لست ادعي بان هذه المقالة قد استوفت شروطها العلمية ، وإنما أشبه بالمقالة الأدبية منها بالبحث العلمي . وقد كتبت على أساس الاسترسال الفكري وتداعي الخواطر من قبل النقاد في الأدب العربي ؛ وعلى أي حال فان المتلقي قد يتبن له أن تحليل ما يستبطنه سلوك بدر شاكر السياب يرتكز على محورين : الأول : بحث الشخصية البشرية بوجه عام . والثاني : بحث الشخصية العراقية . إذ لا يمكن الولوج داخل شرنقة أفكار الشاعر بدر مالم الاستعانة بهذين المحورين للوقوف على حقيقة مشاعره وعواطفه الشعرية تجاه الذاتية الفردية وتجاه الذاتية الاجتماعية . فعلم النفس ينظر إلى الإنسان كفرد قائم بذاته ، تتكون شخصيته من مجموعة الصفات الخاصة التي تميز أي فرد عن الأخر . أما علم الاجتماع فينظر إلى شخصية الإنسان ممثلة للمجتمع ، وهذا يعني أن الفرد والمجتمع ما هما إلا وجهين لحقيقة واحدة أو كما قال (كولي) : (إن الفرد والمجتمع توأمان يولدان معا)(<!--) فشخصية الإنسان إذن تسبك في قوالب يصنعها المجتمع ، ينتج تشابه كثيرا من صفاتهم الشخصية كما يتفاوتون في بعض دقائق الصفات العامة . ولعلي قد أصبت في ذلك من أن سلوك الفرد هو صنيعة المجتمع وان تركيز الانتباه على الناحية الاجتماعية أمر في غاية الأهمية في الكشف عن الشخصية من الناحية الفردية ، إذ يتبن أن المجتمع العراقي ينتج خصائص ومميزات لإفراده تجعلهم نموذجا معينا من الشخصية لا يشاركهم فيه أبناء المجتمعات الأخرى ألا وهي الازدواجية الشخصية مع احتفاظه في قوة الشخصية وضعفها وليس في وجودها وعدمها . مما سيوقعه في مستنقع التناقضات والتخبط والازدواجية الشخصية بعلم أو بغير علم . وهذا ما سيتبين من خلال التحليل الفلسفي والسيكولوجي لقصائد السياب لإمكانية استنطاق ذاتيته الفردية حسب ظروفه الذي مر بها طيلة مسيرته الأدبية للفترة من 1941 - 1964 والبيئة التي عاشها ، يتأثر بها ويؤثر فيها ، متنقلا بين المدينة والقرية ، أي بين البداوة والحضارة ، وليس بالغريب أن ينبغ بدر شاكر السياب من بيئة بدوية طالما نعلم أن أصل الحضارة هي البداوة .. البداوة التي عاشها في قرية صغيرة منسية تقع في جنوب البصرة تدعى (جيكور ومعناها بيت العميان) التي امتازت بالأساطير وتأصلت فيها منذ ملحمة كلكامش الباحث عن الخلود عند فم الخليج العربي وسقت السياب من رحيقها وتشربت منها شرايينه التي امتزجت مع فن التاريخ وعناصر الثقافة ، فبرزت عنده فكرة التعليل باعتبارها سمت الأساطير وارتكزت هذه الفكرة في العديد من قصائده لتؤصل لـ(جيكور) التي شيدت في الماضي البعيد وماتزال قائمة إلى ألان ودارت حولها موضوعات الموروث الشعبي في إطار خيالي يعكس مدى الانبهار والإعجاب بهذه المدن وان احتوت على أخطاء معرفية واضحة ، كما صورها المبدع السياب وجسدها في شخصية السندباد . أبصر النور فيها سنة 1929وترعرع وسط نخيلها السامقات وأساطيرها وحكايات عجائزها بعد أن ذاق يتم الأم وهو في السادسة من عمره .. ترعرع مع آلم الفراق .. مع الحرمان .. مع الوجع من بشاعة خلقه وزواج أبيه ووفاة جدته ونفور الحبيبات منه وإخفاقه في العمل السياسي وفقره ومرضه فعاش في خيبات متتالية في البحث عن قلب يخفق بحبه , هذا الوجع عماده الحفاظ على تقاليد القرية وكونه غلام ضاو نحيل كأنه قصبة ، ركب رأسه المستدير كحبة الحنطل على عنق دقيق تميل إلى الطول وعلى جانب الرأس إذنان كبيرتان وتحت الجبهة المستعرضة التي تنزل في تحدب متدرج انف كبير قصير القامة حنطي اللون ... الخ ، فتدرك أن هناك اضطرابا في التناسب)(<!