رغبتُ الخروج من أطار المصادر الجدلية والفلسفة بأنواعها المختلفة ، ولكن وجدتُ نفسي داخلها ثانية وأقيم فيها حين توجهت إلى كتب الرحلات واخترت رحلتين هما رحلة أبن بطوطة المعروفة بـ (تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار) ورحلة خير الدين التونسي التي أسماها (أقوم المسالك في معرفة أحوال الأسفار) الأولى قديمة والثانية حديثة نسبيا ، ولم تحظ بالشهرة التي تستحقها . ولكن لماذا تم اختيار هاتين الرحلتين تحديدا ؟ فالجواب ، هناك أربعة أسباب : الفارق الزمني الكبير بين الرحلتين ، الذي يتيح ملاحظة تطور مفهوم الرحلة ، وما ترتب على ذلك من تغيير في مفهوم التعامل مع الآخر ، والاختلاف الجذري بين أهداف الرحلتين . فنجد أن أبن بطوطة يرحل لغرض ذاتي ، هو الحج ، فيقضي ربع قرن يجوب البلاد ، والتونسي يخرج لهدف محدد كرجل دبلوماسي بتكليف رسمي . ومن هنا يقع الاختلاف الأساسي بين الرحلتين ، الأولى رحالة مغامر ، والثاني رجل دولة وسياسي ودبلوماسي محترف . مما يعطينا مدلولا على وجود اختلاف في طبيعة النص ، فنص أبن بطوطة سردي حكائي لا يخلو من غرائبية تستند إلى مشاهدات خاصة شكك بعضهم فيها . أما نص التونسي علمي رصين يعتمد التحلي للنظم السياسية ويسعى للإصلاح الإداري ويقوم على الوقائع والإستشهادات الكثيرة . ولما كانت الموازنة بين الرحلتين من جميع الوجوه صعبة عند المقارنة ، سوى التركيز على الجانب الدبلوماسي ، إذ كان مفقودا تماما عند أبن بطوطة ، فهو ليس مبعوثا أو مكلفا ، ولكنه امتاز بمهارت دبلوماسية تلقائية . أما التونسي فهو دبلوماسي منذ اليوم الأول لرحلته . وإذا كان أبن بطوطة قد عاد ليكتب تقريرا سياسيا في فحواه ، فإن التونسي انتهى جغرافيا ومصلحا اجتماعيا ، لأن التونسي السياسي المحنك الدبلوماسي المحترف يفتقر إلى ما تحتاجه هذه الصفات ، ويقضي حياته في صدامات متوالية مع أهل زمانه ، على حين أن أبن بطوطة المغامر يستخدم الوسائل الدبلوماسية والمعالجات السياسية ، فيجد القبول ويحظي بثقة الكبراء ، حتى إن سلطان الهند أوفده بهدايا إلى ملك الصين . ومن هذا يبدو أن رحلة ابن بطوطة تحفل بكثير من الجوانب الدبلوماسية ، تخلو منها رحلة التونسي . لا شك إن ملاقحة لهاتين الرحلتين يدخل في إطار رصد العلاقة مع الآخر على الصعيد الفردي وإن اختلفت ملامح هذا الفرد ومنطلقاته وغاياته ، مما يجعلنا أن نضع خطا جديدا في لوحة العلاقات الخارجية .

       من منطلق مقولة أبو الحسن المسعودي أنه (ليس من لزم جهة وطنه وقنع بما عنى إليه من الأخبار من إقليمه كمن قسم عمره على قطع الأقطار ووزع بين أيامه تقاذف الأسفار واستخرج كل دقيق من معدنه وإثار كل نفيس من مكمنه) . ومن مقولة ت. س . إليوت (ارتحلوا .. انطلقوا أيها الرحالة فأنتم لستم نفس الأشخاص عند بدء الرحلة) . ومن مقولة الحكمة القائلة (لا يتحتم أن يكون ذا نفع عند الغربيين يكون له نفع عند الشرقيين ، أي : إن ما يكون في باريس حسنا يكون في برلين قبيحا ، وإن ما يكون في لندن حميدا يكون في العراق ذميما ، وما يكون في روما حقا يكون في مكة باطلا ، وما يكون عند الغربيين جدا يكون عند الشرقيين هزلا) .

