من الضروري جدا استخدام منطق الفلسفة العقلاني في دراسة التاريخ من اجل نقد الروايات والأخبار وتحليلها ، التي أوردتها الكتب القديمة لتنقيتها من الخرافات والأساطير وكل ما لا يتفق وحكم العقل ، وهذا ما نعنيه بفلسفة التاريخ التي لم تلبث أن تحولت إلى موضوع مستقل له منهجه وأهدافه ، وبما أن علم الأنساب هو احد فروع التاريخ وغني بمعلوماته من عادات وتقاليد القبلية وما يكتفها من أحداث ميثولوجية وأن أصول علم الأنساب موجود منذ أن قام الإنسان بكتابة تاريخه ، كما يندر أن نجد مؤرخا أو مفكرا تخلو مؤلفاته تماما من التأملات الفلسفية ذات الصلة بغاية علم الأنساب ومسيرته وبعض الملاحظات النقدية في أصول وانساب العشائر التي تداخلت فيما بينها ، أسست حالة ضبابية في تحديد الأنساب ، لذلك أود المساهمة في تأسيس فلسفة لعلم الأنساب ، وان السبب الرئيسي لنشأة (فلسفة الأنساب) هو قصور الطرق القديمة في تحديد الأنساب واكتشاف مسارات وغايات جديدة ، وان نجعل من هذه الفلسفة معيارا صحيحا يتحرى به المؤرخون والنسابون طريق الصدق والصواب في ما يقولونه وبإتباع الطرق العلمية الممنهجة في تحديد الأنساب البشرية والتي من هذه الطرق هو استخدام طريقة الحامض النووي (DNA)
وتسمحوا لي سادتي أن أُعطي فكرة عن ماهية الحامض النووي والأسباب التي تُلجئنا إلى استخدامه في مجال علم الأنساب على سبيل الخصوص ، كونه أسلوب حضاري وحداثوي يتعاصر مع التطور الذي يطرأ على المجتمعات متماهيا مع قوله تعالى : (وقد خلقكم أطوارا) نوح وهذا يعني أن هناك فلسفة حتمية التطور الإلهي ، لذلك فان الوصف الأصدق بين هذين الطرفين في ظل أوضاعنا الفكرية والاجتماعية السائدة هو المواجهة وليس الحوار . أي الاعتماد المباشر للحامض النووي في رسم المشجرات النسبية.. علاوة على مواجهة التاريخ وفلسفته في الكشف عن المسارات النسبية بتفسيرات حداثوية بعيدا عن الإسرائيليات طالما أن رب العزة قد أباح لنا استخدام الاستدلالات العقلية من قوله : (أأتوني بكتاب من قبل هذا أو أثارة من علم إن كنتم صادقين) الاحقاف ومهد لنا التعامل مع الفلسفة بدلالة قوله : (وكان الإنسان أكثر شيء جدلا) الكهف ومن منطلق هذه المواجهات ينبغي ألا يتجاهل أي باحث علمي نزيه عن تلك العلاقة بين العلم والتاريخ ، لان المرحلة المعاصرة من هذه العلاقة لا تتحقق بعنصر الخوف والتشكيك في مبدأ التفكير المنطقي ذاته ، بل الوقوف على النظريات العلمية والتي منها جزيئات الحامض النووي والمسمى باختصارها العلمي (DNA) والموجودة داخل نواة الخلية تقوم بخزن وحفظ المعلومات الوراثية . مثلما نواجه علم التاريخ وفنونه بعد أن نربط الحوادث بعضها ببعض وان كل خبر يجب أن يقاس على ضوء العقل والمنطق والطبع السليم المتجرد عن الهوى تفاديا للوقوع بالأخطاء الشائعة عند المؤرخين في نقل أخبارهم دون تمحيص وتدقيق لمعرفة كنه الحقيقة النسبية بين البشر منذ ظهور الإنسان على كوكبنا معتمدين على جدلية خلق آدم من بين الوقائع الدينية والدلالات التاريخية التي ولدت الفلسفة والعلم من رحمهما .