--) تركت أثرها البين في شعره وعبقريته بدافع التعويض وطلبا للمساواة(<!--) فولد من وجعه النفسي وهو يتألم بوجوده .. ومن وجعه الجسدي وهو يتألم بغربته قصيدة تعبر عن شدة اشتياقه وحبه لقريته جيكور :
آه جيكور، جيكور؟
ما للضحى كالأصيل
يسحب النور مثل الجناح الكليل
ما لأكواخك المقفرات الكئيبة
يحبس الظل فيها نحيبه
أين أين الصبايا يوسوسن بين النخيل
عن هوى كالتماع النجوم الغريبة ؟
أين جيكور؟
جيكور ديوان شعري
موعد بين ألواح نعشي وقبري
من البديهي أن البدوي بطل شجاع وهو أبي للضيم وصاحب حمية ، صفات لا تتلاءم مع صفات المدينة المنفتحة على الصناعة وفنون العمران وهي صفة الأمة المغلوبة الخانعة حسب رأي ابن خلدون ، لأنها صفة تستدعي الخضوع والصبر والعمل الكادح وهذه مزايا لا تتفق مع مزايا الإباء والبطولة والنجدة التي اتصف بها ابن القرية امتزجت في وجدانه بكل معاني البراءة والنقاء والطهر. لذلك فان شخصية بدر صعب عليها أن تكون من النمط الأول وتأنس إليه أو تتكيف في مدينة (بغداد) وظلت جيكور تتصارع مع بغداد داخل مخياله المضبب ، لم يستطع أن ينسجم مع بغداد لأنها عجزت أن تمحو صورة جيكور أو تطمسها في نفسه(<!--) وشعر بان ذاته تنشطر إلى نصفين ، جسدت شخصيته بالازدواجية المزمنة بين نظرته الفطرية إلى روح التدين والفضيلة وبين ازدواجية المدينة ، بين التهتك وسوء الأخلاق وبين الفنون والعلوم وإحساسه انه محروم مطرود من دنيا الحنو الامومي فجاءت قصيدته (جيكور والمدينة) تصويرا ضخما طرفاها تلك المعادلة :
وتلتف حولي دروبُ المدينة
حبالا من الطين يمضُغْن قلبي ، ويُعْطِين عن جَمْرةٍ فيه طينة
حبالا من النار يَجْلِدْن عري الحقولِ الحزينة
ويَحْرِقْنَ جَيْكُورَ في قاع روحي ، ويزرعْنَ فيها رماد الضَّغينة
دروبٌ تقول الأساطيرُ عَنْها
على موقدٍ نام : ما عاد منها
ولا عاد من ضفَّة الموتِ سارِ
كأن الصَّدى والسَّكينة
جناحاَ أبي الهولِ فيها ، جناحان من صخرة في ثراها دفينة
فمن يَفجُرُ الماء منها عيونا لتُبْني قُرانا عليها ؟
ومن يُرْجِعُ الله يوما إليها ؟
كل ذلك جعلته يستسلم إلى السوداوية والدموع واللهفة ؛ فجأة قصائد السياب تبني فضاء مأزوما يقف الإنسان فيه وحيدا ومنعزلا وعاريا في مواجهة قوى
خفيه ، مسيطرة يلاحقه شعور جارف باللاجدوى واهتزاز الكينونة مثلما تبلور لديه إبداعات تقدمية كحبه الشديد للمطالعة والبحث ، وقراءة كل ما وقع بين يديه من كتب وأبحاث على اختلاف مواضيعها ، كتب دينية وكتب يسارية وتأثره بالكثير من فحول الشعراء العربية والانكليزية التي كان يجيدها ، فأصبح ذا إحساس خاص نحو الأدب الجميل ، تبلور لديه أسلوب سردي قائم على التدفق والاسترسال والحوار الداخلي والمزج بين الحلم والواقع ، وهو ما أدى إلى إنتاج عوالم رمزية شديدة الغموض ، تحيل العالم المادي المشخص إلى كيان هيلامي مسكون بالسوداوية والرعب .
