
لكي نفهم سيكولوجية الفرد حالياً يجب أن نُلقي نظرة على سيكولوجيته سابقاً . لقد مرَّ الشعب العراقي مثلا بويلات كثيرة وأنواع مختلفة من الاحتلال تتفاوت ما بين الأكثر همجية والأقل همجية , وكان لسوء الحظ مثاراً لرغبات أقوام عديدة , وللثروات الموجودة فيه ولموقعه الجغرافي ظل العراق مركزاً لضربات متلاحقة ، وبالمقابل ظل يحمل النسغ التاريخي الأصيل من حيث التعايش السلمي والتعامل بشفافية عالية بين الأديان والقوميات المختلفة وحتى وصل الحال إلى التزاوج فيما بينهم دون حساسية أو نفور من الآخر أو بروز عقد سيكولوجية مريضة في جميع مراحل التغيير الذي حصل في العراق لعقود طويلة ماضية ؛ ولكن ما أن حصل التغيير في عهد الجمهوريات ، انهارت القيم الاجتماعية التي كان يتحلى بها الفرد العراقي من جراء بروز مفاهيم الحداثة مما أدى إلى تراكم الصراعات بين تذويب الهويات والبقاء عليها ، أي بين البقاء على الموروث والاستسلام أمام انفلات الحداثة ، حتى نال علم السياسة جانبا من هذه الصراعات . وبعد هذا تراكمت الأسباب حتى أصبح الفرد العراقي لا يطيق أبناء قوميته ودينه ومنطقته ومدرسته فوقع فريسة ازدواجية المعايير وفي متاهات الاصطفافات ؛ فالمشكلة ليست هي مشكلة نزاع بين العقل والعاطفة ، وإنما هي في الواقع مشكلة التكتل والتفكك في النظام الاجتماعي والسياسي الذي يعيش فيه الإنسان ، فإذا تفكك المجتمع نتيجة تحركه واتصاله بغيره من المجتمعات الأخرى ضعف سلطان المثل العليا الخاصة به ، أحدثت شرخا سيكولوجيا في شخصية الفرد واختل توازنه الفكري بين حقيقة القيم الذي تربى عليها وبين سلبيات الحداثة المفروض عليه ؛ فولدت له انفصام في شخصيته وعاش في حالة اغتراب وهو في مجتمعه وبين أهله وأصدقائه ، فانعدمت القوة وضعفت الإرادة فأصبح عالمه عالما مقلوبا ، ومن هذا المفهوم ينتاب كل فرد شعور يجعله غير قادر على تغيير الوضع الاجتماعي الذي يتفاعل معه ، فينعدم عنده المعنى أو المغزى بحيث لا يستطيع أن يفهم شؤون العالم أو العلاقات الإنسانية المتداخلة ، فيقع في إشكالية الاختيار بين البدائل العديدة في الوقت نفسه لا تتوفر لديه الثقة والمعرفة الحقيقية لتساعده على الاختيار ، وبهذه الحالة ستكون الحياة عنده بلا معنى أو بلا هدف ايضا ، فيتولد لديه حالة من الاضطراب والتخبط والتفكك الاجتماعي فتدفعه هذه الحالة إلى فقدان الثقة والتنافس الفردي فيصبح في حالة عزلة عن الحياة الاجتماعية ويتخلى عن معتقداته الاجتماعية والسياسية وبالتالي يشعر بالوحدة والاغتراب عن العلائق الاجتماعية والانفصال عن القيم السائدة في المجتمع ، وبمعنى أدق سوف يشعر الفرد باغترابه السياسي لعدم مشاركته في العملية السياسية واغترابه اجتماعيا لتهميشه عقائديا وفكريا ، فيصحبه تعصب وحقد وتطرف وتنافس غير نزيه ونوايا سيئة وقد يأتي محكوما بقياسات ميكافيلية أو سفسطائية أو يعتمد منطق المغالطة .. فتكون غربة الإنسان عن جوهره والابتعاد عن المقام الذي ينبغي أن يكون فيه ، فتقف فردية الحكم منه حجر عثرة ويخسر ذاته وحريته في العيش الكريم ويكون صوته لا