من الصعب أن تجد دولة أو مجتمعا يتحدث بلغة واحدة ، فالتعدد اللغوي أمر واقع ، وعلى كل سياسة لغوية رشيدة أن تعمل على تأكيده بدل من محاربته ، فموت اللغة خسارة لا يمكن أن تعوض ، ولعل الإسلام قد أكد على قيمة التعددية اللغوية حينما ربط القران الكريم بين اختلاف الألسنة بقوله تعالى : (ومن آياته خلق السموات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم إن في ذلك لآيات للعالمين) ، ولكن لا يعني ذلك عدم البحث في أصولها وإرجاعها إلى لغة الأم طالما أن اللغة مكّون أساسي من مكونات الهوية . وعلى هذا الأساس استعرض للقارئ الكريم أصول الامازيغ .

       إن كلمة (امازيغ) وردت في الآثار المصرية واليونانية والرومانية التي عاصرت الامازيغيين . كما استدل الباحث الفاضل على أصول الامازيغيون من قول ابن خلدون بالقول : ( والحق الذي لا ينبغي التعويل على غيره في شأنهم أنهم من ولد كنعان بن حام بن نوح وأن اسم أبيهم أمازيغ) مثلما ما أشار إلى مصادر أخرى تقول عكس ذلك من أنهم من أصول أوروبية بسبب التماثل اللغوي فيما بينهما وكذلك التشابه الذي يوجد بين بعض ملامح البربر والأوروبيين مثل لون العيون والشعر من جهة أخرى . أما تسمية بربر فقد أشار الباحث أن أصل الكلمة  لاتينية تعني المتوحشون أو الهمجيون مستدلا من المصادر التي تقول بان الإغريق يسمون كل من لا يتكلم الإغريقية (برباروس) .

ومن هذا نستنتج بان البربر شيء والامازيغ شيء أخر : البربر صفة أطلقت على الشعوب غير اليونانية ومنها الامازيغيين من منطلق قول أرسطو أن الحضارة هي من خلق العقل اليوناني وحده من دون أن يشاركه فيه شعب من شعوب الأرض ، فهي أكذوبة فلسفية ، في حين نجد أن الشرق قد سبق الغرب في النظر العقلي حسب رأي ديوجين لارس في القرن الثالث قبل الميلاد(<!--) . ومن هذا السياق أصبح مصطلح التحضر يقابله دلالتين (التوحش) و (البربرية) ، وعلى أساس هذا المنطق يكون معنى التحضر التآنس والتوحش يعني التبدي ، أي بمعنى البربرية والهمجية والوحشية .. فصرنا بهذا من جهة أمام شعوب متحضرة ومن جهة أخرى أمام شعوب متوحشة أو بدائية أو بربرية . إذن فان كلمة بربري نسبة للامازيغيين ، لا معنى لها ، لا نسبا ولا اصطلاحا ، لأن حضارة الشرق تتصل اتصالا وثيقا بعالمنا سواء في الأمس عند حضارة الهند والصين وسومر وبابل أو اليوم لما لها علاقة مباشرة بالتراث العربي الإسلامي بكل جوانبه والتي بدأها الكندي وانتهى بها ابن رشد استجابة لمتطلبات عصرهم الحافل بالجدل الديني والحوار الفقهي والمناظرات المنطقية ومن بينهم ابن خلدون ، ولكن لا تخلو حضارتنا من لمسات من الحضارة الأوروبية . وعليه فأنني اتفق مع ما ذهب إليه الباحث الشريف عباس من أن أصول الامازيغيون هم عرب ، لان الوضع النفسي للإنسان الامازيغي يشير إلى انتمائه الحضاري والقومي للأمة العربية(<!--)