       يبدو من هذه الرؤى والمنطلقات أوقعتنا ، شأنا أم أبينا ، في جدلية أدب الرحلات بين الشغف بها وبين منطلق فكري نحو دراستها من منظور جديد . وغايتنا من هذه الجدلية ، هو إبراز حقيقة مفادها أن الأعمال التراثية وبتنويعاتها وتفرعاتها المعرفية ، سواء القديم منها أو الحديث ، يمكن أن تشكل دائما مجالا دراسيا متجددا وداعيا لمخرجات فكرية مختلفة وأُطر منهجية متطورة . وبهذا يتم التواصل بين الحاضر والمستقبل ، الأمر الذي ينبثق منه الجديد في الفكر والحياة ، لذلك نجد أن الكثير من الرحالة قد تركوا كتبا قد احتوت على الكثير من الملامح الأدبية والنواحي الجمالية التي برزت في اختيار الألفاظ وحسن الأسلوب وجمال التعبير ، وعلى هذا الأساس أضحت كتب الرحالة مجالا للتحليل الأدبي (الاثنولوجيا) إضافة إلى كونها سجلا أثنوجرافيا معا . ومن هنا يمكننا أن نعرض نماذج ومقتطفات من كتاباتهم لتكون شاهدا على ما احتوته كتابات الرحالة من عناصر أدبية وموضوعات اثنوجرافية على حد سواء ، بالرغم من أنهم ليسوا من أرباب صناعة الأقلام . ألا أن مادة الرحلات اكتسبت بصفة عامة شعبية وتداولا واسعا بين القراء ، لما احتوت هذه المادة على الكثير من عناصر الخلق والإبداع مع الابتعاد عن الأسلوب الأكاديمي الجاف والمادة التجريدية ، لذلك لعبت تلك الكتب دورا كبيرا في تقديم صورة (الغير) لقرائها ورسمت مجموعة من الانطباعات العامة والتصورات عن الشعوب الأُخرى صادقة كانت أم خاطئة . وعلى كل حال فان كتب الرحلات قد قدمت مادة ثرية ، دليلا بارزا على قيمة الرحلات في التزويد المباشرة بالمعلومات المستمدة من الملاحظة المباشرة والمعاينة الشخصية عن الأحوال السياسية والاجتماعية والثقافية للبلدان التي زاروها أو أقاموا فيها وعن طبائع أهلها ومعالم حضارتهم وهذا يشكل جوهر العمل الإثنوجرافي ، إضافة لإصدار أحكام تقويمية لما شاهدوه أو سمعوه ، وهذا ما دأب عليه المفكرون باستخدام عبارة (أدب الرحلات) نظرا لارتقاء الوصف في كثير من أعمال الرحلة وبلوغه حدا كبيرا من الدقة علاوة على الأسلوب القصصي ، السلس والمشوق ، مما يجعل هذا الوصف صيرورة لمتعة ذهنية كبرى برغم من أنه لا يرتقي إلى مستوى الفن القائم بذاته كفن القصة أو الشعر أو المسرح أو المقالة الأدبية ؛ ألا أنه لنقل أن أدب الرحلات تجتمع فيه أساليب هذه الفنون وموضوعاتها كلها دون أن تُضبط معاييرها أو أن تخضع لمقاييسها . وبهذه المناسبة أود أن أبين الفرق بين مصطلح (الاثنوجرافيا) ومصطلح (الاثنولوجيا) ؛ فالاثنوجرافيا : هي كلمة معربة تعني الدراسة الوصفية لأسلوب الحياة ومجموعة التقاليد والعادات والقيم والأدوات والفنون والمأثورات الشعبية لدى الجماعة أو لدى مجتمع معين خلال فترة زمنية محددة . أما مصطلح (الاثنولوجيا) ؛ الذي يهتم بالدراسة التحليلية والمقارنة للمادة الاتنوجرافية بهدف الوصول إلى تصورات نظرية أو تعميمات بصدد مختلف النظم الاجتماعية الإنسانية من حيث أصولها وتنوعها . وهذان المصطلحان يشكلان قاعدة أساسية للبحث (الاثنوبولوجيا) ويقصد به النسق المعرفي والمنهجي لدراسة الإنسان طبيعيا واجتماعيا وحضاريا . أي لدراسة تطور الإنسان ووجوده .