إن هناك سؤال حير عقول البشر حاضرها وماضيها وهو: ما هو أول الخلق ؟ وهل ثبت أن السموات والأرض وما بينهما تم خلقها في ستة أيام ؟ وما الحكمة من خلقها في ستة أيام ؟
لقد ثبت أن أول مخلوقات الله تعالى هو الماء ، ومنه خلق الله تعالى الأشياء كلها ومن ضمنها الإنسان وبدلالة قوله تعالى : (وجعلنا من الماء كل شيء حي) الأنبياء وقول نبيه الأمين محمد بن عبد الله صلوات الله عليه وعلى آله : (أول ما خلق الله الماء ، ولم يكن قبل خلق الماء أي مخلوق لا من البشر ولا من الملائكة ولا من الجن ، فكان الله تعالى وحده ولم يكن غيره وكان عرشه على الماء) ، كما أشارت المصادر التاريخية من أن المبدأ الأول للوجود والمأخوذ عن العراقيين في أسطورة بدء الخليقة هو الماء ، لذلك خُلق الإنسان الأول كما هو موصوف بقوله تعالى : (ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين) المؤمنون وحول القدرة الكامنة في الأتربة إلى قدرة تتمكن فيها من الأعمال الذهنية والفكرية والانتقال بواسطتها . كل ذلك نجده في قوله تعالى : (ومن آياته أن خلقكم من تراب ثم انتم بشر تنتشرون) الروم وهذا الانتشار تم بفعل تلك الطاقة الحركية ، ومما يلاحظ أن الخطاب موجه لجميع البشر وليس إلى شخص واحد معين هو (آدم) ؛ وهذا يدل على أن الله تعالى كان في الأزل قبل خلق النور والظلام والمكان والزمان والعرش والسموات والأرض وما بيتهما ، فهو قديم وأزلي ، لا بداية ولا نهاية لوجوده بدلالة قوله تعالى : (هو الأول والآخر) الحديد ، ثم جاء في الذكر الكريم أن خلق اللوح المحفوظ وأجرى عليه مقادير الخلق أجمعين ، خلق ذلك كله في ستة أيام على أكمل وجه . والحكمة من ذلك ليعلمنا الله التأني في الأمور، وإلا الله تعالى قادر على خلق ذلك بلمح البصر بدلالة قوله تعالى : (إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكن) النحل وكذلك قوله تعالى : (وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر) القمر .
لقد اختلف المفسرون بخلق آدم ، فمنهم من قال أن هناك اوادم عديدة ومنهم من قال أن هناك آدم واحد وهو أبو البشر جميعا .. فالذي تحدث عن تعدد آدم هم الصوفية والامامية بدلالة قول الإمام السجاد (عليه السلام) أتظنون إن الله تعالى لم يخلق خلقا سواكم بلى والله لقد خلق الله ألف ألف ادم والف الف عالم وانتم والله في آخر تلك العوالم وأولئك الآدميين . وقد حققه الإمام محمد عبده في تفسيره بالقول : (أن ليس في القران نص أصولي قاطع على أن البشر من ذرية ادم وحده وقد يكون لكل صنف من البشر أبا مستقلا) . وقد جاء ذلك منسجما مع قوله تعالى : (وربك الغني ذو الرحمة أن يشأ يذهبكم ويستخلف من بعدكم ما يشاء كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين) الأنعام كما تؤيد الديانة الإسلامية تكرر الخليقة مرة بعد أخرى في قوله تعالى : (أولم يروا كيف يبدىء الله الخلق ثم يعيده) العنكبوت .