إذ يضم شمال أفريقيا شعوبا تجمعها خصائص مشتركة ولعل أهمها اللغة ، فلسان المنطقة الأصلي هو الامازيغية وليس البربرية كما هو شائع في التداول لما فيها من التحقير للامازيغ أو للأحرار ، وهي لغة كنعانية تنتمي إلى الأسرة اللغوية السامية ولعل أن لغة الشعوب الكنعانية التي استوطنت شمال أفريقيا قد امتدت إلى جزء كبير من أوروبا بما في ذلك اسبانيا وفرنسا بعد هجرة الكنعانيون من الجزيرة العربية في النصف الأول من الألف الثالثة قبل الميلاد بسبب الجفاف والتصحر وقلة الأمطار والبحث عن مدى حيوي وشكلوا الهلال الخصيب واستوطن آخرون مدنا في سفوح الجبال والسواحل من لبنان إلى المغرب وقد سمى اليونانيون تلك المدن (فينيقيا) والناس (فينيقيون) وهي كلمة مستوحاة من كلمة (كنعانيون) أي كان الفينيقيون يتسمون بالكنعانيين وظلوا على هذه التسمية حتى العهد الروماني . فاحتكروا أشهر الطرق البحرية وأقاموا لهم مستعمرات تجارية في قبرص وصقلية ومالطا وشمال اسبانيا . وكانت قرطاجه الواقعة في القرب من تونس الحالية أهم المستعمرات التجارية الفينيقية . وكان القرطاجيون مثل الفينيقيون يتسمون بالكنعانيين  . ولكن بعد سقوط قرطاجة بيد الرومان في القرن الثاني قبل الميلاد حدث خمول في مسيرة الحركة العلمية في فينيقيا وحلت هذه المرة اللغة اليونانية بدل اللغة الفينيقية وصار الفينيقيون يحملون أسماء يونانية ، ألا انه بقي هناك عدد من الفينيقيين الذين تمسكوا بالثقافة والتقاليد الفينيقية ، وقد برز من بين هؤلاء ماريونوس الصوري والمعروف بتأليفه كتاب في الجغرافية ووضع خارطة للعالم في سنة 120 للميلاد كانت تستند إلى معلومات جغرافية فينيقية  ، فمن البديهي أن كل أولئك المهاجرون من الكنعانيين ومنهم الفينيقيين هم من جنس واحد وقومية واحدة ألا وهي (القومية السامية العربية) ويطلق عليهم الجزريون . وان لغتهم واحدة وهي اللغة السامية العربية (الأم) التي اقرب إلى لغة بدو الجزيرة الحالية ، لان جذور الأفعال في هذه اللغات واللهجات ثلاثي وان للزمن صيغتين : صيغة الماضي وصيغة المضارع وان تصاريف الأفعال متشابهة وأصول الضمائر والأسماء دالة على القرابة الدموية (طه باقر) أما دياناتهم فقد احتفظت بطابعها البدوي السامي وبالتقاليد في شبه الجزيرة العربية فكان اكبر اله لهم هو اله (أيل) والذي يعني لديهم الإله العظيم وقد ورد اسمه في الكتابات الفينيقية بصيغة (ايلوس) (<!--) . وعلى هذا الأساس فان اللغة والدين هما المعياران لمعرفة أصول الشعوب إضافة إلى فلكلورها الشعبي .

لذلك فقد أشار ابن خلدون في مقدمته إلى أن الشعب الامازيغي شعب ذو حضارة عظيمة ، ويكفي أن تكون حواضر الشمال الأفريقي الكنعانية مراكز للعلم والتجارة في عصور ما قبل التاريخ وبعده ، كقرطاجة وطنجة .  فالراجح أن الحضارة (الامازيغية الكنعانية) لم تتوقف عند حدود أفريقيا بل تجاوزت ذلك أوروبا ، ولعل أسماء المدن الفرنسية شاهدة على أصلها الكنعاني مثل ، كيلون وباريس ومالقة وغيرها ، وبسبب هذه الحضارة العظيمة رفض الكنعانيون في صور أو في قرطاجة أو طنجة الهيمنة عليها ، ولهذا فشل الرومان وقبلهم الوندال في أحكام السيطرة على المنطقة ، وهذا دليل على كذب ادعاء بعض المؤرخين من أن أصول الامازيغيين يرجع إلى الوندال الجرمانيين(<!--) وهو ما يعني أن قبول أهل المغرب الأقصى للإسلام والعربية كان نابعا من إحساس كبير بالخصوصية العربية الجزرية الكنعانية . ولقد استمر هذا الإحساس ولايزال مستمرا في أشكال ثقافية مقنعة ولعل أهمها المنافسة المغربية المشرقية في مجالات الثقافة والإبداع . ومن الأسئلة المطروحة والمتعلقة بسبب بقاء اللغة الامازيغية قوية إلى جانب اللغة العربية ولم تتأثر بحركة التعريب ؟ لعل الإجابة تكمن في قوة الأنا الحضارية عند الامازيغ وتضاريسهم الجبلية حافظت على نوع من الاستقلال الجغرافي واللغوي للسكان الأصليين إضافة إلى قوة البُعد الديني للعروبة ، كون الامازيغية جاءت من رحم اللغة الكنعانية السامية العربية وهي اللغة الأم لجميع لهجات الأقوام السامية(<!--) بعد انشطارها إلى لهجات ولغات متعددة بسبب استهلاك اللغة على مرور السنين وبسبب متطلبات الحاجة في توثيق العلاقات بين الشعوب الأخرى ، ألا أن هذه اللهجات قد حافظت على خواصها السامية القديمة مثل المحافظة على الأعراب(<!--) بدلالة قول المؤرخ الكبير الدكتور جواد علي : (إني سأطلق لفظة عرب على جميع سكان الجزيرة بغض النظر عن الزمان الذي عاشوا فيه ولعلني لا أكون مخطئا أو مبالغا إذا قلت أن الوقت قد حان لاستبدال مصطلح (سامي) و(سامية) بـ (عربي) و(عربية) .

 

 

<!--[if !supportFootnotes]-->

<!--[endif]-->

<!-- غلاب ، محمد ، الفلسفة الشرقية ، القاهرة ، سنة 1938 ، ص10-17

<!-- مجلة التسامح تصدرها وزارة الأوقاف والشؤون الدينية العُمانية ، 2009 ، ص156

<!-- احمد سوسه ، العرب واليهود في التاريخ ، ص106 - 129

<!-- المصطفى تاج الدين باحث وأكاديمي من المغرب ، مقالة بعنوان نحو سياسة لغوية متسامحة في زمن العولمة ،

<!-- احمد سوسه ، نفس المصدر ، ص303

<!-- الدكتور جواد علي ، المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام ، ج1 ، ص255-256

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 72 مشاهدة
نشرت فى 22 إبريل 2015 بواسطة altaieadnan

عدد زيارات الموقع

3,628