ينمو القصب في الأهوار وعلى شواطئ الأنهار وخاصة في جنوب العراق وفي محافظتي البصرة والناصرية ، وتكون المياه عاملا أساسيا في انتشارها إذ يحمل بذوره إلى مناطق بعيدة ويكون إنباته بشكل كثيف يشبه الغابات والقصب نبات اخضر اللون تلتف على سيقانه المجوفة أوراق خضر تتهدل من الأعلى وتكون طويلة التعرق ويرتبط بالأرض بجذور ليفية يصعب انتزاعه منها ، ولذلك يلجأ العامة إلى قطعه بواسطة المنجل . ففي حياته الأولى يكون علفا لمعظم الحيوانات ويباع بكميات كبيرة في الأسواق ويسمى بالعامية (العنكر) أما الباقي فيواصل نموه إلى أن يصل 3 الى 4 أمتار طولا ، ويكون بعدها جافا ويابسا دليلا بأنه قد حان قطعه بدلالة جفاف الزهرة الموجودة في أعلاه . وبعد قطعه يشدونه على شكل باقات صغيرة ؛ فالباقة تحتوي على خمس قصبات وتسمى (الدرب) ويستعمل الجيد منه والطويل لبناء (المضايف) وصنع (البواري) والأنواع الأخرى تستعمل في بقية الصناعات . عموما تصنع من القصب صناعات عديدة ومختلفة ومنها : الاكواخ ، البنكك ، البواري ، الجباشة ، الخص ، الخلوه ، الداعوج ، الشريجه ، الشاشه ، الصرائف ، الصوباط ، العرزالة ، الكبه ، المضايف ، المسبج . فالقصب مورد اقتصادي مهم يدخل في زيادة موارد سكان الاهوار والأرياف وبناء بيوتهم .
لبيوت القصب جمالها الفني الخاص ، فهي من حيث مواقعها تشكل الحلقة الوسط بين الفضاء الخارجي الواسع وبين بيوت الطين ؛ وعلى هذا الأساس يتم بناؤها في المواقع التي تجمع بين السعة المكانية والاحتواء كجزء من فضاء أريد به إشغال حيز من التشكيلة الاجتماعية للأسرة . بمعنى أن الإنسان أراد أن يحدث توازنا بين صلابة الأشياء المادية وبين رخاوة الفضاء ، فنجد أن جمالها الخارجي يكمن في انحناء ظهرها استمرارا للأفق وتكملة لدائرة موهومة يجابه ساكنه شيئا ما في الخارج . والسقف كما هي الجوانب ملساء إلا من قطع صغيرة ناتئة هي مواقع الشد الذي يلجأ الإنسان إليها باستمرار بقطع من الحبال ليزيد من صلابتها وقوتها ، وعند النظر إليها مجتمعة تشكل خلبة اجتماعية يتساوى فيها الجمال الطبيعي بالجمال المصنوع ؛ فهي جزء من فضاء محدودب تحده المياه أو قيعان النخيل ، يلجأ إليها الساكن باعتبارها نتوءات الفضاء الواسع وفيها يطل دائما باتجاه الفراغ ، فهي في موقع وسط بين البيئة العريضة وبين تكوين طبيعي – أنساني ، أنشأه بحكم الحاجة إلى وجوده الأزلي ضمن انحناءة ذلك الفضاء . أما جمال بيوت القصب الداخلي ، فيكمن في احتواءها على مساحة محدودة مستطيلة الشكل في الغالب وباب يطل باستمرار على اتجاه الريح الشمالي وبوضع منحدر من الأعلى إلى الأسفل ويتوسط الفراغ الداخلي موقد النار للتدفئة أيام الشتاء الباردة ويتسامرون أهل البيوت ليلا حول هذا الموقد وغالبا ما يلتحف الإنسان الجدران الخارجية بقطع القماش لكثرة الفتحات الصغيرة التي تشكل نوافذ لا عد لها على الفضاء الخارجي ، والجدران تمثل الحد الفاصل وغير العازل بين فضاء خارجي واسع وبين فضاء داخلي مشغول بالأشياء المألوفة . فتتولد علاقة جدلية في اختيار المكان بين الإحساس بالخطر من الخارج والأمان في الداخل ؛ فالجدران الخارجية علامة من علامات الإحساس بالخطر ، فهي النافذة الصماء على العالم والإذن الأخرى التي يستعيرها البشر من الطبيعة وبالمقابل فان الكلام والجلوس والسمر ونوعية الناس ، لا تفصح عنها إلا تلك الجدران خاصة وهي حاجز مرئي بالبصيرة القروية التي تخترق سمك ومتانة الأشياء فإذا اتسع الفضاء الخارجي ارتفع الصوت الداخلي أما إذا تقارب مع بيوت أخرى أو مع سابلة للناس خف الصوت ؛ فيكون الكلام محدد النبرة بالفضاء المحيط به ، فاختيار إنسان القرية لمكان البيت غالبا ما يصطدم بمثل هذه العقبة وتكون علاقة الإنسان القروي بالبيت القصبي علاقة متوترة باستمرار بحكم عمله في الحقل والمزرعة . أما مساحة البيت وبالرغم من امتلائها بالأشياء فهي عرضة للضوء ومجالا يحتلها أكثر من شخص وتستخدم لأكثر من غرض . ويشكل الباب في بيوت القصب محورا أساسيا فهو يتوسط بيت السكن ويقسمه إلى نصفين ؛ للجلوس حول موقد النار ونصفه الأخر للنوم ، وهو اشد الأجزاء تماسكا وأكثر الأجزاء اعتناء ويوليها صاحبها أهمية أخرى فهي ليست واطئة ولا عالية ، إذ لابد للقادم أن يخفض رأسه ويخفف من سرعة قدميه وكأنه بدخوله هذا يلقي التحية على ساحة البيت الداخلية مطأطأ الرأس حتى يصل إلى مكان جلوسه وهو في حالة انحناء . أما إذا خرج من البيت سوف يواصل الانحناء وباستقامة جسمه في الفضاء ؛ وهذا الفعلان يصنعان حاجزا مهما بين تشكيل البيت الداخلي والخارجي وأمسيا جزء من ميثولوجيا إنسان القرية يتوارثها ويتناقلها ، حيث أصبح سلوكا متوارثا . ومثل هذا الإحساس لا يتمدد بالشخص الطويل فقط بل ينتقل وبطريقة المشاهدة والملاحظة إلى الصغار والكبار والى الذين يقدمون لأول مرة إلى مثل هذه البيوت ليعيشوا فيها . وبخلاف ذلك بعد أن يتمكن الفلاح من إمكانيات مالية يسارع إلى تغيير بيت القصب ببيت الطين ويجعل له نوافذ في أعلى الجدار وفي السقف أو يجعل له بابا متسعا ، فيكون جدران الطين أكثر صلابة مما يعطي اطمئنانا باستقرار نفسي طالما إحساسه بفاجعة بيت القصب المهتز بالريح والمطر والفيضان والخطر البشري والحيواني ، ولاستكمال شروط العيش والألفة مع بيوت الطين نجده لا يترك بيوت القصب ، بل يحولها إلى سكن لحيواناته وتبقى الصلة قائمة بين القديم والحديث ، أي يخضع لعملية الحداثة شاء أم أبى .

