لقد تحدث الكثير عن بغداد عاصمة الثقافة العربية كما أُريد لها أن توصف خلال هذه السنة لمكانتها الأدبية والفلسفية وما قدمته من نتاجات فكرية أغنت الساحة العربية بل والعالمية بها ... فهي تستحق منا هذا التركيز على حاضرها وماضيها وإبراز ما كتب عنها من علمائنا ومؤرخينا الإجلاء ، ولكن ان لا نعتمد على نظرية موت المؤلف وننسى جهوده المضنية التي عانى منها طيلة سنين عمره دون ذكر اسمه .. وقد حسن من قال أن بغداد كانت حاضرة قبل أن يختطها الخليفة أبو جعفر المنصور كما يتبين من النص المستل من كتاب (بغداد) للأستاذ الجليل محمد مكية عن العالمين الجليلين الدكتور مصطفى جواد والدكتور احمد سوسه رحمهما الله وهما اصدق أنباء من الكتب . وان لا نبخس الناس أشيائها إذا كنا نحب بغداد ورجالها . وهذا الكتاب من الكتب المعتبرة وذات مصادقية عالية ، لأنه صادر عن عالم مهندس معماري قد ابرع في تخطيط المدن له باع في التاريخ والمعرفة العلمية ، وهذا الكتاب موثق من  قبل كبار علمائنا الأفاضل التي تتناطح هاماتهم السماء لعلميتهم وفكرهم الثاقب . فحقا أن هؤلاء قد استوعبوا التاريخ استيعابا  وأعطوا للحوادث عللا وأسبابا وربطوها بعضها ببعض على ضوء العقل والمنطق والطبع السليم المتجرد عن الهوى والمعتقد والدين تفاديا للوقوع بالأخطاء الشائعة عند المؤرخين في نقل أخبارهم دون تمحيص وتدقيق . فالتاريخ هو فن عزيز المذهب جم الفوائد شريف الغاية  فالتحقيق لدى أولئك العظام كان وفيرا وطرق التنقيح كان يسيرا . واليكم سادتي نص هذا المستل عن تسمية بغداد والذي ورد ضمن صفحة 13 من ذلك الكتاب القيم وانأ أقف إجلالا لأولئك العلماء الأفذاذ الذين حافظوا على تراثنا ونقلوه الينا بكل أمانة ومصداقية . فالمستل يقول :

       اختلف المؤرخون قديما وحديثا في بيان اسم (بغداد) وتعيين معناه ، فمنهم من قال إن أصله (بعل جاد) بالغة البابلية ومعناه (معسكر بعل) ومنهم من قال إنه (بعل داد) أي انه إله الشمس ، ومنهم من قال إنه كلداني إن أصله (بلدادا)  و (بل) اسم الإله الكلداني و (داد) كلمة آرامية معناها (الفتك) ويذهب هؤلاء إلى انه حدث على عهد بحتنصر (604 – 562 ق. م) ملحمة عظيمة ظفر فيها بأعدائه ، فانشأ هذه القرية تخليدا لظفره وسميت باسم الصنم (بل) ومنهم من يقول بان الاسم بابلي من عهد حمورابي في القرن الثامن عشر قبل الميلاد وان أصله (بيت كداد) أي بيت الغنم ويرى بعض الباحثين أن كلمة بغداد آرية الأصل وان الكشيين استعملوها أول مرة في مستهل الألف الثاني قبل الميلاد ومعناها (عطية الإله) . والفرس يفسرونها على عادتهم ويرجعونها إلى أصل فارسي هو (باغ داد) أي بستان دادويه أو (بغ دادي) أي الصنم بغ أعطاني أو (باغ أي داد) وهو اسم بستان أنشأه كسرى آنوشروان (532 – 579م) في هذه البقعة فسميت القرية باسمه ، وقيل : كان اسم ملك الصين (بغ) فكان تجار الصين إذا انصرفوا إلى بلادهم بأرباحهم الوافرة من سوق بغداد قالوا (بغ داد) أي هذا الربح من عطية الملك وهو اضعف الأقوال وأبعدها عن الاحتمال .

       وقد ورد اسم بغداد في أخبار فتح العرب للعراق في الثلث الأول من القرن السابع للميلاد وأخبار الدولة الأموية ، وقد ذكر المؤرخون عدة أسباب حملت أبا جعفر المنصور على تأسيس مدينته المعروفة بمدينة السلام والذي يهمنا في هذا البحث الموجز هو انه عزم عزما أكيدا على إنشاء مدينة حصينة بين عدة قرى مسكونة مزدهرة وهي بغداد العتيقة البابلية وسونايا الآرامية التي من بقاياها الإسلامية اليوم مسجد المنطقة بين بغداد والكاظمية والخطابية وشرفانية وبناورا ووثالا وبراثا وقطفتا التي هي اليوم (محلة المشاهدة) بالجانب الغربي من بغداد والوردانية ، وقد اختير لموضع المدينة مزرعة تعرف بالمباركة تيمنا باسمها على عادة العرب في التفاؤل بالأسماء ، وكانت المزرعة ملكا لستين شخصا من أهل بغداد فعوضهم المنصور عنها بالنقد ، وكانت هذه المزرعة في موضع البساتين المنسوبة في أيامنا إلى الراحل عبد الحسين ألجلبي بين المنطقة والكاظمية في الجانب الغربي من بغداد . 

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 49 مشاهدة
نشرت فى 28 إبريل 2015 بواسطة altaieadnan

عدد زيارات الموقع

3,628