطنية.

ولذلك نجد بين آلاف العلماء والمفكرين مفكراً أو عالماً واحداً اتفق له في بداية عمره أن اهتدى بصورة لا شعورية إلى فكرة خاصة أو نظرية معينة من دون سابق تفكير أو استدلال قائم على الشعور.

وخلاصة القول أن تجلّي الشخصية الباطنية في الحياة الإنسانية قضية نادرة جداً، وهي لا تحدث إلا في ظروف خاصة مثل : المنامات والأحلام وغيرها من التحولات الحياتية التي تقلل من توجّه الإنسان إلى العالم الخارجيّ وتصرفُ التفاته وتوجُّهه إلى الشخصية الباطنية.

ولكن هذه الحالة وهذه الشرائط (أي الغفلة عن هموم الحياة اليومية الخارجية) لم تحصل للأنبياء قط. فالنبي الأكرم محمّد (صلّى اللّه عليه وآله) كان طوال (23 سنة) وهي أعوام الرسالة، مشتغلاً كل الاشتغال بقضايا الحياة اليومية، فالنشاطات السياسية والتبليغية وقضايا الدعوة والقيادة كانت تهيمن على كل توجهه واهتمامه وتملأ عقله وروحه ونفسه.

فالكثير من آيات الجهاد ترتبط بساحات القتال والجهاد، وهذا يعني انه كان مشدوداً بروحه وعقله كله إلى تلك الأمور.

 

وثالثا: إن هذه النظرية يمكن أن تصدق على نبوة الأنبياء، لو كان هؤلاء الأنبياء أفراداً متعبين، منهزمين، منتكسين، مرضى، معتزلين عن الحياة ليقال حينئذٍ ان هذه الحالات والظروف مهّدت لانقطاعهم (عليهم السّلام) عن هموم الحياة، وقضاياها، وبالتالي مهّدت لفعالية الشخصية الباطنية وعملها.

ولكن تاريخ الأنبياء يشهد بوضوح لا إبهام فيه، بأنهم كانوا - طيلة حياتهم الرسالية - رجالاً مجاهدين، لا يهمهم إلا إصلاح المجتمعات وقيادة الجماعات وحل المشكلات الاجتماعية، ورفع مستويات الناس معنوياً وفكرياً، وكانوا يعملون لتحقيق هذه الأهداف ليل نهار، بلا سأم ولا ملل، ولا تعب ولا نصب.

فكيف يمكن القول والحال هذه بان الشخصية الباطنية تجلّت لديهم وأوحت إليهم بحقائق وقيم وأفكار؟

إن تفسير (الوحي الإلهي) الذي يُلقى إلى الأنبياء ويكشف لهم عن أدق الحقائق وارفعها، وأعظم المناهج وأكملها، بتجلّي الشخصية الباطنية، ناشئ من اعتقاد هذا الفريق من العلماء بأصالة المادة، أو بعبارة أخرى: حصر الوجود في المادة، ومن هنا حاولوا إلباس كل شيء حتى الأمور المعنوية والغيبية : اللباس الماديّ، وأغلقوا على أنفسهم باب عوالم الغيب، وعمدوا إلى التفتيش عن علة مادية حتى لظاهرة (الوحي) التي لا تُقاس بمقاييس العالم المادّي.

هذا مضافاً إلى أن تفسير (الوحي الإلهي) عن طريق نظرية تجلّي الشخصية الباطنية، وخاصة في شأن رسول الإسلام محمّد (صلّى اللّه عليه وآله) يواجه إشكالات ومؤاخذات أُخرى تجعل هذه النظرية في عداد الأساطير!!

وإنّ ابرز هذه الإشكالات الواردة على هذه النظرية في مجال رسول الإسلام (صلّى اللّه عليه وآله) هي: أنّ هذه النظرية ليست رأياً جديداً وتهمة جديدة توجه إلى نبوة رسول الإسلام.

فان نظرية «الشخصية الباطنية، والوحي النفسي الذاتي» هي نظرية متبلورة ومتقدمة لتهمة (الجنون والصرع) التي كان يرمي بها العربُ الجاهليّون رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله)!!

ma

azazystudy

مع أطيب الأمنيات بالتوفيق الدكتورة/سلوى عزازي

  • Currently 60/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
20 تصويتات / 193 مشاهدة
نشرت فى 15 يونيو 2010 بواسطة azazystudy

ساحة النقاش

الدكتورة/سلوى محمد أحمد عزازي

azazystudy
دكتوراة مناهج وطرق تدريس لغة عربية محاضر بالأكاديمية المهنية للمعلمين، وعضوالجمعية المصرية للمعلمين حملة الماجستير والدكتوراة »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

5,083,140