على الرغم من تلك الديناميكية فقد كانت قصائده الأولى تخضع لقواعد الفراهيدي في العروض(<!--) وإعجابه بالشاعر الانكليزي ت . س . إليوت صاحب نظرية المعادل أو التبادل الموضوعي (Objective Correlative) الذي بموجبها سما السياب بقصائده واحدث توازنا بين ما تعبر عاطفته الكامنة فيه بسبب موضوع أو موقف وبين ما تثير عاطفة متشابهة للمتلقي كما أسهمت في بناء الجمل النحوية وتركيبها ونقد الواقع نقدا مبرمجا تصويريا اختص بأسلوبه المميز عن الآخرين ولم يكن مقلدا لهم ، شان معظم الشعراء يسف أحيانا ويسمو أحيانا ، لأنه ابن الطبيعة البشرية القابلة للتدجين واستطاعت روحه أن تتماهى مع شعراء الشرق الغارقون في بحور الرومانطيقية . ثم أعلن السياب أن القصيدة المتنوعة القافية أسهل عليه حتى تحول من الذاتية الفردية إلى الذاتية الاجتماعية معترفا بان تجربته الشيوعية ساعدته على إثراء نتاجه ، سمت به إلى قوة العاطفة وصدق الانفعال وشق لنفسه طريقا خاصا به أطرها بالكآبة والقلق والحرمان والحب الحزين وخيالات القبور والموت هروبا من خيباته المتتالية ودمامة خلقه متحججا بذكريات الماضي الريفي التي باتت تنغص عليه حياته وتوقعه في مستنقع الازدواجية الشخصية التي ألقت بثقلها على أعماله الأدبية وعلى مساره السياسي ، مغادرا اليسار إلى اليمين ، ولكن بقى مسؤولا في الدفاع عن الفقراء المظلومين وداعيا للسلم ومشاركا فعالا في عدة مؤتمرات أدبية وثقافية وشعرية داخل وخارج العراق حتى قيض له أن يكون مبتكرا شعر التفعيلة قبل نازك الملائكة(<!--) على حركة الشعر الحر كمحاولة جديدة في الشعر المختلف الأوزان والقوافي تجمع بين بحر من البحور ومجزوءاته ، أي أن التفاعيل ذات النوع الواحد يختلف عددها من بيت إلى آخر(<!--) كما أجاد السياب في مزاوجة القصيدة الواحدة بالشعر التقليدي من حيث وحدة الوزن والقافية والشعر الحر(<!--) .
وأخيرا أن قصائد السياب قريبة من أدب الاعترافات من حيث ارتفاع منسوب البوح وتقاطع مستوى الشكل مع الفن التاريخي وما امتاز به من الثقافة الحولية في اهتمامها باليومي في إطار التعاقب الزمني منحته صلابة سوسيولوجية ، لذا نراه منشغلا بحركة الذات وعالمها وهواجسها ليحيط بوعيه المضمر في إثناء تنقله بين عالم الشهادة الذي تدركه الحواس ويستوعبه العقل والآخر الخفي الذي يتم حدسه بواسطة مخياله . فقصائد السياب تشكل في إطارها مع واقعه المأزوم أضواء كاشفة على دواخل عالمه وما شهده من اضطراب وإحساس باللاجدوى وبعجز الإنسان وعبثية وجوده وفقدان حياته للمعنى . ومع ذلك فان الأمل الباهت الذي كان يلوح في جنباته وبروز تفرده واستقلاليته بشعر التفعيلة ومزاوجته بالشعر الحر موحدا القافية في أبيات كل مقطوعة ؛ قد حول عالم السياب إلى يأس عميق وغدا الإحساس بالسلام الداخلي الهش لونا من الاضطراب وصارت الرغبة في مجابهة العالم لونا من التوحد والاستبطان الذاتي ، مثلما غدا هاجس الموت مسيطرا نظرا لتنامي حدة مرضه وسقوطه بين الحين والآخر فريسة للتعب والإجهاد
<!--[if !supportFootnotes]-->
<!--[endif]-->
<!-- د. علي الوردي ، شخصية الفرد العراقي ، ص6 .
<!-- . د. إحسان عباس ، نفس المصدر ، ص15
<!-- د. انطونيوس بطرس ، بدر شاكر السياب ، ص12
<!-- . د. إحسان عباس، بدر شاكر السياب / دراسة في حياته وشعره
<!-- عيسى بلاط ، ص25
<!-- د. انطونيوس بطرس ،نفس المصدر ، ص223
<!-- . حسن توفيق ، ص268
<!-- . د. انطونيوس بطرس ، نفس المصدر ، ص228