كما تؤيد الشريعة الإسلامية وجود سلالات بشرية وأناسي عاشوا فوق سطح الأرض قبل أن يخلق الإنسان الذكي ، فكانوا أحط منه منزلة واقل منه فهما وذكاء وإدراكا وذلك في قوله تعالى : (وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء) البقرة فبالتأكيد سيكون ذلك الإنسان هو الذي يخلف من سبقه من بني جنسه . هؤلاء الذين افسدوا وسفكوا الدماء هم السلف البسيط الذين لا يفقهون كنه الأشياء وحتى لا يعرفوا أسماءها فهم كالبهائم يسكنون الكهوف ولا يعرفون كيف يدفنون موتاهم حتى وصل بهم الحال إلى أكل لحم أخيه الذين ما يزالون ليومنا هذا من آكلي لحوم البشر في جزر المحيط الهادي ، وقد أطلق العلماء على هؤلاء السلف بسلالات الإنسان الابتدائي أو سلالات القرود الإنساني الذي تم اكتشاف هياكلهم العظمية داخل الكهوف بأشكال مكدسة ، الأمر الذي جعل الله تعالى أن ينشأ ذلك الإنسان المميز ومنحه العقل والذكاء وجعل له دماغ متطور وخصوصا القسم الأمامي منه الذي أمتاز بالبروز وقد سميت بالمنطقة السنجابية التي اختصت بالتفكر والتعقل مما ساعده على فهم تلك الأشياء خلافا لدماغ الإنسان الابتدائي الذي امتاز القسم الأمامي منه بالتسطح لاختصاصه بالحركة فقط دون التفكر ، وبمعنى آخر إن الإنسان الأقدم لم تكن له هذه المنزلة الإنسانية السامية التي نراها هذا اليوم من آثار الذكاء والإدراك والفطنة ولم تكن له قيمة بشرية يمتاز بها عن سائر المخلوقات ولم يعرف كيف يواري سوءة أخيه ، فهو لم يكن شيئا مذكورا بدلالة قوله تعالى : (هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا) الإنسان . وبعد أن منحه الله العقل والذكاء والمعرفة فعرف الأشياء كلها ووضع لها الأسماء (وعلم ادم الأسماء كلها) البقرة ثم قال تعالى(فإذا سويته ونفخت فيه من روحي) ص أي وبعد أن اتمم الله تكوينه الفكري والعقلي والخلقي والوجداني وتميز بها عن سائر فصائل الحيوانات قال (فقعوا له ساجدين) ص . وأخيرا تؤيد الشريعة الإسلامية تطور الجسد الإنساني وانتقاله من حال إلى حال بأشكاله الخارجية في قوله تعالى : (وقد خلقكم أطوارا) نوح أي تارة بعد تارة . والتطور معناه الانتقال من حالة غير ثابتة إلى حالة غير ثابتة ؛ هو أن كل شخص يولد يحمل معه أوصاف ومزايا آبائه وأجداده القدامى ثم يضيف إليها أوصافه ومزاياه الجثمانية والعقلية الخاصة به التي اكتسبها أثناء حياته ورغم أن السلالات البشرية كلها من الوجهة الدينية تتفرع من سلالة واحدة ومن أرومة واحدة ومن نسل واحد بدلالة قوله تعالى : (يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة) الزمر حقا قد خلق الله أولئك الاوادم من طين لازب ، أي من عنصر واحد . فان لم يكن بهذا المعنى سنذهب إلى إسقاط قوله تعالى (وقد خلقكم أطوارا) نوح . وكذلك إسقاط قوله
(فلن تجد لسنة الله تبديلا ولن تجد لسنة الله تحويلا) فاطر ونكون خارج مفهوم قوله تعالى : (لو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا) النساء ولكن اعتقد والله اعلم إن الآية 48 من سورة المائدة قد أوضحت المقصود من (خلقكم من نفس واحدة) نصها : (لو شاء الله لجعلكم أُمة واحدة ولكن ليبلوكم في ما أتاكم) .
أما اختلاف الأوصاف الأصلية والأشكال الجسدية والسحنات والألوان والقابليات العقلية في الجماعات وفي الأفراد والتي ثبتت في الذريات والانسال جاءت كلها تحت تأثير أحكام التطور وتبعا للبيئة والمناخ والإقليم ونوع الغذاء. فلا يمكن أن يقال والحالة هذه أن الجد الأعلى المشترك للبشر كافة (آدم) كان ابيض أو اسود أو احمر أو اصفر وغيرها من السحنات المختلفة وقد تجلى ذلك بقوله تعالى : (ومن آياته خلق السموات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم إن في ذلك لآيات للعالمين) الروم . كما لم يكن التطور منحصرا بالإنسان وحده ، إنما قد فعل مفعوله في عالم الأحياء كافة .
