انطلاقا من أن التاريخ فن عزيز المذهب جم الفوائد شريف الغاية ، نجد أن هناك ما علق بالتاريخ من شبهات ومداخلات بسبب وعاظ السلاطين . خصوصا حول القبيلة نشأتها ونموها والأدوار التي لعبت في بناء الإنسان والمجتمع في الماضي والحاضر وحملوا بعض المفكرين القبيلة وحدها سلبيات ما يحدث ، وهم يعلمون بأن بعض الممارسات  الثقافية للقبيلة جاءت من ملاقحة ثقافات أقوام وافدة من الشرق أو من الغرب ؛ وبنفس الوقت لم يشر المؤرخون إلا النزر القليل من ممارسات القبيلة الايجابية الرئيسية التي ساهمت في ظهور حضارات مختلفة في الثقافة الإنسانية ، واكتفوا بالإشارة إلى عادات القبيلة وتقاليدها الهجينية بسبب ذلك التلاقح التي عرضت القبيلة للنقد ألاذع واتهامها بالتخلف دون الإشارة إلى المسبب الحقيقي لذلك التخلف ، ألا وهي النفس الأمارة بالسوء التي تتقمص كثير من ضعاف النفوس من خلال مبدأ التفاخر القبلي والاستئثار بكل شيء مالا وسطوة . وعلى هذا الأساس أعددت هذه المقالة لكي اجلي بعض الشبهات بالأدلة والبراهين من مصادر معتبرة عن أهم دور لعبتها القبلية في مجال ترسيخ الثقافات والحضارات ، ليس في منطقتنا العربية فحسب ، وإنما في العالم بأسره . وهذا الدور يعتبر دورا رئيسيا لها , ألا وهو أن (البداوة أساس الحضارة) . ولكي نقترب من هذا المفهوم ؛ هناك سؤال يحتم علينا طرحه : هل كان بإمكان سكان الجزيرة العربية البدو الذين احتضنوا رمال صحاريهم وبواديهم أن يؤسسوا الإمبراطوريات والممالك ؟ فالجواب تجدونه أيها السادة الكرام في اقرب دور تاريخي منا ، وهو دور الإمبراطورية الإسلامية ، فمن أسسها ؟ الم يكن بدو الجزيرة هم الذين قاموا بتشييدها التي امتدت في خلال قرن أو اقل من السند والهند إلى المحيط الاطلانتي شرقا وغربا ومن بحر الخزر وروسيا الصغرى وبحر الروم وفرنسا إلى المحيط الهادي وأعالي السودان شمالا وجنوبا ، تمكنوا من نشر الإسلام .. من نشر ديانته السمحة وسلطانه الرباني . وهذا وحده دليل جلي على أنهم ورثوا هذه الكفايات من تراثهم الأصيل الذي لم يزل حتى يومنا هذا يتمتع بنفس الحيوية بعد أن تطورت المفاهيم الفقهية بما يتلاءم وتطور التاريخ من خلال الاجتهاد الذي يجب أن لا يتقاطع مع النصوص القرآنية ويحدث نوع من التضاد والشبهات . وهل كان النورمان الذين اجتاحوا أوروبا وطبعوها بطابعهم أكثر تمدنا من عرب الجزيرة ؟ كل هذه التساؤلات قد أجاب عليها ابن خلدون في مقدمته المشهورة ، إذ يرى أن البداوة هي أصل الحضارة والعمران والأمصار مددٌ لها ، وان أحوال الحضارة ناشئة عن أحوال البداوة وأنها أصل لها ، كما يرى أن تطور البداوة إلى المدنية أمر طبيعي ، والسبب في ذلك أن البداوة اقرب إلى الفطرة وتتميز بخصائص خاصة بها بعيدة عن الترف والشهوات كما تتصف بالشجاعة والعصبية فتكون هي الأقدر على التغلب على الصعاب ، لأن من عوائق الملك حصول الترف وانغماس القبيل في النعيم . ويقول ابن خلدون : (لما كانت البداوة سببا في الشجاعة كما قلناه لا جرم كان هذا الجيل الوحشي اشد شجاعة من الجيل الآخر فهم اقدر على التغلب وانتزاع ما في أيدي سواهم من الأمم ، بل الجيل الواحد تختلف أحواله في ذلك باختلاف الاعصار، فكلما نزلوا الأرياف وتفتقوا النعيم وألفوا عوائد الخصب في المعاش والنعيم نقص من شجاعتهم بمقدار ما نقص من توحشهم (أي من بداوتهم) ويردف ابن خلدون ويقول: (أن لدى الدول والأمم أعمارا طبيعية كما للأشخاص ، فبعد أن تهجر البداوة والخشونة وتنغمس في الملذات والشهوات وتتخذ الدعة والراحة والرقة مألفا وخلقا تأخذ مبادئ العطب وتتضعضع أحوالها وتنزل بها أمراض مزمنة من الهرم إلى أن يقضى عليها) ويمضي ابن خلدون بالقول : (وربما يحدث في الدولة إذا طرقها هذا الهرم بالترف والراحة أن يتخير صاحب الدولة أنصارا وشيعة من غير جلدتهم ممن تعودوا الخشونة فيتخذونهم جندا يكون اصبر على الحرب واقدر على معاناة الشدائد ويكون ذلك دواء للدولة من الهرم) وهذا ما حصل في عهد حكم الأتراك حين استعانوا بالمماليك .

