حملتني على وضع هذه المقالة عدة حوافز من أهمها الاعتزاز العميق بالشعب الكردي المسالم الذي يعتز بقوميته وحضارته العريقة عبر الزمن والإحساس بأن الشعب الكردي إضافة إلى الشعب العربي هم أشد الحاجة في هذه الظروف بالذات لإظهار حقيقة تاريخ الكرد قديما وحديثا وتعريف القارئ بأصالة هذا الشعب ومدى مساهمته في بناء وتعزيز الحضارات التي عاشت في محيطه الجغرافي كالحضارة الأشورية والفارسية والعربية وغيرها ، حتى لا أبالغ فأن حضارة ذلك الشعب قد وصلت إلى شبه جزيرة سيناء آنذاك شرقا حسب المصادر الغربية . مع علمي بما ينطوي عليه هذا الموضوع من تفرعات شائكة وحساسة ، اختلفت فيها الآراء وتضاربت فيها النزعات والميول ، ومع علمي أيضا علم اليقين بأنه ليس من السهل تغيير المفاهيم التاريخية المتواترة طيلة تواجد هذا القوم ضمن الرقعة الجغرافية التي تسمى حاليا (كردستان) والتي تناقلتها الأجيال جيلا بعد جيل بتأثير نصوص تاريخية مشوهة لحقيقة أصول الكرد كما ورد في كتاب المسعودي (مروج الذهب) التي لا تصل أخباره إلى مستوى المنطق والعقل بل إلى مستوى الخرافة والأساطير المبنية على ظاهرة التعليل باعتبارها سمة من سمة الأساطير ، ولذلك نرى أن تفكيره الأسطوري تميز عن العالم النظري بفكرته عن السببية كقوله : (ودعتهم (أجناس الكرد) إلى ذلك الأنفة وجاوروا من هناك من الأُمم الساكنة والعمائر من الأعاجم والفرس فحالوا عن لسانهم) وهذا لا يرتقي إلى الحقيقة التاريخية لمعرفة أصول الأقوام التي تستند إلى المعرفة العلمية كاللغة والدين ، وكذلك الحال بالنسبة للمقريزي بكتابه (السلوك) وما جاء به الألوسي بكتابه (روح المعني) وأخيرا سذاجة الطبري في تفسيره من أن الكرد هم أعراب فارس وغيرهم من مؤرخي العرب الذين انتهجوا نفس النهج الخالي من التمحيص والتحقيق ، حيث يراد من المؤرخ أن يربط الحوادث بعضها ببعض وأن كل خبر يجب أن يقاس على ضوء العقل والمنطق والطبع السليم المتجرد عن الهوى والمعتقد والدين تفاديا للوقوع بالأخطاء الشائعة عند المؤرخين في نقل أخبارهم دون تمحيص وتدقيق . أن الشعب الكردي شأنه شأن أي شعب عندما يُستعمر من قبل قوى كبرى لها سطوتها وقوتها ، قد يتبادر إلى الذهن توهما من أن هوية ذلك الشعب قد تنصهر أو تذوب في البيئة الجديدة وهذا خلاف رأي علماء اللسانيات القائل : (أن اللغة والهوية شيء واحد) ولعل من أكبر المشاكل السياسية في العالم المعاصر تلك المتعلقة بالصراع العرقي والذي لا يبعد كثيرا عن المسألة اللغوية ، لأن هناك تماه عظيم بين العرق والوحدة اللغوية . وأن انصهار اللغة أو انقراضها يعني انقراض الأُمة وضياع ثقافتها كما كان الكرد سابقا من أتباع العقيدة الزردشتية أيام الدولة الساسانية أو كما كانوا من أتباع الإمبراطورية الأشورية أبان حكمها للمنطقة ( 4000- 612) قبل الميلاد بدليل جعل داود قائدا عسكريا عند غزو بلاد ما بين النهرين وما يؤكد على تواجد الأكراد ضمن هذه الفترة ، هو أن الأشوريين كانوا يعانون ظروفا حرجة خلال (1595-611) قبل الميلاد لتعرضهم هجمات القبائل الآرامية وغزو الشعوب الجبلية كالحوريين والحثيين . بالرغم من ذلك فأن الكرد حافظوا على هويتهم وكانوا شعبا له خصوصيته القومية من خلال أمثاله وحكمه وقصصه وحكايته وآدابه وأغانيه وموسيقاه وعاداته وتقاليده وفلكلوره بشكل عام ، وكانوا معروفين باسمهم القومي (كرد ، أكراد) ما دلت عليه المصادر