إن معظم الذين كتبوا القصة العربية ، وخاصة كتاب التسلية ، كانوا متأثرين أو مقتبسين للقصة الغربية ، وقد اهتموا بقصص التسلية لموافقة أمزجتهم وأمزجة القراء الذين لم يكونوا مستعدون لتقبل القصة الفنية الحديثة ، وعندما بدأ كتابنا الحداثويون في كتابة هذه القصة كانوا متأثرين كذلك بالقصة الغربية ، وكان تأثرهم أكثر عمقا وجدية من تأثير سابقيهم ؛ وكان (موبسان) النموذج الأول تم احتذائه في القصة القصيرة الحديثة في البلدان العربية ، ويتلوه في ذلك (تشيكوف) ، فكان إنتاجهم الأول في العشرينات من القرن العشرين ، لكنهم لم يهتدوا إلى ما اهتدى إليه (موبسان) من أن القصة القصيرة لا تحتاج إلى الوقائع الخطيرة والخيال الخارق ، بل يكفي الكاتب يتأمل في الوقائع العادية والأفراد العاديين لكي يفسر الحياة ويعبر عن خفاياها من خلال موقف أو لحظة من لحظاتها . وكانت الواقعية الحديثة هي المذهب الملائم لهذا النهج ، إذ أن الفن الواقعي لا يسمح بالتطور الحر للذاتية الفنية فحسب ، بل انه أيضا يقرب الفنان بصفته إنسانا كائنا من السمات الأساسية لعمله ؛ فالتوجه نحو الحياة الواقعية يأتي بكل جوانب الحياة التي كانت تعتبر تافهة ، غير هامة ، ولا تستحق انتباه الفنان الحقيقي ، إلى مجال الأدب والفن ، لذلك سلك (موبسان) في القصة القصيرة مسلك (زولا) واضرابه في الرواية ، من حيث الاهتمام بدقائق الحياة وتفصيلاتها وتصويرها بطريقة واقعية .. وبعد (موبسان) اشتهر منهجان في كتابة القصة القصيرة: الأول منهج الكاتب الروسي (أنطوان تشيكوف) والثاني منهج (سومرت موم) ولكل واحد منهما انفرد بطريقة خاصة ، فالأول تميز الإيغال في الواقعية ، فقد اهتم بالأشخاص العاديين كالفلاحين والتجار وعمال المصانع وأصحابها ، واعتمد الصدق في تصوير حياتهم العادية والعمق النفسي في تحليلهم . أما الثاني مع تأثره بموسان لم يعرض عن التشويق بالعقدة والحل والإغراب في قص الواقع وهو يخالف تشيكوف بالرغم من أن تشيكوف قد استطاع أن يخلق قصصا خالدة من اضطراب الناس في الحياة العادية . هناك قصص كثيرة ذات تعبير جيد وأسلوب حسن أو ذات دلالة اجتماعية أو سياسية معينة أو تعالج موضوعا مما يشغل الناس ، ولكنها في بنائها ليست من القصة القصيرة في شيء . والواقع أن القصة القصيرة عمل أدبي دقيق تنطبق عليه الكلمتان المأثورتان ( السهل الممتنع) ، لأن الموقف هو الموضوع الغالب على القصة القصيرة وان رسم الشخصية هو الموضوع الغالب على الرواية ؛ ويمكن أن نضيف إلى الموقف موضوعا آخر يصلح للقصة القصيرة والحكاية ، ويقصد هنا القصة القصيرة جدا أو الأقصوصة ، هو الإيحاء ولفت النظر ، أو ما يقابلها حرفيا (الاقتراح) . وليس من اليسير وضع تعريف واضح ومحدد وان كان يتحفز على لساني هذا الوصف : حادث موحد يتخلله موقف محدد أو لحظة معينة ويسوده التسكع الشعوري ؛ وليس كل تسكع مثال الأخر ، فهناك من يتسكع في المحال التجارية ولا يشتري شيئا . وبمعنى آخر أن القصة القصيرة قد تلتقي بالحكاية المطولة في عدد الكلمات التي قد تستغني عن الإسراف في اللغة والإسهاب في التعبير ، لأنها تعد حشوا فيها ودخيلة عليها . ونستطيع أن نجمل خصائص القصة القصيرة في كلمتين : (الوحدة والتركيز) فالوحدة تكون في الحادث والغرض والموقف ، والتركيز يكون في كل شيء ، في حين نجد أن القصة القصيرة الحديثة قد تجاوزت في الشكل على طريقة العقدة المتأزمة والحل أو المفاجأة الأخيرة ، وفي المضمون على الحادث الغريب والخيال البعيد ، لأن القارئ يوجه عنايته إلى التعبير عن حالات النفس البشرية والإحساس التي تضطرب في نفس الإنسان وتبدو كأنها حديث عادي عما يحدث لكل إنسان . فكان أول من كتب القصة القصيرة في شكلها الحديث المتكامل هو الكاتب الفرنسي (موبسان) .
إذن تتخذ القصة القصيرة جدا حجما محدودا من الكلمات والجمل ، وألا تتعدى مائة كلمة في غالب الأحوال ، أي خمسة أسطر على الأقل وصفحة واحدة على الأكثر، لكي لا تتحول إلى أقصوصة أو قصة قصيرة أو رواية بنفسها السردي المسهب والموسع ويتم اختيار الجمل ذات الفواصل القصيرة والجمل البسيطة من حيث البنية التركيبية ذات المحمول الواحد ويكون شكلها قائم على الاختزال والاقتصاد اللغوي والامتلاء الدلالي بصورة تذكر بالمحمولات الجمالية للشعر، وبطريقته التي تختزل التفاصيل وتفارق النثر الذي يميل إلى نوع خاص من الإطناب أو الاستطراد التعبيري ، فيكون تأسيسها معماريا على البداية والعقدة والجسد والنهاية ، ألا إن أهم عنصر في هذا الفن الأدبي هو النهاية أو القفلة ، لأنها تربك المتلقي بإيجازها وتكثيفها .