       فهناك أمثلة كثيرة وعديدة قد يطول بنا المقام ونبتعد عن جوهر الموضوع هو جدلية أدب الرحلات ومدى تأثيره على الفنون الأخرى فلنكتف هنا بالإشارة إلى رحلة ابن جبير لنسبر غورها ونتعرف على النص الأدبي فيها من خلال نقله لنا صورا حية وصادقة عن المدن والمجتمعات الإسلامية في المشرق العربي وعن عادات السكان وتقاليدهم ونظمهم الاجتماعية وأحوالهم النفسية وذلك في القرن السادس الهجري في فترة كان المشرق العربي الإسلامي يخوض حربا صليبية بقيادة صلاح الدين الأيوبي . فكان وصفه صادرا عن عاطفة قوية جياشة سواء أكانت هذه العاطفة مبعثها الحب والإعجاب أم البغض والكراهية ، ويظهر ذلك بشكل جلي من وصفه لمدن قد أُستردت من الصليبيين وتلك التي بقيت بأيدهم ، فمما لا شك فيه أن الوصفين كانا مختلفين ؛ فالأولى كانت عاطفة حب وإعجاب والثانية عاطفة بغض وكراهية . وعند استقراء وصف المدن في هذه الرحلة نجد بروز القيمة المنهجية بثلاث نواح لدى ابن جبير وهي (المرافق ، المشاهد ، الارياض ) :

1. المرافق وتشمل : الأسوار والحصون والمساجد والمدارس وحمامات المياه والأسواق والمنازل والشوارع والأبواب .

2. المشاهد وتشمل : المقابر والموالد وآثار الأنبياء والعلماء والأولياء والمواقع غير الإسلامية والمعابد والكنائس وغيرها من الآثار غير الإسلامية كاليونانية والرومانية .

3. الأرياض تشمل : الأحياء والضواحي .

       لم يقتصر وصف ابن جبير للمدن على المحتوى الإثنوجرافي والمنهجي في
حسب ، بل برز أيضا العنصر الأدبي متمثلا في جمال اللفظ وحسن التعبير على النحو الذي ورد مثلا في وصف مدينة دمشق :

(جنة المشرق ومطلع حسنه المؤنق المشرق ، وهي خاتمة بلاد الإسلام التي استقريناها وعروس المدن التي اجتليناها وقد تجلت بأزاهير الرياحين وتجلت في حلل سندسية من البساتين ، وجلت من موضوع الحسن بالمكان المكين وتزينت في منصتها أجمل تزيين وتشرفت بأن آوى الله تعالى المسيح وأمه عليهما السلام إلى ربوة فيها ذات قرار ومعين ، ظل ظليل وماء سلسبيل تنساب مذانبه انسياب الأراقم بكل سبيل ورياض يحي النفوس نسيمها العليل ، تنبرج لناظرها بمختلي ثقيل ، وتناديهم هلموا إلى معرس للحسن ومقيل قد سئمت أرضها كثرة الماء حتى اشتاقت إلى أضماء فتكاد تناديك فيها الصم الأصلاب (اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب) قد أحدقت البساتين بها إحداق الهالة بالقمر واكتنفتها اكتناف الكمامة للزهور وامتدت بشرقها غوطتها الخضراء امتداد البصر ، فكل موقع لحظته بجهاتها الأربع نظرته البالغة قيد النظر ولله صدق القائلين عنها ؛ إذا كانت الجنة في الأرض فدمشق لا شك فيها وإن كانت في السماء فهي بحيث أسامتها وتحاذيها)<!--.

       لذلك تعتبر الرحلات ذات قيمة تعليمية من حيث أنها أكثر المدارس تثقيفا للإنسان وإثراء فكره وتأملاته عن نفسه وعن الآخرين . فإن كتابات الرحالة أيا كانت توجهاتهم الفردية ونزعاتهم الشخصية ، فهو تصور إلى حد كبير لبعض ملامح حضارة العصر الذي عاشوا فيه كما تصف الكثير من عناصر ثقافة وأحوال الشعوب التي زاروها واختلطوا بها ، سواء كانت رحلة فعلية أو من نسج الخيال مثل رحلة السندباد البحري السبع التي وردت في حكايات ألف ليلة وليلة .

 ونختم القول بمقولة الفيلسوف الإنكليزي فرانسيس بيكون : (إن السفر تعليم للصغير وخبرة للكبير) .

 

 

<!--[if !supportFootnotes]-->

<!--[endif]-->

<!-- رحلة ابن جبير ، ص234-235 .

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 507 مشاهدة
نشرت فى 21 إبريل 2015 بواسطة altaieadnan

عدد زيارات الموقع

3,625