كما قال المؤرخ الانكليزي المشهور في هذا العصر توينبي : (إن الجفاف الذي حل بالجزيرة العربية وأدى إلى تحويلها إلى صحار قاحلة وحمل أهلها إلى تطوير حياتهم إلى خشونة البداوة ، كان عاملا في نشوء الحضارات المهمة في وادي الرافدين ؛ فانتقلت تلك الجماعات البدائية من طور الصيد وجمع القوت في العصور الحجرية القديمة إلى طور إنتاج القوت أي الزراعة وتدجين الحيوان والى تطوير الحضارة أيضا)(<!--)

وفي بحث لجرجي زيدان بعنوان (البداوة غذاء الحضارة) يقول : (إن الحضارة تبعث على الرخاء والترف والانغماس في الملذات والإركان إلى الراحة فتذهب تلك القوة وتؤول إلى الضعف . فالبداوة تقوي الأبدان وتربي النفوس على الاستقلال) ثم يردف فيقول : (كان أهل الحضارة أو المدن يستعينون بأهل البداوة أو البدو أو الجبال فيما يحتاج إلى جهد ، حتى إذا شاخت الدولة المتحضرة خلفها جيرانها البدو أو الجبليون بالفتح وقاموا مقامها واقتبسوا عادات أهلها وديانتهم ، ثم لا يلبثون الهرم فيخلفهم سواهم من أهل البادية )(<!--) .

ومثل ذلك أيضا يؤكد العلامة ول ديورانت : أن البربرية تحيط على الدوام بالحضارة وتستقر في سطحها ومن تحتها، متحفزة لأن تهاجمها بقوة السلاح أو بالهجرة الجماعية أو بالتوالد غير المحدود)(<!--)

       من هذه الرؤية أُحاول أن أجد مقاربة بين ما هو موروث وبين النهج الحداثوي لإيجاد آلية تمكننا من جعل القبيلة رافدا مهما في بناء الدولة المدنية وبشكل فاعل وناجز وخارج مفهوم الطائفية والتفاخر ، هو القيام بتأهيل القرية ثقافيا وتنمويا أولا وقبل المدينة أو بخط متوازي معها طالما إن العراق غني بنفطه وموارده الطبيعية ، ليتمكن عند ذلك أبناء القرية من الاندماج والتماهي مع المجتمعات المدنية بعد هضم التطورات والتغييرات الحتمية للتاريخ حتى لو كان بشكل نسبي طالما أن البداوة هي أصل الحضارة ؛ والحضارة والثقافة هي تقاليد في الاستخدام داخل الفكر الإنساني ، وهي تقاليد تآلفت تارة وتخالفت أخرى وتلاقحت طورا وتنافرت طورا آخر ، وان تثقيف البشر ذهنيا شان تثقيف الأرض في معناها البدائي (فلاحة الأرض) ؛ وبالتالي تتعزز الوحدة الوطنية ويكون الأداء أمراً ميسوراً ومتجانسا بين الجميع ، مما يصب في النهاية في صالح الوطن ككل.

<!--[if !supportFootnotes]-->

<!--[endif]-->

<!-- مجلة سومر ، فيصل السامر ، ص130 ، سنة 1949 .

<!-- العرب قبل الإسلام ، جورجي زيدان ، ص34 .

<!-- قصة الحضارات ، ول ديورانت ، ج2 ، ص264 ،

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 66 مشاهدة
نشرت فى 1 مايو 2015 بواسطة altaieadnan

عدد زيارات الموقع

3,625