الإسلامية ، إذ سمتهم بهذا الاسم حينما قاوموا الهجوم العربي أو انضموا إلى الثورات التي كانت تنفجر في وجه الفاتحين العرب . ولكن من المفارقة العجيبة أن تاريخ الكرد قد كُتب من قبل الآخرين ولم أجد من كَتب التاريخ إلا النزر القليل من مؤرخي الكرد وقاموا بتوثيق تاريخهم ، مما جعل تلك المدونات في حالة ضعف ووهن .. وهذا أحد الأسباب الذي دفعني أن أقدم على هذه المقولة مستمدا من المبادئ العلمية التي يستند إلى المنطق والعقل السليم والجرأة على خوض هذا الموضوع بغية التوصل إلى الحقيقة في مجال التفكير الإنساني القويم مع علمنا بان الأخبار قد تم خلطها من قبل المتطفلين بدسائس من الباطل وأوهموا فيها وابتدعوها زخارف من الروايات الضعيفة ولفقوها ووضعوها ، وأقتفى تلك الآثار الكثير ممن بعدهم فالتحقيق قليل وطرق التنقيح في الغالب كليل ثم أن أكثر التواريخ لهؤلاء عامة المناهج والمسالك لاعتمادهم في النقل على الغث والسمين ولم يعرضوها على أصولها فضلوا عن الحق وتاهوا في بيداء الوهم والغلط كما نقله المسعودي والطبري وابن إسحاق ومن قبلهم وأمثالهم من علماء الأمة .
وهنا فعلا تستوقفني نقطة أساسية لابد من إثارتها وشرحها ، هو أن الكاتب الفرنسي جان لوي برنار يرى أن سليمان لم يكن يهوديا ، وإنما كان أشوريا ، ويرجح كون سليمان ساميا كما كانوا ساميين أولئك الأشوريون المتحدرون من جبال زاكروس ومن صياصي القفاس ومعهم شطر من الأكراد . كل هؤلاء قد هبطوا إلى ما بين النهرين ليخضعوها بعد أن دب في أوصالها الانحلال . لقد آن الأوان للباحثين الأكراد أن يتحروا عن الحقيقة في أصول الأكراد وأن يكتبوا تاريخهم من جديد في ضوء الاكتشافات الآثارية والتطور الفكري في العالم وأن يتحرروا من التقيد بمدونات الماضي والتاريخ المشوه عن أصول الأكراد الموغل بالقدم ليطلع الشعب العربي وشعوب العالم على حقيقة الأمر ، وأن يضعوا نصب أعينهم الأسئلة التالية : هل كانت هناك في زمن داود وسليمان(1010-900) قبل الميلاد دولة إسرائيلية بمعنى يهودية حقا ، إذا كانا يهوديين حسب أدعاء التوراة ؟ وهل كانت لغة داود وسليمان عبرية بمعنى يهودية وهو نصف كردي ونصفه الآخر عربي كما يدعي الكاتب الفرنسي برنار . مع علمنا بأن قبر داود موجود حاليا في منطقة كردستان ومع علمي أيضا أن كلمة (سامي) لا تعني عربي فقط ولا تعني بأنها من صلب سام بن نوح بل تعني في لغة العرب القبائل الذين سكنوا جبالا مرتفعة أو أراضي مرتفعة ، أي تعني هذه التسمية عند ذلك السمو والارتفاع وقد أيدت التوراة هذه المعنى في سفر اشعيا (6 : 1) القائل : شاهدت السيد جالسا على عرش مرتفع سام . وعند دراسة تضاريس منطقة كردستان نلاحظ صحة ذلك . إذن فالسامية تسمية مصطنعة وهي صفة تطلق على كل الأجناس الساكنين في مناطق مرتفعة ، وليست لها معنى آخر ؟ وما هي اللغة والثقافة التي كانت سائدة في فلسطين أبان حكم داود الذي تولى الحكم في القدس في القرن العاشر قبل الميلاد ؟ ألم يكن داود قائدا لحملة عسكرية أشورية وهو المواطن الكردي ، وأن الأكراد كانوا من أتباع الإمبراطورية الأشورية وشاركوا في الحكم . فهم موجودون إبان الحكم الأشوري ؟ هل بالإمكان رفع الغموض الكثيف المحفوف بالمسألة الكردية حينما تتوفر أدلة محسوسة وملموسة لتوضح لنا حقيقة الأمر ؟ هل نبقى واقفين وقفة المستريب من هذا الغموض أم نذهب إلى تبيان ماهية العلاقة بين داود وجبال زاكروس ؟