يسمع إلا همسا . وبهذه المعنى فقد تمحور الاغتراب ألان وفي ظل الديمقراطية حول شعور الفرد العراقي بأنه غريب عن ذاته أو عن مجتمعه الذي يحيا فيه ؛ فقد اغتراب الفكر عن الفلسفة بحجة عدم وجود مثقفين واغتراب المواطن تجاه الحضارة والثقافة بعدم تماهي ايجابيات الموروث وايجابيات الحداثة واغتراب المواطن تجاه الدولة بسبب المحاصصة الطائفية والعرقية وأخيرا أصبح المواطن مغتربا تجاه الديمقراطية . إذ من البداهة أن المواطن والمجتمع والدولة شيء واحد ومصالحهم واحدة ولا يوجد أي انفصال بينهم كما ينبغي ، فإذا حصل انفصال احدهم عن الآخر أصبحت مصلحة كل واحد عكس الآخر وتكون العلائق بينهم مضطربة ويقع الفرد فريسة لمتاهات ضبابية غير عقلانية في سلوكه السيكولوجي . فيولد حالة من الاضطراب والتفكك والخوف ليس من اللصوص فحسب ، بل أن هناك عشرات المخاوف ( والفوبيا ) ابتداء بالخوف من الجوع ومن البطالة ومن المرض مع قلة الأدوية ومن الحديث وإبداء الرأي الحر فتَجمع في نفسية الفرد نوع مُركز من أنواع الخوف المَرضي . كل هذا والشعب العراقي لا زال محافظاً على بعض القيّم وأسباب المحبة لبعضه البعض ، ولكن نلاحظ أن هناك نوع من الترقب والتأمل لدى الفرد العراقي وفي داخله غضب موجه نحو الخارج والداخل بعد أن تكونت لديه قناعة من أن التغيير أصبح غُبناً لحقوقه السياسية واغتصابا لحقوقه الاقتصادية , فتكونت لديه سِمات سلوكية انفعالية غير متماسكة قد يؤدي لا سامح الله إلى تقطع السلسلة الحديدية التي كانت تربط بين أبناء هذا الشعب وتفتيت أرضه إذا ما أخذت كل جالية وقومية ترى ما لا يراه غيرها فيسود قانون الغاب ( البقاء للأقوى والأصلح ) , وطبعاً الأصلح هنا مسألة نسبية والتقييم هو نسبي أيضاً , لذا فالهدف السائد الذي كان سابقاً وهو التعايش أصبح الآن أللاتعايش لأن هناك انحدارات وارتفاعات قِيَمية وأخلاقية بين مجموعة وأخرى , وفرد وآخر , والكل يريد تحقيق هدف محدد مختلف تماماً , وتترامى الصخور التي كانت تسد فوهة البركان ونخشى من ثورة ذلك البركان بعد أن أصبح الكل ينطوي تحت تسمية الفرد الكادح المقهور والفروق الاقتصادية أصبحت هشة ومذابة فالكل يركض لسد الرمق والبقاء حياً وليست لأي فرد الوقت أو القدرة الكامنة للالتفات إلى الوراء والنظر إلى متى تبقى من القيّم الاجتماعية أو الأخلاقية المسحوقة تحت الأقدام , فلا وقت للجميع والطوفان أسرع من العمليات العقلية وسرعة تحليل الدماغ البشري لمجريات الأحداث والقسوة المتناهية المُعاشة يومياً . ولكن عندما يمتلك الفرد زمام نفسه وأن أي عمل إبداعي يقوم به سيجعله يشعر برضا المجتمع عنه ، سيتولد عنده الإحساس بالرضا الذاتي ، عند ذلك تنتفي حالة الاغتراب والاضطراب النفسي ويتطلع إلى نظام أكثر استقرارا ألا وهي بناء الدولة المدنية المبنية على العدل والمساواة وايجابيات الموروث وايجابيات الحداثة والنهج الديمقراطي .. وبكلمة أدق يكون نهج الممارسة العملية فيها وفق ثالوث فكري وهو( النسبية – الوسطية – مزاوجة ايجابيات الماضي مع ايجابيات الحاضر) وكلنا من ادم وادم من تراب .