إذن هناك اوادم في عوالم متعددة قد يتباينون فيما بينهم شكلا وحجما بسبب الموقع الجغرافي لكوكبهم وعلاقتهم بالجاذبية التي قد تطرأ على أجسادهم . من هذا يعني إننا لسنا وحدنا في هذا الكون . ولقد أثبت علماء الفلك في القرن العشرين من أن هناك أناس متطورون يريدون الاتصال بنا من خلال إرسالهم موجات صوتية سجلها الراصد الفلكي ، موجات معبرة جدا ومنظمة جدا ، أي أن هناك محطات لتقويتها لأنهم يبعدون عنا ملايين السنين الضوئية مما حدى بالأمريكان والروس إنشاء محطات فضائية ليكونوا أكثر قربا من أولئك الكائنات العاقلة ليسهل رصد الأصوات التي ترد من الفضاء الخارجي . وقد تأكد لهم فيما بعد أن الأرض ليست هي وحدها التي تعيش عليها كائنات عاقلة ، فلابد أن تكون هناك ملايين الكواكب الأخرى التي تتبع نظما فلكية أخرى تعيش عليها كائنات عاقلة . وهذا تأكيد آخر على صحة مقالة الإمام السجاد من أن هناك عوالم متعددة وإلا لماذا قام الأمريكان والروس بسبر غور الفضاء وإنشاء المحطات الفضائية هناك وهي تعلم كم سيكلفها من الملايين من الدولارات ؟
أما الذين قالوا أن هناك آدم واحد فهو فقط العهد القديم / سفر التكوين
القائل : من انه لا نستطيع أن نتخيل ما كان عليه آدم لكونه الشخص الأول والوحيد على الأرض ولم يكن له طفولة أو والدان أو عائلة أو أصدقاء ، فهو في عزلة لكن الله لم يتركه في هذه العزلة فقد منحه حواء ؛ فأنجبا ولدين ، قابيل وهابيل فقتل قابيل هابيل بالقصة المعروفة .
وإزاء هذا التباين في الآراء في خلق آدم وعدم وجود مصادر تستطيع أن تحدد لنا على وجه الدقة من هو آدم الأول ولخلو القرآن الكريم والسنة النبوية من ذلك التحديد ، فلا يسعنا إلا أن نقف أمام المنهج العلمي ألا وهو استخدام طريقة الحامض النووي لإثبات الحقيقة النسبية أو نبقى نجتر معلوماتنا من الموسوعات والمجلدات والكتب التاريخية النسبية والسير والتراجم وآراء السلف عن علمائنا ومؤرخينا الأفاضل ، والتي كما يبدو لي قد اعتمدوا في الكثير من آرائهم على الإسرائيليات . في حين كما نعلم بأن التاريخ يتعامل مع الاستثنائيات والعلم مع العموميات ، فنجد أن عالم الفيزياء مثلا لديه سعة إدراكية للوصول إلى أحكام مقنعة لاتخاذها قواعد معللة للتاريخ من خلال مختبره وما بين يديه من قوانين الطبيعة من اجل فهم الماضي للانطلاق منه إلى فهم المستقبل ، وذاكرة التاريخ كذلك هي مزيج من العلم والفن ، إذا ما اعتبرناه فن عزيز المذهب جم الفوائد شريف الغاية ، كما حصل عند الآثاريين في تحديد أصول الأقوام القديمة باستخدام الدراسات الانتروبولوجية للهياكل العظمية التي وجدت في مقبرة اريدو مثلا تدل على انتمائها إلى حضارة العبيد السامية هم من أجناس حوض البحر المتوسط الذين نزحوا من الجزيرة العربية اثر الجفاف الذي حل بها .وبالتالي فأنني اتفق مع من يقر استخدام الحامض النووي كمعيار، وهو الحل الأنجع والأصدق في تحديد الأنساب وبموجبه رسم المشجرات النسبية وإنشاء قاعدة معلومات نسبية يستفيد منها الجيل القادم لمعرفة موقعه وارتباطه من العشيرة .
المصادر :
1. كتاب علم اللاهيات لفاروق الدملوجي .
2. كتاب التوحيد لأبي نصير القمي .
3. العرب واليهود في التاريخ لأحمد سوسه
4. مقدمة ابن خلدون .

